Search

هلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك.

كلمات شريفات قالها النبي صلى الله عليه وسلم لتقرع آذان رجل استُعملَ على صدقات بني سليم يُدعى (ابن اللتيبة)؛ إذ  جاء إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  بمال الصدقة فقال: هذا مالكم وهذا أُهدي إليّ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:((فهلاَّ جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا)) حديث شريف.

و(هلّا) في اللغة أداة حض وزجر، تحض المخاطب على فعل ما يجب، وتزجره عن الوقوع فيما لا يصح.

وتلك الكلمات التي قالها رسول الله تقرع آذان كثير من الناس ممن يستغلون وجودهم في مكانة معينة، كمنصب، أو رئاسة لجنة من اللجان الخدمية في بعض المؤسسات لكي يحصل على ما لا يستحق، أو يتفضل على غيره بما لا يملك، ﴿وَّيُحِبُّونَأَنيُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُواآل عمران188، أو يخدم ذويه وأبناءه من خلال خدماته الفياضة على زملائه، أو يحرم من تلك الخدمات من لا يعطي أبناءه أكثر من حقهم.

ونسي أو تناسى  أن ما وُكل إليه من منصب أو رئاسة لجنة من اللجان يُعدّ أمانة، وهي يوم القيامة خزي وندامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة)) حديث شريف.

وقد تتحكم أهواؤه في قراراته، فلا يبالي بأن يُنقص الحقوق، أو يزيد عنها، تبعا لبغض فلان، أو حب آخر، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَأَقْرَبُلِلتَّقْوَىٰالمائدة 8، ويلتمس الحجة لنفسه أمام الناس، حتى يصدقه الناس ويعذرونه، ثم يصدق نفسه هو الآخر.  أيتناسى صاحبنا  أن الله يعلم السر وأخفى؟  ويعلم ما كان وما هو كائن وما لم يكن لو كان كيف كان يكون!.

موقف: ( الهدية كانت في زمن النبي هدية وهي اليوم رشوة):

قد اشتهى  خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز تفاحا فقال: لو كان عندنا شيء من تفاح فإنه طيب الريح طيب الطعم، فقام رجل من أهل بيته فأهدى إليه تفاحا، فردها عمر بن عبد العزيز، فقال أحد الحضور: يا أمير المؤمنين قد بلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة! فقال: ويحك! إن الهدية كانت للنبي صلى الله عليه وسلم هدية وهي لنا اليوم رشوة.

وما أكثر ما يُسمَّى هدية وهو في كنهه رشوة، ولا يخفى ذلك على كل ذي لُب.

موقف آخر: (ابنا أمير المؤمنين فأسْلَفْكُما):

خَرَجَ عبدُ الله وَعُبَيْدُ الله ابْنَا عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ في جَيْشٍ إلى الْعِرَاقِ فلما عادا مرَّا على أبِي موسى الأشعَرِيِّ وهو أَميرُ البصرَةِ فَرحبَ بِهِمَا وَسَهَّلَ، ثُمَّ قال لهما: هَا هنَا مَالٌ من مالِ الله أُرِيدُ أن أبعث بِهِ إلى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأُسْلِفُكُمَاهُ فَتَبْتَاعَانِ بِهِ مَتَاعًا من مَتَاعِ الْعِرَاقِ ثُمَّ تَبِيعَانِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَتُؤَدِّيَانِ رَأْسَ الْمَالِ إلى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَكُونُ الرِّبْحُ لَكُمَا، فوافقا على ذلك، فلما قَدِمَا باعَا وربحا، فلما دفَعَا رأس المال إلى عُمرَ وعلم بقصتيهما، فقال عمر: أَكُلُّ الجَيْشِ أسْلَفَهُ مِثْلَ ما أسلفكما؟ قَالاَ: لاَ، فقال عُمَرُ بن الْخَطَّابِ: (ابْنَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ... فَأَسْلَفَكُمَا)!، ثم قال: أَدِّيَا الْمَالَ وَرِبْحَهُ، فَأَمَّا عبدُ الله فَسَكَتَ وأما عُبَيْدُ الله فقال: ما ينبغي لك يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هذا، لو نَقَصَ هذا الْمَالُ أو هَلَكَ لَضَمِنَّاهُ، فقال عُمَرُ: أَدِّيَاهُ.

فضّلهما  أبو موسى الأشعري على غيرهما؛ لأنهما ابنا أمير المؤمنين، فرفض ذلك أمير المؤمنين، وذلك يذكرني بواقعة أستاذ تولى منصبا في إحدى المؤسسات التعليمية، فعاقب زميله بحرمانه من حقه؛ لأنه لم يعط ابنه  التقدير الذي يرجوه الولد وأبوه، حتى وإن كان الابن لا يستحق، أما من عامل أولاده بالفضل فله المكافآت والطلبات المجابات. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوافَقَدِاحْتَمَلُوابُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا. الأحزاب 58

وكذلك لا يصح أن يتربح من وراء إبرام عقد بين شركة خارج مؤسسته ومؤسسته، على سبيل الهدية أو العمولة كما هو متعارف، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: " هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ"حديث شريف.

صديق نصوح:

الصديق من مادة (صدق)، فهو الذي يَصْدُقُك المشاعر، ويَصْدُقُك في تقويمك، وتعديل عيوبك، وما أقل الصديق اليوم، وهكذا المسلم كما أخبر النبي: (المسلم مرآة أخيه)، لا يجامل صديقه فيقلب القبح حسنا، والظلم عدلا، وإذا أراد أن يُصلح بين صديقه وغيره أصلح بالعدل ﴿فَأَصْلِحُوابَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِالحجرات 9. بل هو من يسدي إلى صديقه النصائح، و(المرء على دين خليله)، وهكذا نرى مجتمعا ناجحا بوجود الصديق الصدوق النصوح.

قال أحدهم: "عجبا لهؤلاء المسلمين، كيف يخرجون من الدنيا بعيوب، وقد أمرهم دينهم بالتناصح، وجعل كل واحد منهم مرآة لأخيه، حتى يُقوّم من نفسه"!.

مجتمع علمي متعاون:

المجتمع الناجح يُعين أفراده على الخير، والنجاح، وإذا كُلّف أحد أفراده بمهمة ما، ينبغي أن يكون أهلا لها، متجردا عن المصالح الشخصية؛ فالنفس ضعيفة، فمثلا لا يُكلف بلجان خدمية في مؤسسة تعليمية من له مصالح شخصية عند زملائه، كأن يكون له ابن (طالب) عند زملائه، أو أحد من أهله تحت إدارة من يحتاجون إليه، وهكذا. ولا يخفى على أحد أن ذلك يؤثر في نفس أي إنسان. مما يحمله على المجاملة أو الظلم، حتى يستحل لنفسه ما لا يحل، ويغلبه شيطانه، فيزين له أن إكرامه وتعظيمه واجب على الجميع، وأنه أهل لذلك؛ لأنه خدوم ويسهل مصالح الناس، على الرغم من أنه كُلف بذلك وصار واجبا عليه، ومن مهامه التي يتقاضى عنها الأجر من مؤسسته، لا المكافآت والهدايا والإكرامات من الناس، وقال الله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُهَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌالنور 15

أخيرا/ دعوة المظلوم مستجابة:

اعلم أنك إن زدت غيرك أكثر من حقه، فستنقص غيره عن حقه، وفي كلتا الحالتين أنت ظالم لنفسك ولغيرك، والظلم ظلمات يوم القيامة، ((ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين. "حديث شريف"))

لا تَظْلِمَنّ إِذَا مَا كُنْتَ مُقْتَدِراً *** فالظُّلْمُ آخرُه يأتيكَ بِالنّدَمِ
نَامَت عُيونُك والمَظْلُومُ مُنتبهٌ *** يَدْعُو عَلَيك وَعَينُ اللهِ لَم تَنمِ

وإن نجح أحدنا في إقناع الناس بأنه لم يخطئ، وأنه ذو قلب أبيض لا يضر أحدا....، فكيف به بين يدي الله حين يُسأل؟ فيُختمُ على فيه وتنطقُ أعضاؤه، ولا حيلة وقتها ولا وسيط، والمستور يومها ظاهر ومعلوم، ومن خلفه نار جهنم، أعاذنا الله من حرها.

Comments

Sign in to comment. Comments appear under your own name, so there is nothing to type but the comment.

No comments on this article yet — be the first.