بحث

ضد التجنّي على لغتنا

استشهد بها

بدأ هذا في لقائنا اليومي بالشركة عندما اعترضت على حشو البعض لكلامهم بالإنجليزية دون داع ، وقد أردت نشره هنا متابعة لرسالة ألف، فهو ليس طرحا وافياً للقضية التي لا زالت أبواب البحث والنقاش فيها مفتوحة على المستويات العلمية وهي تجديد النحو والتعريب ( وكان آخر حلقاتها، حسب ظني، كتاب شريف الشوباشي يسقط سيبويه وتحيا اللغة العربية). كانت مداخلتي في اللقاء (الذي تسميه الإدارة huddle meeting!) قد أسيء فهمها وأخذها المدير على أنها "تعصب رجعي للغة ميتة ولا ترقى لحمل أفكار علمية" و"محاولة للتودد إلى الإسلاميين" الذين غزوا شركتنا!
إن الركود الذي تتهم به اللغة العربية نتاج طبيعي لكل قرون التخلف والاستعمار والإفقار التي عانتها منطقتنا، وعلينا أن نراه جنبا إلى جنب مع كل ركود وفساد في المعارف والفنون والأخلاق والعمل السياسي والنظام الاجتماعي. علينا أن نذكر أن هذه اللغة نفسها هي التي أبدع بها ابن سينا والمتنبي والفارابي وابن عربي ومي زيادة والجاحظ ومصطفى مشرفة وجمال حمدان وإبراهيم الكوني وفريال غزول، فقد استطاعوا أن يعبروا بها إذا في شتى الميادين دون حرج.

في الرياضيات علم كامل أساسي اسمه Algebra وهو فرنجة للكلمة العربية ’الجبر‘، وهناك باب الخوارزميات Algorisms باسم العالم المسلم، الخوارزمي، الذي رغم فارسيته شاء أن يكتب كل أعماله بالعربية لأنها كانت لغة العلم (الحية) في العالم آنذاك، وقد أبقى الغرب اليوم على كل إسهاماتنا في المجالات العلمية ولم ينكرها، كما أنه يعود للاتينية منبع لغاته (التي لا يعرفها الآن سوى الكهنة والأكاديميون المتخصصون) لإطلاق المصطلحات الحديثة جدا مثل cybernetics وquantum وغيرها، دون أن يتهمه أحد بالسلفية والرجعية.
لم يستح مثقف فذ مثل سلامة موسى أن يعرب أسماء المذاهب السياسية التي ظهرت في العالم في زمنه وآمن بها، مثل socialism ’الاشتراكية‘ وcommunism ’الشيوعية‘، ولنا أن نتساءل لماذا فعل موسى ذلك، وكيف كانت هذه الأفكار ستنتشر بين الطبقات الكادحة غير المتعلمة، فالترجمة والتعريب إذا مقاربة وعجن لواردات الخارج في ثقافة الداخل كوسط جديد، تماما مثلما يفعله مهندسو الوراثة مع النباتات الغريبة فلا يدعي أحد أنهم مجانين أو مخربين لتربتنا الزراعية.
لا أنكر أن في اللغة العربية عيوبا كثر، ولا أنكر أيضا وجاهة الآراء القائلة بأن ما نتحدثه ليس ’العربية‘ ولكنه ’المصرية‘ بالنسبة للمصريين و’الفينيقية‘ بالنسبة للشوام و’الأمازيغية‘ للمغرب العربي وهكذا، ولست الآن بصدد أن أعلق على هذه النظرية (وهي موضع جدل قائم وقد دحضها لغويون غير عروبيين)، ولكن يبقى أن ’ما نتكلمه‘ – في مصر مثلا – أيا كان اسمه – لغة حية صالحة للتطور ومواكبة علوم ومعارف وثقافة ما بعد الحداثة، التي تنطلق في بعض أركانها بالمناسبة من إعادة معالجة التراث!
وكان الشيخ أمين الخولي يقول أننا لنصل إلى الجديد لابد أن نقتل القديم بحثا، كما أن طه حسين الذي دعا في مستقبل الثقافة في مصر إلى الأخذ بكل ما يأتي به الغرب حسنه ورديئه، هو نفس الناقد الذي تحفظ على الياء الزائدة في عنوان مجموعة يوسف إدريس الأولى أرخص ليالي فلابد أنه لم يعن الإلقاء بالتراث في جب النسيان.
إن مناهج العربية في مصر تخلو إلى اليوم من قصيدة واحدة للعظيم الأسطوري فؤاد حداد وتعج بنصوص سقيمة للبارودي وشوقي ومصطفى صادق الرافعي لأنها فصيحة!
أهم مشاكلنا اللغوية اليوم هو الجمود الذي يركب رؤوس القائمين على مجمع اللغة (الذين سموا التليفزيون ’مرنأة‘!)، والهجمة الغبية من قطاعات المثقفين والإعلاميين (حراس الحروف المقدسة) على لغة شباب اليوم ومفرداتها العجيبة، فيرمونها بالضحالة والقذارة والإجرام، وذلك في مقابل اعتماد لغويي الولايات المتحدة لكل ما يستحدثه طلبة مدارسهم الثانوية من تعبيرات وألفاظ هي في الغالب تابوهات متأثرة بثقافة الشارع وغير محكومة بأطر قواعد الإنجليزية في الصرف والنحت..إلخ.
إن أكثر ما تفتقده اللغة في نظري هو طاقة العامية، التي لم تفصل هذا الفصل الحاد عن الفصحى في الغرب، فالعامية هي في الواقع لغتنا الحقيقية التي استوعبت كل الروافد وأكسبتها دلالات أصيلة في الاستخدام اليومي النشط المرن الذي لا يعبأ بتحريم المجمع للّحون، ولنذكر هنا المثال الشائع على تعريب الكلمة الكثيرة الاستخدام في حياتنا الحديثة: ساندوتش، والمثال تصحبه نكتة (لا أعرف مدى صحتها) تقول أن المجمع اقترح جملة "شاطر ومشطور وبينهما طازج" كمقابل، وهو حل شيطاني لعين إذا صحت الرواية، وحتى اللفظة المختصرة ’شطيرة‘ لا تستخدم خارج الكتب إن استخدمت، فما رأيكم في المقابل الذي قدمته العامية ولم يجد طريقه إلى قواميسنا حتى الآن، عندما يقول ابن البلد الصعيدي أو الدلتاوي أو القاهري مثلا "إديني شقة فول يا عم"؟؟
اللغة (أو اللغات) العربية ليست مقدسة (أو لغة أهل الجنة!)، ولكنها ليست فقيرة كذلك، بالعكس، وعلينا كناس يتحدثون هذه اللغة أن نعمل على تطويرها وحل مشاكلها، فاستعارة لسان أجنبي ليست حلا، حيث أن اللغة وعاء للثقافة، ولا يمكننا (حتى إذا شئنا ورضينا) أن نستعير ثقافة الغير.
الاثنين, يناير 03, 2005

موقع الخرز الملون http://hamuksha.blogspot.com/2005_01_01_hamuksha_archive.html

التعليقات

سجّل دخولك لتتمكّن من التعليق. والتعليق باسمك، فلا حاجة إلى كتابة اسمك وبريدك في كلّ مرّة.

لا تعليقات على هذا المقال بعد — كن أوّلَ المعلّقين.

أحدثُ ما في الباب من «العربية في قفص الاتهام»

كلُّ الباب ←