العربية في قفص الاتهام

رسالةٌ في لُغةٍ مَيِّتةٍ !- عبد الجليل الكور

هذا المقال مكتوبٌ على شكل رسالةٍ إلى من يَهُمّه الأمر، خصوصا إذَا كانت اللُّغةُ التي ٱستُعملتْ في كتابتها لم يَعُدْ أيُّ ناطق - كما يظنّ بعضُهم- يَتكلّمُها أو يَفهمها في الحياة اليوميّة!

إلى كل قارئ من مُتصفِّحي "هسبريس"،  تحية طيِّبة، وبعد:

اِعلَمْ، أيُّها الكريم، أنّكـ - وأنتَ الحيّ النّاطق!- بصدد قراءةِ رسالةٍ مكتوبة في لُغةٍ ميِّتةٍ، لُغة كانت تُسمّى «العربيّة»، وهي لُغة يُقال - وٱللّـهُ أعلم!- بأنّ قبائل شتّى بشبه الجزيرة العربيّة قد ٱستعملتها لُغةً مُشترَكةً بينها منذ أواسط القرن الخامس بعد ميلاد المسيح عيسى (عليه السلام)، وبأنّها عَرفتْ ٱزدهارًا كبيرًا منذ قيام "الإسلام" في بداية القرن السابع حيث صارتْ - بعد نحو قرنين من ذلكـ- اللُّغةَ الأساسيّةَ في حضارةٍ عالميّةٍ ٱمتدّت من حدود الصين شرقا إلى شبه الجزيرة الإيبيريّة غربا (الأندلس)، وذلكـ طيلة ثمانية قُرون تقريبا!

وأكيد أنّكَـ، أيّها الفاضل، تُدْرِكُـ أنّ "الميِّت" هو من فَقَد نَسمةَ الحياة فذهبتْ منه القُوّةُ الفاعلة وصار أَثَرًا بعد عَيْنٍ، حيث يأخُذ مُرورُ الزّمان في تَعْفيَةِ مَعالمه شيئا فشيئا فيَقِلّ ذِكرُه بين الأحياء أو يَنْقطع إلى الأبد! و"العربيّة"، بما أنّها قد أصبحت لُغةً ميِّتةً، لا تملكـ تلكـ "الرُّوح" التي تُسمعكـ كلاما مفهوما أو تُحرِّكـ فيكـ جارحةً ساكنةً، وبَلْه أن تُشْعركـ بالحياة في نَضْرتها وحلاوتها!

ولا شكّـ أنّكـ سترى أنّه من عجيبِ المُفارَقات أن تُكتَبَ رسالةٌ بلسانٍ ما عادَ يَتكلّم به أحد! ورُبّما يكون كاتبُ هذه الرسالة (وقارئُها أيضا) آخرَ الأحياء النّاطقين بذلكـ اللِّسان الذي قد تكون رسالتي هذه آخر ما يُكتَب به! ما عدا إذَا بدا لكـ أن تُجيب عنها برسالةٍ تَبْعثُها إلى كاتب هذه الأَسطُر ولو في تعليق على الهامش (مثلا: «ما أشدّ حماقتكـ، أيّها الكُويْتِب! أتَكتُب بلُغةٍ مَيِّتة رسالةً يُستبعَد أن يقرأها أحد؟!»)!

طبعا، لن يَغيب عنكـ أنّني قد أكون واهمًا بالفعل إلى الحدّ الذي لم أتَبيّنْ أنّ الكتابةَ في لُغة ميِّتة تمرينٌ غير مُجدٍ إلّا لمن كان يلهو أو يعبث! لكنْ، قد تَستغرب كيف أنّني رُبّما أقلّ وهمًا ليس مِمّنْ لا يزال يَكتُب مُؤلفات أو يُترجمها في لُغةٍ "ميّتةٍ"، بل مِمّنْ يَعتقد أنّها لُغةٌ "ميِّتة"، ثُمّ تجده يَكتُب بها مقالاته (وأيضا شهادتَه فيها بما هي كذلكـ) كأنّه قد عَدِم الوسائل فلم يَبْق له سواها لتأكيد موتها! بل كأنّه لا يُحْيِيها بالكتابة فيها إلّا بقدر ما تُسعفه للتعبير عن موتها غير المأسوف عليه عنده!

وقد يَزدادُ عَجبُكَـ إذَا عَلِمْتَ أنّ كاتبَ هذه الرسالة ليس الوحيد الذي ما زال يَكُتب بـ«اللِّسان العربيّ»، بل هناكـ المئات من أمثاله في هذا البلد (وفي واحد وعشرين بلدًا آخر) ممّن يَستعملونه في الكتابة، كما يَتبادلون به الحديث على قَدْرِ ما يُطيقون أو حينما يُضْطَرُّون!

وأكثر من ذلكـ، فهو لسانٌ يُعلَّم ويُتَعلَّم في كل تلكـ البُلْدان، بل حتّى خارجها ببعض بُلدان العالم غير العربيّة حيث يَطلُب أُناسٌ معرفتَه بحكم الفُضول أو بغرض الدِّراسة والبحث أو طلبًا لمزيد من المعرفة بالحضارة التي عُرِفتْ عموما بـ"العربيّة" (أو، بالأحرى، «الإسلاميّة/العربيّة») والتي يرى بعض الباحثين أنّ شُعْلتَها لم تَنطفئْ إلّا بنهاية القرن السابع عشر (حينما كان كتاب "ابن سينا" المعنون بـ«القانون في الطبّ» لا يزال مُعتمدًا في بعض جامعات أُرُوبا)!

لا يخفى عليكـ أنّه حيثما ذُكِرَ «اللِّسان العربيّ» يَحضُر "الشِّعْر" بصفته «ديوان العرب» الذي جمع العشرات من أسماء الشعراء (والشّاعرات) الذين تَنافسوا في فُنُون النَّظْم بقصائد سارتْ بها الرُّكْبان! كما يحضر "القُرآن" الذي هو كتاب "الإسلام" مُعجزًا ومَتْلُوًّا بين يديْ مليار ونصف من سُكّان هذا العالَم! وفضلا عن ذلكـ، فإنّ أسماء مثل "الفارابي" و"ابن سينا" و"الغزالي" و"الخُوارزميّ" و"الرازي" و"البيروني" و"ابن الهيثم" و"الزهراوي" و"ابن النفيس" و"ابن رشد" و"ابن عربي" و"ابن البنّاء" و"ابن خلدون" (وغيرهم كثير) لم يكتبوا مؤلفاتهم إلّا بهذا اللسان في وقتٍ كانت أُروبا غارقةً في ظُلمات الجهل والبُؤس!

ولكـ أن تَتصوّر كيف أنّ لسانًا ذاكـ شأنُه قد صار ميّتا! بل كيف أنّه، رغم موته هذا، لا يزال كثيرون يَكتُبون به أعمالَهم (بدءًا بالأدب وٱنتهاءً بالفلسفة) حتّى وهُمْ - على الأقل بعضهم- يُجيدون غيره من الألسن التي تُعَدّ "حيّةً" و"مُزدهرةً" في العالم المعاصر! والأدهى من هذا كلِّه كيف أنّ ٱللّـه - وهو العليم القدير- أَنزل به وحيَه الخاتم وتكفّل بحفظه ولو كَرِه المُكذِّبون!

عزيزي القارئ، إذَا ٱنتهيْتَ إلى هذه النّقطة ولم تَفهمْ شيئا مِمّا قرأتَه أو لامستَه ببصركـ، فاعلمْ أنّكـ كُنْتَ بصددِ تصفُّح رسالةٍ كُتبتْ بلِسانٍ مَيّتٍ. وفي هذه الحالة، إذَا كُنتَ حقًّا مَعْنيًّا بمعرفةِ مُحتوى هذه الرسالة، فعليكـ بالبحث عن مُعجمٍ لفكِّـ رُمُوزها التي قد تكتشف من خلالها هَوْلَ مُصيبةٍ يَهمُّكـ أمرُها! وقد لا تستطيع فهمَها تماما إلّا إذَا ٱستطعتَ العُثور على أحد "المُستعربِين" الأجانب مِمّنْ لا يزالون يَعرفون هذا اللِّسان لحاجةٍ في أنفُسهم!

أمّا إذَا فهمتَ كل لفظ وكل جُملة ممّا هو مكتوب هُنا، فـﭑعلم أنّكـ لم تكن تقرأ رسالةً في لُغةٍ ميِّتةٍ أراد صاحبُها نَعْيَها بتعديد شيء من مَحاسنها وآثارها، وإنّما كُنْتَ في حُلْمٍ مُرْعب يُراوِد خيال بعض دُعاة إماتة «اللِّسان العربيّ»، أولئكـ الذين يَغيظُهم (ويُغيظُهم) أنّي وإيّاكـ لا نزال نتواصل بهذا اللِّسان الذي يَرجع تاريخُه إلى أكثر من خمسة عشر قرنا! ولأنّه لا لسان بين الألسن المُستعملة الآن فوق الأرض يَحتفظ ببِنْياته الأساسيّة مِثل هذا اللِّسان «ٱلْإِعْرابيّ» (وليس «ٱلْأَعرابيّ»)، فإنّ الأمر لا يَتعلّق بلِسان يجب العمل على إماتته ونِسيانه، بل يَهُمّ لسانًا فريدًا يَنْبغي أن يُعَدّ من الآثار العالميّة التي يَلْزم حفظُها ورعايتُها كما ٱنتبهتْ إليه مُنظّمة "اليونسكو" فجعلتْ له يوما (18 ديسمبر) ليُحتفَل به عالميّا كل سنة!

فهي، إذًا، رسالةٌ للتّذْكير بأنّ «ٱللِّسان ٱلعربيّ» ليس لسانًا "عتيقا" و"مُعقَّدًا" يُستحسَن إهمَالُه كما يَزْعُم (ويَتشهّى) خُصومُه، وإنّما هو لسانٌ مُستعمَلٌ في حياة مَلايين النّاطقين عبر العالم بما يُؤكِّد أنّ نعْتَه بـ"ٱلميِّت" لا يَأتي إلّا ممّن أُشْربتْ قُلوبُهم كراهيّتَه فصاروا يَستعجلون خبرَ موته! وعليه، فالأمر لا يَتعلّق بلُغةٍ ميِّتةٍ، بل بمُستعملِين أُميتَ حسُّهم اللُّغويُّ فيها، فهُم لا يَشْعُرون بموتهم كناطقين بها، موتهم الذي يَتصوّرُونه موتًا لِلُغةٍ وُجدتْ قبلهم وسَتستمرّ حتما بعد ذهابهم!

ولكَـ مِنّي، أيّها الكريم، أطيب تحيّةٍ وأزكى سلام بلِسان عَربيّ مُبين!

-------------

المصدر: صحيفة هسبريس:

 http://hespress.com/writers/71157.html

كيف ننقذ اللغة العربية

كيف ننقد اللغة العربية؟

ورد هذا السؤال عنوانا لمقالة نشرت في أسبوعية courrier internationnal، العدد 137، ضمن خانة لسانيات، يوم الجمعة، 17 ديسمبر 2010، لوليد القبيسي، وهو من أصل عراقي، ويقطن بالنرويج منذ 1980. ونظرا لما يتضمنه المقال من مغالطات، ومجازفات غير ناضجة، وغير مسؤولة، ارتأينا الرد على عدد من متبنياته اللغوية الخاطئة. سنلخص بعضا من هذه التصورات، والاستدلالات، ثم نرد بمناقشة عامة.

تصورات الكاتب واستدلالاته: تلخيص

يرى هذا الكاتب أن اللغة العربية تعاني من التراجع، ولا تُسعف إلا في ترتيل الشعائر الدينية، والترحم على الأموات. والسبب، عنده، يعود إلى العلاقة الوثيقة بين اللغة، والثقافة العربية المهيمنة. فهذه الثقافة، يقول، تقوم على ثلاثة ركائز: القومية العربية، والإسلام، واللغة العربية. وما أن يُمس واحد من الأسس الثلاثة حتى تنهار الثقافة كاملة، وكل مس بأس منها يعد مسا بالمقدسات، وانتهاكا للحرمات.

ويذهب إلى أن هذه العلاقة سبب إعراض غير العرب عن العربية، ومثاله على ذلك أكراد العراق، ومسيحيو جنوب السودان، وأقباط مصر. ففي رأيه، قل اهتمام الأكراد بالعربية منذ 1990، واعتبر سودان الجنوب قرار الرئيس، سنة 1990، تعريب التعليم، واعتباره واجبا دينيا، سعيا إلى جعل العربية وسيلة للهيمنة الدينية؛ وأصبح الأقباط يستعملون اللهجة المصرية في منتديات الأنترنيت، رفضا لعلاقة الدين باللغة.

إن مسلمي أوروبا، يقول، ما كانوا ليتعلموا اللغات الأوروبية، لو كانت مرتبطة بالدين المسيحي. ثم، إن ثلثي المسلمين من غير العرب لا يتكلمون العربية، ومع ذلك، لم يتراجعوا عن الإسلام.

لقد فشل صاحب المقال، كما يحكي، في جعل أربعة من الطلبة النرويجيين يُتقنون اللغة العربية، رغم اعتماده طرقا جامعية واكتشف، وهو يحاول تفسير فشله، أن العربية الأدبية (littéraire) لغة مكتوبة، لكن غير متكلمة، وأن أغلب الكتاب العرب لا يتفوقون في فرض أنفسهم إلا بعد سن الأربعين، ذلك أن تعلم العربية يقتضي وقتا أطول مما تتطلبه اللغات الأوروبية.

إننا نضيع الوقت في تعلم التركيب la syntaxe . فالأقلية من المختصين هم الذين يتمكنون منه. يقول في هذا السياق: فعلا، يعد التحليل النحوي مشكلا رئيسا يُتعب المدرسين، ويحول دون تعلم القراءة، والكتابة.

يقترح التخلي عن النحو، وتبني اللهجات العربية لغات، لأنها تستغني عن التركيب. بل، إن هذا الاستغناء يُمثل دليلاً أولَ، عنده، على أن العرب يمكن أن يتعلموا اللغة دون دراستها :sans l’étudier، بتعبيره. فاللهجات، يقول: ردمت الهوة بين المكتوب، والمتكلم.

من ملاحظاته أن المغاربة، والعراقيين، والفلسطينيين، واللبنانيين، والتونسيين ، لا يتكلمون العربية، ولا يتفاهمون، في الآن نفسه، باللهجات. واللهجات، بدورها، تتباعد عن بعضها. وفي السياق نفسه، يشير إلى أن اللغة النرويجية تغيرت عما كانت عليه منذ خمسين سنة. فقد أصبحت تُتكلم كما تُكتب، والفضل في ذلك يعود للسماح للهجات بدخول الإعلام.

إن العربية، في رأيه، تعاني من فقر حقيقي، وإن الدلالة على الجمل، مثلا، ب: 6000 كلمة، ليس غنى، طالما لا نستعمل كل هذه الكلمات.

مناقشة عامة وردّ

 إن العربية متراجعة في المجال العلمي، وغير متخلفة، كما يقول هذا الكاتب، في كل شيء. والدليل على ذلك، التعبير الدقيق، والجميل، والعميق في الكتابات العربية. أما التراجع في القطاع العلمي، فسببه، فيما نعلم، تبعية السياسات العربية للغرب لأسباب تاريخية، وسياسية، واقتصادية، وتاريخية، وثقافية.

ولا يمنع الإسلام، والقومية العربية، اللغة من التطور، بل، إنه تخاذل الحكومات العربية. ولعل استقرار الرجل في النرويج نروجه إلى أن أعماه عن الحقائق في العالم العربي، ولم يعد يرى من العوائق غير الإسلام.

ويعد ربطه تضاؤل اهتمام أكراد العراق بالعربية منذ 1990، تناقضا ضمنيا، ذلك أن السنة تشير إلى الوضع السياسي الذي بدأ في العراق، وهو ما عُرف بحرب الخليج الثانية، أو عاصفة الصحراء. بمعنى أن الوضع المجتمعي الجديد هو الذي تسبب في الإعراض عن العربية، لا الثلاثي: إسلام، قومية، عربية.

ولا يعكس استعمال الأقباط اللهجة المصرية في المنتديات تخلف العربية للارتباط بالدين، فقد يكون الدافع حميمية هذه المنتديات :الحديث بين الأصدقاء، مثلا، أو ضيق الموضوعات المناقشة، ومحدودية المعارف المطروحة.

وقد يُحدث قرارلغوي ما ردة فعل سلبية، ولا يكون الدين سببا، وإن فهم الناس ذلك، بل، القرار الذي لا يعتبر لغات الأقليات.

ولا يتعلم المسلمون اللغات الأوروبية، لأنها لا ترتبط بالدين المسيحي، وإنما للحاجة للاندماج، والانفتاح، أو لأغراض منفعية أخرى.

ويتناقض الرجل حين يشير إلى أن ثلثي مسلمي العالم لا يتكلمون العربية، ومع ذلك لا يتراجعون عن الإسلام، إذ ما هو الفرق بين مسلم لا يتكلم العربية، ومسلم يتكلم العربية؟ لماذا لا يكون الإسلام عائقا إلا حين يكون عربيا؟

أما تجربة الفشل في جعل طلبته النرويجيين يتقنون العربية، رغم اعتماده الطرق الجامعية، فالرد عليه هو: إذا كان الرجل روائيا، وصحافيا، كما قدمته الأسبوعية، فما علاقته بتخصص تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها؟ أ لا يعلم أن ذاك أمر يتطلب تأهيلا خاصا؟

وأما اعتباره العربية لغة مكتوبة غير منطوقة، فخاطئ، إذ ليس هناك لغة تُكتب، ولا تُتكلم، باستثناء اللغات الميتة. ويكفي أن يتصفح الإعلام العربي ليدرك حيوية اللغة العربية، وانفعالها باللهجات، وإغناءها للعاميات. إن ما نفتقر إليه هو رصد التجديد، ودرسه، وتصنيفه، إن على المستوى الوطني المحلي، أو القومي العام.

و من المضحك أن يُقر الكاتب أن الكتاب العرب لا يفرضون أنفسهم إلا بعد سن الأربعين، وأن العربية تتطلب وقتا، مقارنة باللغات الأوروبية. فمعلوم أن من الأطفال العرب معبرون، متذوقون للغة، ومن المراهقين من يكتب خواطرا، وشعرا، ومن الشباب من يكتب القصة، والرواية، والمقالة، والقصيدة.

ولا يبين لماذا تتطلب العربية وقتا دون غيرها من اللغات، أليست العربية لغة طبيعية مثل سائر اللغات؟ كيف يُجازف باقتراحات خطيرة، وينشرها في إطار دولي، وهو لا يُدرك أن من غير المنطقي، ولا الطبيعي مفاضلة اللغات.

 كما أنه من الغريب اعتبار دراسة تركيب اللغة العربية مضيعة للوقت. فإذا كان صحيح أن الشكوى من صعوبة النحو عامة، فإننا نشعر بالمشكل النحوي أكثر، لأنه قواعد، وحسابات تحتاج برامج خاصة، ومناهج معينة، ولا شك أن تيسير النحو مرتبط بتبسيط العربية، عموما. وكيفما كان الحال، فليس هناك لغة لا يُدرس نحوها بدعوى صعوبته.

 ثم، إن الكاتب حين يقول : النحو يعوق تعلم القراءة، والكتابة، يجهل حقيقة بيداغوجية بالغة الأهمية، وهي أن القراءة، والكتابة، تمكنان من النحو، ومن التحكم في ميكانيزماته، ومن تيسير تعلمه.

ثم إن اللهجات لا تستغني عن التركيب، والكلام نفسه يمكن تسجيله، وإخضاعه للدرس. ويزداد الأمر التباسا بفكرة اكتساب العربية دون تعلمها: sans l’étudier، كما يقول،إذ ليس من لغة طبيعية لا تُدرس، أو لا تُتعلم، إذا اعتبرنا المقصود التعلم: apprendre.

ومن العجب، اقتراح التفاهم باللهجات رغم اكتشاف أن العرب من بلدان عربية مختلفة لا يتفاهمون بها. فهل يقتضي المنطق الدعوة للتواصل بالعربية المشتركة، كونها عامة، ورسمية، ومنمطة، ومكتوبة...أم باللهجات، التي، مهما وُحدت لا تلبث حتى تختلف باختلاف البيئات، والخصوصيات المحلية؟

وإذا كان الإعلام النرويجي قد أسهم في توحيد اللغة النرويجية، فإن الإعلام العربي، والعربية المعاصرة، عموما، تزخر بالجديد، والحي، القابل للاندماج، لكن غياب الإرادة، هو ما يحول دون سيرورات التقريب، والتوحيد. بعبارة أخرى، إن العلاقة بين الحياة اللغوية، والأوضاع السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية ، هو الإشكالية، لا العلاقة بين الدين، واللغة، كما يزعم الكاتب.

ويخلط الكاتب بين غنى العربية المتمثل في وجود آلاف الألفاظ للمعنى الواحد، وفقرها لعدم استعمال هذه الألفاظ، ذلك أن التعدد يدخل ضمن ثروة اللغة، بينما، يندرج الاستعمال في مدى توظيف اللغة بحسب ما يتطلبه الظرف الآني.

وعموما، لا يُميز منقذ العربية بين عربية اللهجات الموظفة للكلام المتغير، السريع التبدل، المستعصي على الكتابة، وعربية التاريخ، والمجد، والماضي، والمصير المشترك، المنمطة، والمقعدة، والرسمية. ولأنه، لا يُفرق، يدعونا للتواصل باللهجات، رغم أنه لاحظ، هو نفسه تباعدها، واختلافها.
------------------
ثريا عبد الله خربوش ·· كلية الآداب - المحمدية

العربية بين العولمة و العالمية

في البداية لا بدَّ أن نتّفق على مفهوم (المدرسة) , فبنظرنا أنّها مجموعة من الآراء يتواضع عليها مجموعة من الناس , تُشكّل رؤية ً ما , لهم طريقة في التفكير مميزة , فينهجون منهجاً للوصول إلى هدفٍ ما .

والمدارس النحوية مصطلحٌ يشير إلى اتجاهات ٍ ظهرت في دراسة النحو العربي , اختلفت في مناهجها في بعض المسائل النحوية الفرعية , وارتبط كلّ اتجاه منها بإقليم ٍ عربي ٍ معيّن , فكانت هناك مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة , ومدرسة بغداد وهكذا ..

ولكنّ بعض العلماء لم يضعوا على تلك المدارس اسم "مدرســــة" واستندوا برأيهم على مفهوم المدرسة , ووحّدوا أنّ كلّ تلك المدارس تسير نحو هدف ٍ واحد , ورؤيةٍ واحدة , وهي النحو العربي , بثوابت كثيرةٍ ومشتركة ٍ فيما بينهم , وما كان اختلافهم إلاّ الشيء القليل بفروع ٍ صغيرة , أحياناً ما وصلت تلك الاختلافات بالرأي إلى توسعة دائرة الخلاف بين المدارس دون وجود مسبّب أو مبرّر  لذلك الخلاف .

لذلك أطلقوا عليها اسم المذاهب , أي : مذهب البصرة ومذهب الكوفة ونحو ذلك .

ويميلُ الرأي لدينا إلى هؤلاء العلماء , بحيث تُسمّى كلُّ تلك المذاهب باسم المدرســة النحويــة العربيــة , بينما العديد من المعاصرين استحسنوا لفظ المدرسة فاستعاروها في مادّة الخلاف النّحوي , حتى في مسائل أدبية أخرى.

فاستخدامنا كلمة مذهب لأنّها تطلق على الطريقة التي سار عليها أحد النّحاة أو عن الخلاف النحوي بشكل ٍ عام , فنقول مذهب البصرة والكوفة , وكذلك مذهب سيبويه والكســـائي لأنّ بالأصل كما ذكرنا سابقا أنّ اختلاف المذهبين البصريّ و الكوفي ّ كان في الفروع فقط , أما الأصول فقد اتفق عليها جمهور العلماء دون خلاف أحدهـــم .

والذي يدُلّ على ذلك أنّ من الممكن أن يوافق بصريّ كوفياَ , وبالعكس , بعدة آراء , خاصة إذا كان الرأي موافقا منهج النحوي ّ .

ومما يدلّــل على ذلك أيضا خلوّ كلمة " مدرسة " من التراث العربي القديم بأن تدلّــل على المنهج النحوي , والأمثلة على ذلك كثيرة , فمنهم مثلُ ابن النديم يخصّص باباً في كتابه يُفردُ للكلام في النحو وأخبار النحويين واللغويين من البصريين , وكذلك عند الكوفييـــن .

وكذلك الزبيدي فقد وضع النحويين واللغويين في طبقات , ابتدأها بطبقات النحويين البصريين وصنّفهم إلى عشر طبقات وهكذا .

أمّا المدارس اللسانية الحديثة , ففعلاً  يحقّ لنا تسميتها بهذا الاسم , لأنّ أغلب المدارس في جوهرها وأصولها تختلف عن بعضها البعض , كلّ مدرسة بنشأتها و أسباب نشأتها تُخالف المدرسة الأخرى , وحتى بهدفها المستقبلي تخالف تلك المدرسة .

وبهذا الأمر تميّزت المدرسة النحوية العربية القديمة بمحافظتها على الأصل والثابت , وبذلك وحّدت الجهود للوصول إلى الهدف الأسمى وهو خدمة لغة القرآن الكريم .

ومن هنا فارتباط تلك الدراسات القديمة وعلى رأسها المدرسة النحوية بالقرآن الكريم , يجعلها خالدة ً إلى قيام الساعة بخلود القرآن الكريم الذي هو عقيدة الأمة الاسلامية , و هو الذي أكسب اللغة العربية الشرف الأسمى لها , وجعل دراستها من العقيدة و الاهتمام بها أيضا من العقيدة .

اما إذا أردنا الاتكاء على تلك المدارس اللسانية الحديثة , فيبدو أننا قد ضللْـنا الطريق , فالكلّ يعلمُ سبب نشأة تلك المدارس , وممّن نشأت , فنحن العرب لدينا العقليّة الواضحة التي شكّلها القرآن الكريم لنا , فلا نحتاج إلى تلك المدارس لترشدَ فكرنا إلى طــُرُقه الصحيحة .

 ونحن أهلُ السبق في ذلك لا نتعلّم ولا نأخذ منهم .

فالمدارس اللسانية الحديثة تتجه نحو محو ِ تراثِ الأمة العربية والانتقاص من فكرها وعقليّتها .

ولكن لابدّ أن نتعلّمها والاستفادة مما هو حَسَن منها , وتوجيهها نحو فكر الأمة العربية وعقليتها .

 وصلّى الله على سيدنا محمد عليه أشرف الصلاة و التسليم .

دفاع عن اللغة العربية - هاشم صالح

في تقريرها العام دقت اليونيسكو ناقوس الخطر في ما يخص اللغات البشرية المهددة بالانقراض من الآن وحتى نهاية القرن الحالي. والشيء المهين الذي لا يكاد يصدق هو أن لغتنا العربية هي إحداها! التقرير يقول بأنه توجد في العالم حاليا 6700 لغة حية نصفها مهدد بالموت إذا لم تتخذ الحكومات المعنية وجماعات الناطقين بهذه اللغات الإجراءات المناسبة لدعمها وحمايتها.

هل يعقل أن تكون لغة الضاد هشة إلى مثل هذا الحد؟ هل يعقل أن تكون اللغة التي أكتب بها هذه السطور حاليا هي لغة ميتة أو شبه ميتة أو مرشحة للموت؟ معنى ذلك أنني أنا شخص ميت لأنني أكتب بلغة ميتة. ولا أعرف لماذا لا أقبر نفسي وأنا حي؟ خسرنا كل المعارك، فقدنا كل شيء في السنوات الأخيرة. خسرنا الأرض والتاريخ والجغرافيا.. والآن جاء دور اللغة. حتى اللغة لم تعد مضمونة! عيب على اليونيسكو أن تقارن بين العربية واللغات الثانوية أو لغات بعض قبائل استراليا أو أفريقيا حيث لم يعد يتجاوز عدد الناطقين بها العشرة أشخاص، أصغرهم سنا عمره تسعون سنة!

لا ريب في أن لغتنا تتعرض الآن لهجمات عنيفة، سواء من جهة الفرنسية فيما يخص المغرب العربي، أو الانكليزية فيما يخص الخليج والمشرق العربي ككل. ولا ريب في أن بعض جهلة المستغربين الذين فهموا الحداثة من ذنبها أصبحوا يشمتون بها علنا ويدعون إلى التخلي عنها. بل ويفتخرون لأنهم يكتبون بالفرنسية أو بالانكليزية: أي بلغات «حضارية» لا بلغة متخلفة جامدة عفى عليها الزمن.. برافو! في الوقت الذي أحيا فيه اليهود لغتهم الميتة وبعثوها من تحت الأنقاض وبذلوا جهودا جبارة لإنعاشها وعمموها حتى على الشارع الإسرائيلي وليس فقط على المدارس والجامعات، ندعو نحن إلى دفن اللغة العربية! حتى العلوم الدقيقة يدرسونها بالعبرية وليس فقط الآداب والدراسات اللاهوتية والتوراتية.

لماذا تدرس إسرائيل الطب باللغة العبرية وتدرسه مصر باللغة الانكليزية؟ لأننا مصابون بعقدة الخواجا ونعتقد بأن العربية ليست صالحة إلا للآداب والعلوم القرآنية وكلية الشريعة. ولذا فإن معظم الجامعات العربية ما عدا جامعة دمشق وأربع كليات أخرى تدرس الطب وبقية العلوم الطبيعية باللغات الأجنبية. بل وحتى العلوم الإنسانية أصبحوا يدرسونها بالانكليزية أو بالفرنسية فيما يخص الدراسات العليا وشهادات الدكتوراه. وهكذا تتحول اللغة العربية إلى لغة فولكلورية تقريبا. ثم يستغربون إذا ما انقرضت اللغة العربية يوما ما..

أتذكر بهذا المجال حادثة شخصية. كنا في جامعة حلب ندرس الطب عام 1969. وكانت الجامعة قررت تدريسه باللغة الانكليزية خلافا لجامعة دمشق وربما نكاية بها، لا أعرف. وبعد بضعة أشهر جمعنا العميد في المدرج الكبير وكان اسمه الدكتور عبد الرحمن الأكتع إن لم تخني الذاكرة وقال لنا: إننا نتعرض لهجوم شديد من جامعة دمشق لأننا اعتمدنا الانكليزية. ثم تراجعت جامعة حلب بعدئذ عن غرورها ومشاكستها واعتمدت العربية.

لا ريب في أنه توجد مراجع في الانكليزية عن علم الطب أكثر بمائة مرة عما هو متوافر في العربية. ولكن لماذا لا نترجمها ونضيف إليها كما فعل أجدادنا أيام عبد الملك بن مروان والرشيد والمأمون بدلا من أن نتخلى كليا ودفعة واحدة عن هويتنا التاريخية؟ هل نريد ممارسة عملية الهاراكيري أو الانتحار الجماعي؟ فلندرس إذن العلوم، كل العلوم، باللغات الأجنبية. فلنستسلم لعمليات التشكيك والإحباط وتحطيم المعنويات. ولنحول العربية إلى لغة أدعية وصلوات وابتهالات فقط كما يشجعنا على ذلك قادة الغرب الذين يريدون بنا خيرا..

هكذا نعود إلى مسألة الترجمة وضرورتها الملحة حاليا. فما ينطبق على علم الطب ينطبق أيضا على الفيزياء والكيمياء والرياضيات وسوى ذلك. بل وينطبق حتى على العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع والنفس والتحليل النفسي وعلم الإنسان أو الانتربولوجيا وعلم اللاهوت والأديان المقارنة وعلم التاريخ الحديث الخ.. المعركة إذن هي معركة الترجمة أولا وأخيرا. إما أن ننجح بها وإما أن نفشل. وبناء على هذا الفشل أو النجاح سوف يحسم مصير العربية.

كل المعرفة الحديثة في كل المجالات والاختصاصات ينبغي أن تنقل إلى اللغة العربية. إنه لعار علينا ألا تكون هناك مراجع عن فلسفة العلوم مثلا أو ما يدعى بالابيستمولوجيا في اللغة العربية. ولا يقولن أحد بأن العربية عاجزة عن استيعاب العلم والفلسفات الحديثة! من يقول ذلك إما أنه جاهل بالحداثة وإما أنه مغرض حاقد على هذه اللغة العظيمة التي عبرت التاريخ على مدار ألفي سنة دون أن تموت مرة واحدة. حتى في عصر الانحطاط لم تمت.

هل نعلم بأن قادة العولمة الحالية في أوروبا وأميركا يدعمون بقوة بعث العبرية وكل التراث اليهودي في الوقت الذي يشجعوننا فيه صراحة أو ضمنا على التخلي عن اللغة العربية؟ هناك حملة لتحطيم المعنويات لم يسبق لها مثيل. العرب مستهدفون، العرب مكروهون. العرب يخيفون ليس بما هم عليه الآن، ولكن بما يمكن أن يصبحوا عليه إذا ما أمسكوا بأول الخيط الذي يقود إلى الخروج من النفق المظلم.

بقيت كلمة أخيرة.. أرجو من المتقعرين لغويا أن يكفوا عن إرهابنا بقواعدهم الضيقة وتعقيداتهم المرهقة وما يصح أن يقال أو لا يقال.. فنحن لا نعيش في عصر الأصمعي. أرجو أن يكفوا عن تجميد اللغة العربية وتحنيطها وربما تكفينها في التابوت. هم أيضا يشكلون خطرا عليها وليس فقط الأعداء الخارجيون. ومن الحب ما خنق! اتركوا العربية تتفتح وتغتني يوميا بالكلمات الجديدة والمصطلحات العديدة والتراكيب اللغوية المرنة. فالخطأ الشائع أفضل بألف مرة من الصحيح الميت. اتركوها تقترب من لغة الحياة اليومية دون أن تنغلق داخل أي لهجة عامية مشرقية كانت أم مغربية. نحن بحاجة إلى لغة وسطى لا عامية ولا فصحى: أقصد ولا فصحى متقعرة. هذه اللغة الجديدة، هذه اللغة الثالثة، هذه اللغة المرنة التي تخلق كل يوم من قبل وسائل الإعلام والفضائيات والمبدعين العرب هي أملنا الوحيد.

-----------

جريدة الشرق الأوسط : الثلاثـاء 07 رمضـان 1431 هـ 17 أغسطس 2010 العدد 11585

http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=582827&issueno=11585

هل جنى سيبويه الفارسي على اللغة العربية؟ مهندس لبناني من خارج الحزب اللغوي يرمي حجراً في مياه النحو العربي الساكنة - رشيد الخيُّون

alt

سنوات وأهالي منطقتنا الريفية يلبون فريضة الصلاة على صوت مؤذن المسجد، غير المختص، وهو يلحن في الشهادة الثانية، فيقول: «أشهد أن محمدٌ رسول الله»، ولم يلتفت إلى لحن المؤذن غير مدرس اللغة العربية الجديد الأديب سالم الدباغ، المعروف بين الوسط الثقافي العراقي، وكان منفياً سياسياً وسط الأهوار، شاهدناه، نحن طلبته، يسرع الخطوات صوب المسجد، ليعلم المؤذن درساً في أن وأخواتها، فقيل له: لا يوجد مؤذن متفرغ بالمنطقة فاستعان الأهالي بمزيد النَدَّاف. عاد الدباغ إلى المدرسة وهي دار سكنه وعمله، على أمل أن المؤذن سمع احتجاجه. والعبرة من هذه الحادثة أن الناس ظلوا يسمعون معنى الأذان لا شكله، فيتوجهون إلى الصلاة من دون أن يعنوا بالمنصوب والمرفوع من كلماته، وببساطة كانوا مؤتلفين مع مؤذنهم النَدَّاف، أما مدرس اللغة العربية المتمرس فوصل لسمعه الشكل قبل المعنى، ليجد في رفع اسم (أن) جناية تعطل الأذان والصلاة. نجد دلالة هذه الحادثة جلية في كتاب «جناية سيبويه .. الرفض التام لما في النحو من أوهام» (دار رياض الريس للكتب والنشر) لزكريا أوزون، وهو المهندس لا اللغوي، داعياً إلى حيوية النحو العربي ونبذ تعقيداته غير المبررة. فاللغة العربية ترد على لسان الناطقين بها، بمختلف اللهجات العراقية، السورية، المغربية أو المصرية وغيرها، لا تعنيهم أُصول النحو العربي بشيء، ولو حصل أن التزموا نطق الكلام بها لكانوا محط سخرية وتندر بعضهم البعض.

قضية شائكة أثارها كتاب يسقط سيبويه

تطوير اللغة العربية ضرورة.. حتى لا تموت!!
* شريف الشوباشي : لست منحازاً للعامية وما طرحته ضد الأجندة الأميركية
* د. عبد المطلب : أوافق علي إلغاء المثنى.. لا إلغاء الإعراب
القاهرة ـ من هاني محمد :
لا توجد دعوة للتطوير إلا ويواجه صاحبها بعشرات الاتهامات.. فما بالنا إذا كان المقصود بالتطوير هو اللغة العربية؟ وإذا كان صاحب الدعوة ليس متخصصاً في اللغة العربية وعلومها. بل مجرد مثقف له اجتهاداته التي يرى أنها تصب في النهاية في (خانة) الحفاظ علي اللغة من الموت.. لقد فعلها الكاتب شريف الشوباشي عندما أصدر كتاباً مثيراً بعنوان ( لتحيا اللغة العربية.. يسقط سيبويه) ومنذ صدور هذا الكتاب وحتى الآن والمعارك حوله لم تتوقف. فثمة كتابات كثيرة تناولت الكتاب وصاحبه بالنقد والهجوم. وثمة كتابات مماثلة أشادت بالكتاب ودعوته معتبرة إياه اجتهاداً مهماً بفتح الأبواب علي مصاريعها لتطوير اللغة..
علي أن الأمر لم يتوقف على مجرد كتابات تقف مع أو ضد الكتاب متوسلة بأسبابها الموضوعية أحياناً. والبعيدة عن الموضوعية أحياناً أخرى. فقد تقدم أحد أعضاء مجلس الشعب المصري بطلب إحاطة حول الكتاب واتهم صاحبه بأنه يسعى لهدم اللغة العربية بدعوته إلى تطويرها.
وأمام هذه الأوضاع الملتبسة تصدت الورشة الإبداعية بالزيتون لمناقشة هذا الكتاب مناقشة موضوعية هادئة. في إطار توجهاتها التي تميل إلي مناقشة الأعمال (الإشكالية) التي تثير كثيراً من اللغط في واقعنا الثقافي.
الندوة احتشدت بالمبدعين والنقاد والمثقفين وأدارها الشاعر شعبان يوسف الذي بدأ كلامه بالحديث عن أهمية الكتاب وأهمية ما يدعو إليه.. وقال إن من حق أي قارئ أن يختلف مع ما جاء بالكتاب. لكن ليس من حق أحد أن يصادر على فكر وآراء صاحبه الذي اجتهد بالفعل وقدم عملاً مهماً.. هدفه الحفاظ علي اللغة العربية وليس هدمها كما يدعي البعض.

يسقط سيبويه ... يحيا المتنبي - محمد علي فرحات

"يسقط سيبويه"... يحيا المتنبي - محمد علي فرحات

لم يُحدث كتاب شريف الشوباشي " لتحيا اللغة العربية: يسقط سيبويه" (الصادر حديثاً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب) ضجة كالتي أحدثتها أطروحات عبد العزيز فهمي وسلامة موسى في المرحلة الليبرالية المصرية وأطروحات سعيد عقل في لبنان الستينات, لأن العامية المصرية أصبحت أكثر رسوخاً منها في أربعينات القرن العشرين, فنرى المتخصصين في اللغة العربية وآدابها يتحدثون في التلفزيونات بالعامية, لأن كثرتهم لا تجيد الفصحى وقلتهم تعتبر العامية أقرب إلى التعبير عن الفكر وأسهل وصولاً إلى المشاهدين السامعين. وربما لم يحدث شريف الشوباشي ضجة كافية لأنه أكثر تعقلاً من فهمي وموسى وعقل, فالرجل ليس صاحب رسالة أيديولوجية معادية للتراث العربي, إنما هو مثقف يعي مشكلة اللغة وعلاقتها بالمأزق الحضاري الذي يعيشه عرب اليوم, فيوظف آراءه في ما هو إيجابي لتجاوز المأزق. ومما يقول : "مع تعاقب الأجيال تم تخليق اللغات العامية في مصر والشام والعراق وشمال أفريقيا من العربية الفصحى من ناحية واللهجات التي كانوا يستخدمونها قبل تعريب بلادهم من ناحية أخرى. وللأسف أننا لا نعرف بطريقة علمية كيف كان يتحدث الناس خلال الحقب المختلفة في التاريخ العربي ، لأن الموروث المدوّن يقتصر على الفصحى إلا باستثناءات نادرة. قد يفتي البعض بأننا على يقين من كيفية كلام العرب في الماضي البعيد, لكن مثل هذا التأكيد أقرب إلى "الفهلوة" منه إلى المعرفة العلمية.

بعد مطالبته بتجديد اللغة العربية عن طريق إسقاط "سيبويه": شريف الشوباشي يفتح باباً للخلافات النقدية والصراعات السياسية في مصر!

القاهرة- القسم الثقافي- شريف الشافعي:

فتح الكاتب والاديب شريف الشوباشي وكيل وزارة الثقافة المصرية الباب على مصراعيه لاندلاع معارك نقدية ونشوب صراعات سياسية في مصر خلال الايام الماضية، وذلك اثر مناداته بضرورة اسقاط العالم اللغوي الشهير سيبويه، والانتصار للغة العربية التي يجب أن تتجدد لتساير العصر الحديث وتستعيد مكانتها كلغة قوية انتجت بعضاً من اهم الابداعات الإنسانية. وقد اثبت الشوباشي افكاره هذه وغيرها من الافكار المثيرة للجدل حول كيفية اصلاح وتجديد اللغة العربية في كتابه "لتحيى اللغة العربية.. يسقط سيبويه" الصادر مؤخراً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. ويوضح الشوباشي في كتابه (الذي يقع في مائتي صفحة من القطع المتوسط) أنه لا يمكنه الوقوف مع الداعين إلى هدم اللغة العربية من اساسها، ولكنه يطالب باعادة النظر في القواعد الاساسية للغتنا لتصبح اداة فعالة لتفجير طاقات العقل العربي المحتبسة في هيكل اللغة المقدسة، ويقول: "أنا على ثقة من أنني اترجم المشاعر الدفينة في نفوس ملايين العرب وأنا اهتف قائلاً: يسقط سيبويه!!".

ضد التجنّي على لغتنا

بدأ هذا في لقائنا اليومي بالشركة عندما اعترضت على حشو البعض لكلامهم بالإنجليزية دون داع ، وقد أردت نشره هنا متابعة لرسالة ألف، فهو ليس طرحا وافياً للقضية التي لا زالت أبواب البحث والنقاش فيها مفتوحة على المستويات العلمية وهي تجديد النحو والتعريب ( وكان آخر حلقاتها، حسب ظني، كتاب شريف الشوباشي يسقط سيبويه وتحيا اللغة العربية). كانت مداخلتي في اللقاء (الذي تسميه الإدارة huddle meeting!) قد أسيء فهمها وأخذها المدير على أنها "تعصب رجعي للغة ميتة ولا ترقى لحمل أفكار علمية" و"محاولة للتودد إلى الإسلاميين" الذين غزوا شركتنا!
إن الركود الذي تتهم به اللغة العربية نتاج طبيعي لكل قرون التخلف والاستعمار والإفقار التي عانتها منطقتنا، وعلينا أن نراه جنبا إلى جنب مع كل ركود وفساد في المعارف والفنون والأخلاق والعمل السياسي والنظام الاجتماعي. علينا أن نذكر أن هذه اللغة نفسها هي التي أبدع بها ابن سينا والمتنبي والفارابي وابن عربي ومي زيادة والجاحظ ومصطفى مشرفة وجمال حمدان وإبراهيم الكوني وفريال غزول، فقد استطاعوا أن يعبروا بها إذا في شتى الميادين دون حرج.

مصر.. جدل بشأن اللغة العربية

تحيا اللغة العربية، يسقط سيبويه هو الكتاب الأكثر شهرةً وإثارة للغط، ومصدر الثورة وقت صدوره. أما سبب الثورة فهو أن القراء قد أوّلوا الأمر على أن مؤلفه، شريف الشوباشي، يستعدى الناس على اللغة العربية، ويطالب بهدم أسسها وقتل الأب سيبويه.

والحال أن المؤلف، على عكس ما سبق، كان أحد الباكين على اللغة العربية وانحسارها. وبطبيعة الحال، فقد كان أحد الذين يجيدونها إلى جوار إجادته لغات أجنبية أخري. وما أثار حزنه ودفعه لكتابة هذا الكتاب هو إحصائيةٌ وصلته بحكم عمله كوكيل لوزارة الثقافة للشؤون الخارجية تقول إن العربية لم تعد معترفًا بها عالميًّا كإحدى اللغات الدولية بسبب صعوبة تعلّمها رغم أن الناطقين بها يشكلون نسبة لا يستهان بها من تعداد سكان هذا الكوكب. وعليه فقد نادى المؤلفُ القائمين على اللغة والنحاة وأعضاء المجامع اللغوية بتبسيط قواعد النحو والصرف لأنها أثبتت صعوبتها على الناطقين بها، فما بالك بمن تمثل لهم العربيةُ لغةً ثانية أو ثالثة؟
وأما عن هذا الشق من الكتاب فسأختلف معه. لكن الشاهد أن أحدا لم يتطرق لبعض أفكار مهمة وحقيقية وردت فى متن الكتاب. أفكار أخالُها أكثرَ أهميةً وأشدَ خطورةً من شأن الرغبة في/ أو إمكانية تغيير اللغة العربية أو تبسيطها. وأظننى لن أغور كثيرا فى مسألة اللغة، ففضلا عن كونها قد قُتلت سجالا، ما بين مهاجم للمؤلف أو متعاطف معه، أو معتدل يقبل طرح الفكرة ويخالف التكتيك، فقد سبق وأدليت بدلوى فى الشأن اللغوى فى ندوة عُقدت حول الكتاب. وتلخصت كلمتى فى أن منطلقَ النحو والصرف العربيين هو منطلقٌ موسيقيّ بحت. فالعربية منشغلةٌ بالموسيقي، ربما بسبب نشأتها الأولى فى مجتمع شفاهيّ غير كتابيّ مما جعلها خاضعةً لثقافة الأذن. وأنا من المتحمسين للفصحي، ليس لكونى شاعرة، بل أظن أن ما جذبنى إلى دنيا الشعر هو تنبهى المبكّر لعبقرية علم النحو تحديدًا. فيكفى المرء أن ينطق جملةً عربية سليمةً من دون أن يلحنَ نحويًا أو صرفيًّا ليحصل على قدرٍ من الموسيقي. ولهذا السبب ننزعج حين تباغتنا مذيعة بالتلفزيون بخطأ نحويّ. نحن فى الواقع لم نقم بإعراب الجملة فى جزء من الثانية لندرك أن خطأً قد وقع، لكن أذننا اصطدمتْ بما يؤرق حسَّها الفطريّ المجبول على الموسيقي. ولن أتفق مع من سيقول إن السبب هو الاعتياد، لعدة أسباب. أهمها أننا كعرب لم نعتد الكلام بالفصحى فى يومنا بل بالدارجة. كلٌّ حسب دولته وبلده ومدينته وعشيرته. ثم إن الهوّة الواسعة بين الفصحى من ناحية، وبين اللهجات الكثيرة الدارجة على طول الوطن العربى وعرضه من ناحية أخري، تجعلنا لا نتكلم بكبير ثقة عن مسألة الاعتياد. لأن الفصحى تتعامل مع ذاكرتنا البصرية وحسب. أى مع عيوننا فقط وليس آذاننا. بفعل القراءة فى الكتب والصحف والتعليم فى المناهج المدرسية. بينما تنبنى الذاكرة السمعية، أى نستعمل الأذن، من خلال الدارجة التى يتبناها البيت والشارع والمقهى ووسائط الإعلام المسموعة والمرئية الخ.