Search

جدا الوراثة والبيئة من منظور ديني.

في سؤال مطروح عن: الأهمية النسبية لكل من الوراثة و البيئة في البناء النفسي للإنسان بإيضاح الرأي الديني في هذين المجالين مستعينا بالقران الكريم و السنة النبوية. 

الجواب :

* أولا: الوراثة :

في البدء يمكننا القول أن المسئول الأول عن السلوك الإنساني أيا كان شكله مجموعة من العوامل الداخلية للفرد و مجموعة من العوامل الخارجية المتصلة بالبيئة الخارجية المتصلة بالبيئة الاجتماعية و المادية التي يعيش فيها و الواقع انه لا ينبغي ألا أن ننظر لسلوك الإنسان في حد ذاته غافلين عما يحيط به من ملابسات و ظروف بيولوجية و نفسية و اجتماعية و مادية فهناك استعدادات فطرية أو مكتسبة عند الإنسان وهذه الاستعدادات تختلف من شخصية فرد لآخر و أثر الوراثة في تعيين طبيعة الاستعداد يعد مهما فنحن لا نرث القلق أو التهيج أو حالات الاكتئاب ولكن الفرد يرث الاستعداد أو القابلية نحو الإصابة نتيجة عوامل تكوينية من نوع خاص  أهمها الحساسية أو سرعة التأثر أو عدم الاتزان الانفعالي فهذه الأسباب التكوينية تكون في الفرد نوعا خاصا من الجبلة تصبح أرضا خصبة إذا ما توفرت العوامل الخارجية الاجتماعية و الثقافية .

 وهنا نذكر تأكيد القران الكريم على موضوع الوراثة و أثرها في السلوك الإنساني:

قال تبارك و تعالى سبحانه :

((إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا )) سورة الإنسان / الآية2

يقول سيد قطب في ظلال القران عن معنى هذه الآية الكريمة :"الأمشاج الأخلاط وربما كانت هذه إشارة إلى تكون النطفة من خلية الذكر و بويضة الأنثى بعد التلقيح وربما هذه الأخلاط تعني الوراثات الكامنة في النطفة و التي يمثلها ما يسمونه علميا (الجينات ) وهي وحدات الوراثة الحاملة للصفات المميزة لجنس الإنسان أولا و لصفات الجنين العائلية أخيرا "

وكما نعرف أن النطفة خلية كاملة تحتوي على 46 كروموسوما ونصفها من الأب و نصفها من الأم أي حاملة للصفات الوراثية من الوالدين .

وقد أشار الرسول الكريم :– صلى الله عليه و سلم – إلى اثر الوراثة في السلوك الإنساني فعن أبي هريرة – رضي الله عنه و أرضاه – قال : ((جاء رجل من فزارة إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : إن امرأتي ولدت غلاما اسودا فقال (صلى الله عليه و سلم): (هل لك من ابل ؟) قال : نعم قال : (فما ألوانها؟) قال: حمر قال: (هل فيها من أورق؟ أي: الجمل الذي في لونه سواد إلى بياض) قال: إن فيها لورقا قال: (فأنى أتاها ذلك؟) قال: عسى أن يكون نزعة عرق قال –صلى الله عليه و سلم-: (وهذا عسى أن يكون نزعة عرق )).(البخاري-الجامع الصحيح –كتاب إثبات النسب-\)

يشير الحديث الشريف بوضوح إلى دور الوراثة في لون الإنسان و إن لم تظهر في الوالدين و قد أثبتت الدراسات الحديثة هذه الحقيقة وهي ما يعرف بالصفات المتنحية.

وقد أشار الرسول الكريم إلى اثر الوراثة في السلوك الإنساني بقوله: (أن النطفة إذا استقرت في الرحم احضرها الله كل نسب بينها و بين آدم)(البخاري-الجامع الصحيح –كتاب النكاح)

وقال الرسول الكريم : (تخيروا لنطفكم و أنكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم)

فهنا أشارة إلى اختيار الزوج زوجته من الأصل الطيب حتى تكون الذرية طيبة من الناحية الوراثية وكذلك من الناحية الخلقية فكما قال الشاعر:

إن المحاسن في البنين وراثة     لمحاسن الأجداد و الآباء

فانتقال أخلاقيات الأباء إلى الابناء لا تكون عن طريق المحاكاة فقط بل عن طريق إرثية الأخلاق أي الاستعدادات الوراثية الأخلاقية والميول .

البيئة :

"هي النتاج الكلي لجميع المؤثرات التي تؤثر على الفرد من بداية الحمل حتى الوفاة. "

وتأخذ هذه البيئة من خلال ارتباطها بحياة الإنسان أشكال متنوعة منها: بيئة ما قبل الولادة وتنقسم إلى: البيئة الداخلية للخلية والبيئة المحيطة بالجنين ومن ثم البيئة بعد الولادة وتنقسم إلى:البيئة الطبيعية و البيئة النفسية و البيئة الاجتماعية و البيئة الثقافية.

 و رغم إيماني بكل ما تحويه البيئة من عوامل في التنشئة النفسية للإنسان إلا إنني أؤمن كل الإيمان إن البيئة الأسرية هي البيئة التي تشتمل على كل تلك الأنواع وان كان بصورة نسبية أو ضئيلة غير واضحة و ذلك من خلال الاتجاهات التي يغرسها المربون في أبنائهم منذ أن كانوا أجنة في بطون أمهاتهم إلى أن يخرجوا إلى هذه الحياة متفاعلين معها بنموهم المستمر من النواحي المختلفة  فهي التي تصنع الإنسان تمثالا واحدا منذ ساعة الولادة إلى إن يلتف به كفنه بعد فراق الحياة فهي الأساس الذي سيؤثر بأعمق صور التأثير ولا يستطيع الإنسان إن ينفك عنها مهما حاول.

فكلما كان الاتفاق بين الوالدين متمثلا في أجمل صوره شاع في الجو الأسري الهدوء و الأمن وأنتج لنا أبناء قائمة نفوسهم على التوازن العاطفي و السلوكي المحمود قادرين على إثبات وجودهم في هذه الحياة و تأدية أدوارهم على خير ما يكون ومن هنا يقول الله تبارك و تعالى:   ((والذين آمنوا و أتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم و ما ألتناهم من عملهم من شيء)) وإنما تكون التبعية في الصلاح و الإيمان بالتربية القائمة على ذلك .

وفي دراسة أقيمت على أسر الجنود الأمريكيين الذين يعملون في البحرية وجد تدني في المستوى السلوكي و الأخلاقي و الدراسي لدى أبناء تلك الأسر و كان السبب الرئيس كما أوضحته الدراسة هو غياب دور الآباء في تربية أبنائهم لقضائهم ساعات طويلة في العمل و ركون المسألة التربوية بأكملها على الأمهات مما أدى إلى وجود التمرد و الخروج عن السيطرة عند الأبناء الذكور في تلك الأسر فعدم وجود الطرف الحازم في التربية يؤدي بالأبناء إلى الانفلات و قد وردت من سيرته الشريفة (صلى الله عليه و سلم) أنه كان يعلق العصا في ناحية من منزله الشريف ليدخل الهيبة في نفوس الصغار.

و الاهتمام بالطفل في الأيام الأولى من حياته يلعب دوره البالغ في الحفاظ على الصحة الجسمية و التي بالاهتمام بها توفر للفرد إمكانات أكثر وقدرات أوسع فيما بعد وما يمكن أن نأخذه من سنة الحبيب المصطفى في هذا الصدد سنته المباركة في تحنيك الطفل بالتمر من اليوم الأول وحلق رأسه في اليوم السابع فقد أثبتت دراسة نشرت قبل عامين أن الأطفال المحنكين بالتمر أصبحت عندهم آلة النطق سليمة و قدرتهم على إخراج الحروف من مخارجها الصحيحة أكبر كما أن حلق الطفل في اليوم السابع  كان له دور في تقوية السمع و الانتباه عند الطفل ((ويعلمكم الله و الله بكل شيء عليم)).

وأما ما يخص بيئة الرحم فقد وجد أن الأمهات اللواتي كن يكثرن من تلاوة القران في الشهور الثلاثة الأخيرة من الحمل والاهتمام بتلاوة القران على الطفل بصورة يومية في العامين الأوليين كان هؤلاء الأطفال أقدر على حفظ القران الكريم كاملا قبل سن العاشرة وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن السماع للقران الكريم يوفر تقوية لذاكرة الطفل وكما أثبتت الدراسة الأخيرة دور السماع للقران الكريم في تقوية جهاز المناعة حتى عند الذين لا يفهمون العربية وصدق مولاي العظيم إذ قال سبحانه ((وننزل من القران ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين)) .

كما أن للتسميات التي تطلق على الفرد دورها القطعي في نفسية الإنسان ففي دراسة تربوية قام بها الدكتور / الفاضل : عبد الله  محمد عبد المعطي

عن الألقاب الايجابية التي يطلقها الإباء على أبنائهم والأسباب الدافعة لها كان من الإجابات على هذا السؤال :

لتفجير مواهب الأبناء وزيادة طموحهم والتقريب بين الأبناء و الآباء ولأنها ترفع من مستواهم الأخلاقي و السلوكي.

وقد خرجت الدراسة بالارتباط الوثيق بين الألقاب التي يلقيها الإباء على أبنائهم و بين العمل و الإبداع. وإذا انطلقنا من الكتاب العزيز فسنجد أن الله تبارك و تعالى قد أطلق أسماء على الكثير من الأنبياء من قبيل التشريف و رفع الشأن ومنها : تسمية النبي الكريم بالبشير و السراج المنير والدلالات الايجابية التي لها آثارها المعنوية البالغة ومنها قوله سبحانه :

(( يائيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا و نذيرا وداعيا إلى الله و سراجا منيرا)) الأحزاب : الآيتان الكريمتان : 46-47.

ومن سنة المصطفى (صلى الله عليه و سلم) تسمية أصحابه فمنهم من لقبه بأمين الأمة ومنهم بالفاروق ومنهم بالحواري وتتسع دائرة الصحبة المحمدية وتحتويها عناية الله و رسوله بالدفع و التمكين .

هنا أتوقف فدائرة الكلام في هذا الموضوع في أطر الكتاب العزيز والسنة المباركة تتخطى شرذمة إلى مجلدات وموسوعات وأنتقل إلى:

الرأي النفسي و التربوي الحديث:

 

وجهة النظر التي تحظى بالقبول عند الغالبية العظمى من العلماء النفسيين في السنوات الأخيرة عي التفاعل بين الوراثة و البيئة فالوراثة لا تعمل في الفراغ و البيئة يجب أن تتوفر بها مواد بيولوجية لتعمل بها فكلا من الوراثة و البيئة على نفس الدرجة من الأهمية وليس لواحدة منهما فضل على الأخرى .

ويؤكد مبدأ التفاعل عند التربويين على أنه يجب أن يأخذ كل فرد أقصى فرصة تعليمية و ثقافية وذك إذا أردنا أقصى تنمية لإمكاناته و لا يعني مبدأ التفاعل إن جميع الإفراد سيكونون قادرين على التعلم و التحصيل و الأداء بدرجة واحدة عند منحهم الفرص نفسها فلا يزال المدى واسعا للفروق الفردية ويذك تحدد الوراثة المستويات العليا للقدرات العقلية التي يمكن إن يصل إليها الفرد إذا ما توفرت له البيئة المناسبة لإظهار تلك المستويات ويكننا تجميع العلاقة التفاعلية بين البيئة و الوراثة من خلال المعادلة الآتية :

السلوك (الإستجابة) = المثير (البيئة) X الفرد (الوراثة).

 

 

      بعد الاستعانة بالله تم الاستعانة بالمراجع التالية :

1-    القران الكريم .

2-  الكناني – البروفيسور : ممدوح وآخرون (1423هـ/2002)–المدخل إلى علم النفس – الكويت –مكتبة الفلاح- الطبعة الثانية .

3-  عبد المعطي- عبد الله محمد (1427هـ/2006م)– كيف تصنع طفلا مبدعا؟ - القاهرة – دار التوزيع و النشر الإسلامية – الطبعة الأولى .

4-    النعيمي – فاضل عبد العباس (1421هـ /2000م) – النفس الإنسانية في القران الكريم – دمشق – دار الفكر .

 

 

 

Comments

Sign in to comment. Comments appear under your own name, so there is nothing to type but the comment.

No comments on this article yet — be the first.