Search

التطور الدلالي لبعض ألفاظ واردة في كتاب طوق الحمامة

إن اللفظ والدلالة شيئان متلازمان تلازم الليل بالنهار, ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر؛ إذ لا يوجد لفظ بلا معنى , ولا يوجد معنى ليس له لفظ.والدلالة عبر التاريخ الإنساني أصابها تغير وتجدد, وهذا التطور الدلالي له أسباب , منها التقدم الحضاري, فبعد حصول التقدم في الحضارة , لم تعد بعض الألفاظ ملبية لحاجة البشرية إلى التعبير عما يريدون , فطورا دلالات حتى تكون متماشية مع الحضارة. ومن أهم أسباب التطور الدلالي رقي الفكر الإنساني, فقد كانوا يطلقون بلفظ على شيء معين , ثم لحظوا منه معنى خاصا فرمزوا بهذا اللفظ إلى ذلك المعنى, هذا ما اشتهر عند الناس بالتشبيه . وهناك أسباب كثيرة ليس المقال محل ذكره. في هذا البحيث الصغير, سنحاول – قدر المستطاع – دراسة بعض ألفاظ في الصفحات العشر الأولى من كتاب طوق الحمامة بين الألف والآلاف للإمام علي بن أحمد بن سعيد بن زهر الأندلسي, معانيها وما يعتريها من تطور دلالي. 1- قال الإمام ابن زهر : ولا حملنا ما لا طاقة لنا به. كلمة "الطاقة "أصابها تطور دلالي, نذكر معانيها كالتالي: شعبة من ريحان ونحوه القدرة وما يستطيع الإنسان أن يفعله بمشقة , ومن ذلك قال سبحانه : وعلى الذين نطيقونه فدية طعام مسكين القوة المستخرجة من تفاعل بعض المواد, مثل : الطاقة الشمسية ., وهي القوة المستخرجة من أشعة الشمس أثناء تفاعلها مع بعض المواد الخاصة . تحليل : لا نستبعد أن يكون معنى شعبة من ريحان ونحوه أسبق هذه المعاني, وذلك لكونه معنى حسيا , والحسي أسبق من المعنوي, والدليل على ذلك أيضا أن معاجم المتقدمين لم تذكر إلا إياه بينما نجد المعنى الثاني في معاجم المتأخرين , ثم إذا تكلمنا عن عصرنا هذا , نجد الكلمة تستخدم بغير هذين المعنيين , مثل الطاقة الكهربائية والطاقة النووية والطاقة الهوائية وما إلى ذلك من الطاقات , فمن الظاهر أن سبب التطور من المعنيين السابقين إلى هذا المعنى هو التقدم الحضاري. 2- قال الإمام ابن زهر : والأولى بنا مع قصر أعمارنا ألا نصرفها فيما نرجو به رحب المنقلب وحسن المآب غدا. التطور الدلالي لكلمة "الصرف" الصرف في الدراهم : الفضل والزيادة ومنه الصَّيْرَفِيُّ والصَرّافُ. ولهدا صَرْفٌ على ذاك: أي فضْلٌ. الصَّرْفُ في الحَدِيثِ النبوي : الْمدِينَةُ حَرَمٌ ما بينَ عائَرٍ - ويُرْوَي عَيْرٍ - إِلى كَذا، مَنْ أَحْدَثَ فيها حَدَثاً، أَو آوَي مُحْدِثاً، فعليه لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكةِ والناسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولا عَدْلٌ: التَّوْبَةُ، والعَدْلُ: الفِدْيَةُ قاله مَكْحُولٌ. أَو: هو النافلَةُ، والعَدْلُ: الفَرِيضَةُ قاله أَبو عُبَيْدٍ. أَو بالعَكْسِ أَي: لا يُقْبَلُ منه فَرْضٌ ولا تَطَوُّعٌ، نقله ابنُ دُرَيْدٍ عن بعضِ أَهلِ اللُّغَةِ.أَو هو الوَزْنُ، والعَدْلُ: الكَيْلُ أَو هو الاكْتِسابُ، والعَدْلُ: الفِدْيَةُ. أَو الصَّرْفُ: الحِيلَةُ وهو علم الصرف : هو العلم الذي يعنى بدراسة بنية الكلمة العربية. تحليل : يبدو أن العلاقة بين هذه المعاني ليست واضحة تمام الوضوح, لكن مما يغلب على الظن أن الكلمة كانت تستخدم في الدراهم قبل معنى التوبة, لأنه لم يظهر لي أي دليل على أنها كانت تستخدم قبل الإسلام بمعنى التوبة أو العدل , الأمر الذي دفعني إلى ترتيب معنى التوبة بعد معنى الفضل أو الزيادة . أما كونها علما مستقلا فمن المأكد أن هذا المعنى جاء متأخرا عن المعنيين السابقين ؛ لأن علم الصرف لم يكن موجودا بهذا الاسم قبل الإسلام ولا في عصر صدر الإسلام. 3- قال الإمام ابن زهر : وقد جاء في فتيا ابن عباس – رضي الله عنه – ما لا يحتاج إلى غيره حين يقول :هذا قتيل الهوى ولا عقل ولا قود . من معاني كلمة عقل : عقل البعير بالعقال أي ربط يديه " العقل مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به " . والمعنى الذي أورده الإمام ابن زهر هنا : الدية . "قلت: والعَقْل في كلام العرب: الدِّية، سميت عَقلاً لان الدية كانت عند العرب في الجاهلية إبلا، وكانت أموال القوم التي يرقئون بها الدماء، فسِّميت الدية عَقْلاً لان القاتل كان يكلف أن يسوق إبل الدية إلى فناء. ورثة المقتول، ثم يعقلها بالعقل ويسلمها إلى أوليائه. وأصل" . تحليل : من الظاهر من كلام الأزهري أن معنى عقل البعير كان أسبق من معنى الدية , أما كونها بمعنى ضد الجهل ؛ فهو من أصل معاني الكلمة ولا نستطيع أن نحكم عليه بالتطور , وفي المحكم آيات كثيرة سيقت فيها الكلمة بهذا المعنى الأخير. 4- قال الإمام ابن زهر : ولقد علمت فتى من بعض معارفي قد وحل في الحب وتورط في حبائله . أصل معنى الورط : أرض لا طريق فيها . من معانيها المطورة : الهلاك تحليل : مما يساعدنا على فهم معاني بعض الكلمات معرفة أصلها , مثل كلمة ورط , فإنا نستخدمها كثيرا بمعنى الإحراج أو الإهلاك , لكن أصلها أرض مطمئنة لاطريق فيها , ومما يعيننا على معرفة أسبقية احدهما على الآخر أن معنى الأرض حسي وأن معنى الهلاك معنوي ,والحسي أسبق من المعنوي ,ثم إن العرب تستعير معنى الأرض التي يقع فيها الهلاك للتعبير عن الهلاك , ومعلوم أن المعنى المستعار أسبق من المعنى المستعار له .

Comments

Sign in to comment. Comments appear under your own name, so there is nothing to type but the comment.

No comments on this article yet — be the first.