في الاحتفال بسبعينيته.. فاروق شوشة بين هيبة اللغة وجمالها
- دعاء عطية من القاهرة - 10/05/1427هـ
"أجافيكم لأعرفكم أكثر".. هذا ما قاله الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور في إحدى قصائده، وينطبق تماما على جل مسيرة الشاعر فاروق شوشة فهو لم ينخرط في جدال المعارك السطحية التي ينشغل بها الكثيرون ولا تخدم الثقافة في شيء كما أنه قليل التعليقات والكلام، ولكنه في الوقت نفسه مراقب جيد لما يدور على الساحة ومتأمل لها، وفي هذا التأمل استكشاف ومعرفة ووعي عميق ورؤية ثاقبة للقضايا الحقيقية لتأتي كتابته قريبة منا وكأنه عايشنا عن قرب ولم يجافينا لحظة.
وشوشة الذي احتفل المجلس الأعلى للثقافة في مصر بسبعينيته أخيرا يُعدّ واحدا من الرموز الشعرية التى ظهرت في حقبة الستينيات أصدر العديد من الدواوين المهمة منها: "إلى مسافرة" وهو أول أعماله و"أحبك حتى البكاء" وهو أحدث أعماله ويتناول فيه ما يحدث في العراق ومدينة بغداد وبين ديوانه الأول والأخير كان أحد الذين أسهموا في الحفاظ على لغتنا العربية بتقديمه برنامج "لغتنا الجميلة" طوال أكثر من 40 عاما في الإذاعة ثم توليه أخيرا منصب الأمين العام لمجمع اللغة العربية.
وفى الاحتفال بسبعينيته التي شارك فيها عدد كبير من النقاد والشعراء، قال الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي إن التحولات الشعرية عند فاروق شوشة بداية من ديوانه الأول "إلى مسافرة" الذي صدر عام 1966 حتى ديوانه الأخير "أحبك حتى البكاء" الصادر هذا العام، تؤكد أن الشاعر قد لا يدهشنا في كل قصيدة لأنه لا يمعن في البعد ويحرص على أن يظل قريبا مأنوسا، لكنه يمتعنا في كل قصيدة يمزج فيها بين ما نعرف وما لا نعرف، يذكرنا بالذي نسيناه من هذا الفن فنغنيه معا، ثم يتلوه بالجديد الذي نقف أمامه مبهورين.
هذه الحرية التي يتمتع بها فاروق شوشة لها ثمنها، وثمنها عنده أن يكون صوتا لبلاده، وصوتا لزمنه، وبمعنى آخر أن تكون لغته ناطقة بحال المجتمع عبر وعي مركب بالأحداث.
أضاف حجازي: لقد استطاع الشاعر أن يربط بين ذاته الفردية وذاته القومية، لذا إذا كان هناك أصل واحد تنبع منه تجربة فاروق شوشة فإن هذا الأصل هو الانتماء، وفي ديوانه الأخير يتضح كثير من هذه الإشكاليات حيث نجد النبرة الحادة والكاشفة والرافضة لكل ألوان الزيف.
وأكد الدكتور أحمد كشك أن شوشة وضع بصمة واضحة في خريطة الشعر المصري المعاصر من خلال رؤية خاصة وازنت بين التقليد والتجديد تعتمد على بنية مركبة مثيرة يتضح فيها الطموح، ملتزمة بالوزن والإيقاع.
بالإضافة إلى دوره في الحفاظ على اللغة العربية الذي تجلى منذ فترة مبكرة من حياته حتى وصوله إلى منصب أمين مجمع اللغة العربية، ولذلك نراه يمزج في قراءته بين إهاب شخصيته كمبدع وبين إهاب اللغة.
أما الدكتور محمد عبد المطلب فقدّم قراءة حول بنية التكرار في نصوص فاروق شوشة، مؤكدا أن هناك دائرة تكرارية لبعض المفردات التي تغطي معظم الأعمال، وربما تأتي البنية التكرارية في كثير من النصوص لأن اختيارات فاروق شوشة كانت نتيجة تفاعل بينه وبين ما تحمله من دلالات، ثم قام الدكتور عبد المطلب بدراسة إجرائية حول لفظ العريفي القصائد المختلفة للشاعر، مشيرا إلى أن هناك نوعا من التوازن بين المادة اللغوية التي يتعامل معها وكيفية ربطها بمفردات عالمه، وهو ربط يعلن عن انكشاف العالم أمامه انكشافا مبهرا بما فيه الذات نفسها.
أما الناقد الدكتور محمد فتوح أحمد، فأشار في كلمته إلى أن شوشة ينتمي إلى فصيلة الشعراء الذين يؤمنون بفكرة الخلاص بالشعر من خلال اتكائه على ركيزتين أولاهما: التسامي بالإبداع على جهامة الواقع، وثانيتهما الإعلان عن رأيه بصراحة من خلال كشفه كل آليات القهر التي ينوء بها الإنسان المعاصر، فتصبح القصيدة نبتا شرعيا للقضية.
وأشار الدكتور محمود الربيعي في دراسته المعنونة بـ "لغة الشعر المعاصر: نموذج تطبيقي" إلى أن العناصر الشعرية عند شوشة تتميز بطبيعة مرنة، صالحة للتطور من مقطع إلى آخر داخل القصيدة الواحدة - بشكل طيع - عبر تنوع الخامات الأصلية التي تستخدمها القصيدة، وتنوع صورها، وقد ضرب مثالا على ذلك بقصيدة "أروع من عينيك لا"، التي قال عنها إنها كتاب مفتوح على أسئلة وجودية.
وتحت عنوان "فاروق شوشة.. تطور الموضوع والأداة" أكد الدكتور يوسف نوفل أن تطور الموضوع الشعري عند الشاعر مرتبط بالزمن ومرتبط أيضا بالتطور المتلاحق في صياغاته وبنيته الموسيقية، وإن كان ديوانه الأخير "أحبك حتى البكاء" يعتمد على لغة جديدة ونفس شعري جديد، وموضوع شعري حميم شديد المعاصرة.
أما الدكتورة وفاء إبراهيم في بحثها "النقد الجمالي وقصيدة لغة" فقد استعرضت البنية الجمالية في هذه القصيدة التي جاءت كمفتتح لديوان الشاعر الأخير، مؤكدة أن القصيدة من القصائد التي تسمو بالدفقات الشعورية التعليقية، فهذه اللغة ليست لغة النظم الشعري فحسب وإنما هي مشكلة اللغة التي تعاني، وتئن تحت ضربات سكاكين من يزيف معانيها ومن يحجّر ممكناتها أو من ينحرف بدلالاتها.
وجاءت المداخلات والتعقيبات من الحضور لتناقش قضية الشعر الجديد في مصر، خاصة تعقيب الدكتور محمود الربيعي الذي أكد ضرورة الاهتمام بالشعر الجديد، واقتراحه عقد مناظرة بين شعراء قصيدة النثر وشعراء قصيدة التفعيلة.
ورد عليه أحمد عبد المعطي حجازي مؤكدا أنه لا يرفض قصيدة النثر - رفضا مطلقا - وإنما يعترف بالنماذج الجيدة منها، وإن كان يؤمن بأن الشعر الحقيقي هو المرتبط بفكرة الوزن.
-----------
جريدة الاقتصادية
التعليقات
سجّل دخولك لتتمكّن من التعليق. والتعليق باسمك، فلا حاجة إلى كتابة اسمك وبريدك في كلّ مرّة.
لا تعليقات على هذا المقال بعد — كن أوّلَ المعلّقين.