مراجعات كتب

مداخلات لغوية: أعمال المستشرقين العربية في المعجم العربي- أبو أوس إبراهيم الشمسان

لا ينكر الإنسان فضل المستشرقين على الثقافة العربية بغض الطرف عن نواياهم ومقاصده، فمنهم من ارتحل في بلادنا كما ارتحل الأجداد وكابدوا عناء الرحلة ومشاقها وعاشوا مع البدو حلوا حيث حلوا وارتحلوا حين ارتحلوا، ومنهم من ارتحل في التراث فاستوعبه وعبر عنه، ومن يزر المكتبات الغربية يجد عنايتهم الفائقة بحفظ مخطوطاتنا حفظًا ما كان سيتيسر لها في بلادنا، وهم الرواد في تحقيق تلك الكتب تحقيقًا علميًّا فكانوا القدوة والمعلمين لنا في هذا العصر بعد أن أُنسينا طريقة أجدادنا في التحقيق والتدقيق، واهتموا بأمر الفهرسة لهذا التراث ففهرسوا آي القرآن والأحاديث الشريفة وفهرسوا لمواطن المخطوطات العربية، ولهم جهود بارزة في تقديم التراث والتأليف بفنونه ونقده وتحليله، وهي جهود تستحق منا الدرس والتبيان للاستفادة منها قدر الإمكان.

وفي هذا الإطار يأتي عمل أخي الدكتور عبد العزيز بن حميد الحميد عن أعمال المستشرقين العربية في المعجم العربي الذي نشرته عمادة البحث العلمي في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1433هـ - 2012م في جزأين ومجلد للفهارس، وهو عمل رائد مبني على منهج علمي رصين ومتكئ على استقراء دقيق، وهو ثمرة سنوات من البحث والتدقيق والجمع والتصنيف والقراءة الناقدة جهودَ المستشرقين في هذا الحقل.

استطاع الحميد الكشف عن طريقة تعامل المستشرقين وقدرتهم على فهم التراث، وكشف عن مناهجهم في صناعة المعاجم والفهرسة اللغوية، وكشفت دراسة الحميد التحليلية نظرياتهم العلمية ومدى تطبيقها ومدى استفادتهم من مناهج البحث الحديثة في دراستهم معاجم العربية كالجيم والمخصص والمحكم، وبيّن الحميد أن أعمال المستشرقين أثرت في الدراسات اللغوية الحديثة من حيث اهتمامها بالتفاصيل، وهي أعمال متنوعة في ميادينها ومناهجها، وامتازوا باعتمادهم نصوص الكتب الأصلية لا ما تداولته المعجمات العربية، واعتنى المستشرقون بصناعة المعجم العربي لأنه مفتاح اللغة العربية وسعوا إلى تعلم العربية وتيسير تعلمها فوضعوا المعاجم الثنائية.

وأوصى الحميد بأن يطلع الباحثون على طرائق المستشرقين في التحقيق والاستفادة منها، وكذلك الاطلاع على جهودهم في صناعة المعجم الذي نال قدرًا عظيمًا في لغاتهم، في حين يظهر افتقارنا إلى دراسات متخصصة في مجال الصنعة المعجمية، وأوصى الحميد بعرض جهود المستشرقين وعرضها للتحليل والنقد واكتشاف حسناتها للاستفادة منها.

وبين لي الدكتور الحميد في اتصال هاتفي أهمية الجوانب الثقافية الأخرى كالدراسة النحوية والصرفية وغيرها من الجوانب التي هي بحاجة جهود الباحثين. وعمل الحميد رائد يمكن أن يحتذيه النابهون من طلاب الدراسات العليا إن رزقوا هدوءه وصبره وأناته وعمق نظرته وسداد رأيه.

وكنت حضرت معه ورشة نظمتها مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية بالتعاون مع المنظمة العربية للثقافة والعلوم كان موضوعها المعجم التفاعلي، ويقصد به معجم عنكبي يكون على الشابكة يغني عن كثير من المعاجم القديمة، وكان النموذج الفرنسي الذي عرض لنا من أبرز تلك النماذج؛ ولكن إنجاز معجم كالمعجم الفرنسي هو أمر يحتاج إلى حال واحتوال وحيلة كما يقول عامّتنا.

كتاب إحياء النحو للأستاذ إبراهيم مصطفى : تحليل ونقد

المقدّمة:

·· مرّ النحو العربيّ بمراحل زمنية كثيرة ، وانتقل بين العلماء من جيل إلى جيل حتى استوى علما كاملا ، وقد اتّسم بعدة سمات منها القياس والتعليل وتأثره بالمنطق والفلسفة كما شابته عدة عيوب شخصها بعض الدارسين في أمور أبرزها كتب النحو ومناهج النحاة والمادة النحوية .

   وقد نبّه بعض النحاة قديما وحديثا على هذه العيوب ، ودعوا إلى تجنبها ، فألفوا كتبا مختصرة في النحو ، ونقدوا بعض النحاة الذين سيطر على تفكيرهم المنطق والفلسفة ، ولعل أهم المحاولات القديمة محاولة ابن مضاء القرطبيّ······· ( ت 592 هـ ) في كتابه ( الردّ على النحاة )، فدعا فيه إلى إلغاء نظرية العامل ورفض باب التنازع وإلغاء التعليل والقياس .

·· وفي العصر الحديث ظهرت محاولات كثيرة لتيسير النحو العربيّ وتخليصه مما شابه من عيوب ، فألفت كتب دعت إلى إلغاء بعض أبواب النحو ودمج بعضها الآخر بغيره من الموضوعات .

·· ومن الكتب المهمة التي ظهرت كتاب ( إحياء النحو ) موضوع الدراسة ، الذي ألّفه الأستاذ المصري إبراهيم مصطفى ، وهو كتاب قيِّم فيه آراء مبتكرة وجريئة لكنها لا تخلو من النقد ، لذا جاء هذا البحث ؛ ليُسلِّط الأضواء عليه وعلى الآراء النحوية الموجودة فيه ، ويناقشها مناقشة موضوعية .

·· وقد ركز البحث على جانبين مهمين : الأول وصف موجز للكتاب وما قيل فيه ، والآخر عرض آراء المؤلّف مع التحليل والنقد ، وليس الغرض من البحث إظهار النقص في كتاب الأستاذ أو التقليل من الجهود المبذولة فيه بقدر ما هو تقويم له ، وبيان مواطن الجودة والضعف في الآراء التي تضمّنها .

·· وختاما أرجو أن أكون قد وُفّّّقت في بحثي هذا و لا أدعي له الكمال ، فالكمال المطلق له وحده سبحانه ، وحسبي أنه خلاصة جهد وعناء ، عسى أن أكون قد أسديتُ للغة القرآن خدمة واجبة تسبغ على أبنائها شرف الانتماء لها وفضل الاعتزاز بها ، وما توفيقي إلا به سبحانه عليه توكلتُ وإليه أنيب .

الباحث ···

 

عرض موجز للكتاب :

ظهر هذا الكتاب في عام 1937 ، بعد موجة انتقادات ظهرت في العصر الحديث لمنهج النحاة القدماء في درسهم النحو ، ويعدّ "أول كتاب ظهر في العالم العربيّ في العصر الحديث لنقد نظريات النحو التقليدية"([1]).

··· وقد قدم له الدكتور طه حسين ،ونوّه في مقدمته مبالغاً بشأن الكتاب وأثره، وذكر أن تسمية الكتاب (إحياء النحو) إنما جاءت بإشارة من عنده ،إذ إنه يتصور إحياء النحو على وجهين:"أحدهما أن يقرّبه النحويون من العقل الحديث ؛ ليفهمه ويسيغه ويتمثله ويجري عليه تفكيره إذا فكر، ولسانه إذا تكلم ، وقلمه إذا كتب ، والآخر أن تشيع فيه هذه القوة التي تحبب إلى النفوس درسه ومناقشة مسائله والجدال في أصوله وفروعه ، وتضطرَّ الناس إلى أن يُعنَوا به بعد أن أهملوه ، ويخوضوا فيه بعد أن أعرضوا عنه"([2]) ، ثم ذكر أن الأستاذ إبراهيم مصطفى قد وُفِّق إلى إحياء النحو على هذين الوجهين ([3]) .

··· وقد حدد المؤلّف غرضه من هذه المحاولة بقوله :" أطمع أن أغيِّر منهج البحث النحويّ للغة العربيّة ، وأن أرفع عن المتعلمين إصر هذا النحو ، وأبدِّلهم منه أصولا سهلة يسيرة ، تقربهم من العربيّة ، وتهديهم إلى حظ من الفقه بأساليبها"([4]).

·· ولعل المحور الرئيس الذي تدور حوله أبحاث الكتاب ، ومنه تنبثق الأفكار التجديدية فيه هو "أن علامات الإعراب دوال على معان...في تأليف الجملة وربط الكلم".([5])

··· وقد قسّم الكتاب على موضوعات تسبقها مقدمتان وتتبعها خاتمة ،أما المقدمتان فالأولى للدكتور طه حسين ، وقد تكلّمت عليها ، والأخرى للمؤلف ، وأما الموضوعات فكانت على النحو الآتي :

·(حد النحو كما رسمه النحاة ، وجهات البحث النحوي ، أصل الإعراب ، معاني الإعراب ، الضمّة علم الإسناد ، الكسرة علم الإضافة ، الفتحة ليست علامة إعراب ، الأصل في المبني أن يسكَّنا ، العلامات الفرعية للإعراب ، التوابع ، مواضع أجاز فيها النحاة وجهين ، الصرف ).

··· وفي خاتمة كتابه ذكر المؤلّف أنه تقدم إلى الناس في بحثه هذا بإعراب الاسم وحده ؛ لأنّ إعراب الاسم ، في رأيه ، يقوم "منفردا مستقلا في بحثه وبيانه عن إعراب الفعل ، ولأنّ الباحث يرجو أن يجد من نقد الناقدين وبحث الباحثين ما عسى أن ينتفع به في درس الفعل أو عرضه من بعد"([6]).

··· وقد حمل هذا الكتاب " دعاوى عريضة حول إصلاح النحو وتيسيره كما غالى في نقد النحاة وتخطئتهم واتخذ لنفسه أسلوبا أشبه بأسلوب البحث العلمي الموضوعي ، لم يكن ذلك مألوفا من قبل في هذا الميدان ، وبسبب ذلك كله ... أثار (إحياء النحو) ضجة واسعة ، وتناوله بالنقد غير واحد من الباحثين "([7]) ، منهم الدكتور أحمد أحمد بدوي والشيخ " محمد محمد عرفة في كتابه (النحو والنحاة بين الأزهر والجامعة ) والشيخ مرسي جار الله الروسي في كتابه (النقود على تفاصيل عقود كتاب إحياء النحو) والشيخ عبد المتعال الصعيديّ في كتابه (النحو الجديد) والشيخ محمد الخضر حسين في كتابه (دراسات في العربيّة وتاريخها) "([8]) .

···· وإذا كان هذا الكتاب قد تناوله الباحثون بالنقد فقد أثّر في عدد آخر من الباحثين منهم الدكتور مهدي المخزومي الذي يُعَدّ كتاب ( إحياء النحو ) مصدرا مهما من مصادره في محاولته التجديدية في كتابه ( في النحو العربيّ نقد و توجيه) كما أنه تأثر بكثير من آرائه المبثوثة في كتابه ([9]) ، ومنهم أيضا الدكتور أحمد عبد الستار الجواري الذي كان دائما يؤكد ريادة المؤلّف لحركة التجديد والتيسير في العصر الحديث ، فقد ذكر في مقدمة كتابه ( نحو التيسير ) أنه ألفه " مستهديا بمن فتح أبواب هذه الدراسة الحديثة وهو الأستاذ إبراهيم مصطفى "([10]) ، وقال في موضع آخر " وبيانا للحقيقة نقرر أن الجهد الأصيل في هذا الباب يقوم على إحياء النحو للأستاذ إبراهيم مصطفى ، فهو الذي فتح مغاليق هذا الباب وهو الذي أنار للأذهان سبيل الخوض فيه "([11]) ، وعلى الرغم مما ذكر لم يوافقه على كثير من آرائه . ([12])····

···· ومهما يكن من شيء يبق الأستاذ إبراهيم مصطفى رائد حركة التجديد والتيسير في العصر الحديث ، ويبق كتابه منبعا مهمّا ينهل منه الدارسون الذين أتوا من بعده.

آراء المؤلّف ومناقشتها:

·· ذُكر فيما سبق أن هذا الكتاب حمل دعاوى عريضة ، وأحدث ضجة واسعة من خلال الآراء التي تضمنها ، وسأورد أهم تلك الآراء والمقترحات مناقشا إياها ، وهي مرتبة على النحو الآتي :

أولا : العامل :

· تعد نظرية العامل من أسس النحو العربيّ التقليدي ، وهي معتمدة على أن كل أثر لا بد له من مؤثر، فالفاعل مثلا إنما رُفع بسبب الفعل ، والمبتدأ مرفوع بالابتداء ، وقد اختلف العلماء فيما بينهم في عدد من العوامل .

· ولا بد من الإشارة إلى أن الأستاذ " إبراهيم مصطفى أول من دعا في العصر الحديث إلى إلغاء فكرة العامل ؛ لأنّه عدها أساس المشكلات في النحو ، ووجد في إلغائها مفتاح تيسيره " ([13])، فقد دعا المؤلّف إلى إلغاء نظرية العامل من أساسها ، وكذلك كل ما أقامه حولها النحاة من أصول فلسفية ، وما رتبوه عليها من أحكام أصابت النحو بالتعقيد والصعوبة على حد قوله. ([14])

··· وقد ادعى المؤلّف أن الحركات الإعرابية هي " من عمل المتكلم ؛ ليدل بها على معنى في تأليف الجملة ونظم الكلام "([15])،وهو في كلامه هذا متأثر بابن جني (ت392هـ) الذي يرى أن العمل من الرفع والنصب والجر والجزم إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره([16]) ، وهو متأثر أيضا بما كان يراه ابن مضاء القرطبي (ت592هـ) ·([17]).·· ··········

والواقع أن هذا التصور " غير دقيق ؛ لطبيعة الإعراب وأسباب وجوده ، فالمتكلم الفرد لا يحدد الحالة الإعرابية لكلمة ما ، ولا العلامة الدالة على تلك الحالة على أساس من اختياره الحر أو الشخصي ،وإنما تبعا لنظم اقتضاها العرف الاجتماعي للغة التي يتحدث بها، ونطقه للعلامة الإعرابية في تركيب ما لا يعني أنه موجدها من الناحية اللغوية وإن كان ذلك صحيحا من حيث الاعتبار العقلي "([18]).

·· وعلى الرغم من كون رأي الأستاذ إبراهيم مصطفى في نظرية العامل مسبوقا بابن جني وابن مضاء القرطبي فإن له فضلا في ناحيتين : الأولى أنه أبرز بوضوح أبعاد نظرية العامل وآثارها السيئة على النحو ، والأخرى أنه حاول أن يقدم التفسير للظواهر الإعرابية وعلاماتها ؛ ليكون بديلا لنظرية العامل الملغاة . ([19]) .

ثانيا : وجوب التوحيد بين المبتدأ و الفاعل ونائب الفاعل :

·· يرى الأستاذ إبراهيم مصطفى أن الضمّة تدل على الإسناد و بناء على رأيه هذا رأى وجوب التوحيد بين ( المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل ) ؛ لأنّ حكمها جميعا الرفع ، ولأنّنا " إذا تتبعنا أحكام هذه الأبواب وجدنا فيها من التماثل ما يوجب أن تكون بابا واحدا "([20]) ، وهذا التوحيد ، في رأيه ، سوف يغني عن فلسفة العامل والخلاف فيه وعن تعدد الأبواب وتكثير الأقسام ويجعل الحكم النحوي أقرب إلى الفهم وأدنى إلى روح العربيّة ([21]).

·· وقد واجه هذا الرأي ردودا كثيرة منها ما ذكره عبد المتعال الصعيديّ بقوله :" إن الفرق بين هذه الأبواب الثلاثة لا يمكن إنكاره "([22])، وعلق عليه عبد الوارث مبروك سعيد بقوله : ·فرق في المعنى وفرق في بعض الأحكام يبرر معالجة كل تركيب منها على انفراد كما فعل النحاة ، وساق مثالا على ذلك وهو أننا إذا تدبرنا الجملتين ( المبنية للمعلوم والمبنية للمجهول ) نجد أنه من الممكن أن نقول : حكم على القاتل بالإعدام دون أدنى حاجة إلى تقدم ذكر من أصدر الحكم أو حتى مجرد التفكير فيه ؛ لأنّه أُسقط عمدا ، أما في الجملة المبنية للمعلوم فنجد أن ذكر الفاعل ضرورة ما لم يتقدم له ذكر في الكلام ، ومن ثم تكون جملة ( حَكم على المجرم بالإعدام ) هكذا ابتداء مرفوضة نحويا ، كذلك فإن الفعل في الجملة الأولى لم يتأثر من حيث النوع ، وليس الأمر كذلك في المبنية للمعلوم. ([23])

·· ويرى الباحث خلاف ذلك ، فالفاعلُ شيءٌ ونائبُهُ شيءٌ آخرُ، فالفاعل هو الّذي قام بالفعل أو اتَّصف به أمّا نائبه فقد وقع عليه الفعل ؛ إذ إنَّه مفعولٌ به في الأصل ، وحَسَنًا فعل النحاة القدماء حين سمَّوا الفعلَ المَبنيَّ للمعلوم (المَبنيّ للفاعل) ، والفعل المَبنيّ للمجهول (المَبنيّ للمفعول) ؛ لِيُبَيِّنُوا الفرق الدلاليَّ بين هذَين النوعَين إلاّ أنَّهم سمُّوا المفعول به (نائب فاعل) ؛ لأنّه قام مَقام الفاعل في بعض الأحكام ، وأخذَ علامةَ إعرابِه ، أمّا دعوة الأستاذ إلى· جمعِهِما في بابٍ واحدٍ فلأنّه نظر إليهِما على أنَّ كليهما مُسنَدٌ إليه ؛ لتقليل المصطلحات النحويَّة والتسهيل على المُتعلِّمين غاضّا النظرعن الفرق الدلاليِّ بينهما ؛ إذ إنَّ الأوَّلَ فاعلٌ والآخَرَ مفعولٌ به.

··· والمثال السابق الذي ذكر إنما هو للتفريق بين الفاعل ونائبه ، أما عن الفرق بين المبتدأ والفاعل فيرى المؤلّف أن " شيئا من الإمعان في درسهما ينتهي إلى توحيد البابين واتفاقهما في الأحكام " ([24])· ، وراح ينقض كلام النحاة في هذه المسألة بمجموعة من الأدلة ، منها· أن حكم المطابقة واحد في البابين ، وأن المطابقة بين المسند والمسند إليه لا تجيء تبعا لأنّ المسند اسم أو فعل ، ولا لأنّ المسند إليه مبتدأ أو فاعل ، بل تجيء تبعا لتقديم المسند إليه أو تأخره، وهو يريد بذلك أن ينقض ما قرره النحاة ·من أن الفعل يوحّد والفاعل جمع أو مثنى أما المبتدأ فالمطابقة بينه وبين الخبر واجبة ([25]).

··· والظاهر أن هذا الحكم الذي ذهب إليه تنقضه الكثير من الأدلة منها مثلا أننا نقول : (أنت الأخ ، أنتم الأخوة ) ، فيكون التطابق في العدد واجبا بين ركني الجملة ، فإذا قلنا : ( حضر الأخ ، حضر الأخوة ) ، وجب إفراد الفعل ، وإن كان الفاعل غير مفرد ، فإذا قدّمنا المسند في النوع الأول لم يستلزم ذلك أي تغيير، فنقول:·· (الأخ أنت ، الأخوة أنتم ) ، أما في النوع الثاني فلا بدّ من حدوث التغيير (الأخ حضر ، الإخوة حضروا ) ، وهذا ينقض ما ذهب إليه الأستاذ من أن حكم المطابقة واحد في البابين .

 

ثالثا : ضم المنادى المفرد :

·· ذُكر سابقا أن الأستاذ إبراهيم مصطفى كان يرى أن الضمّة علم الإسناد وأنها تكون في المسند إليه ، وقد واجه الأستاذ· ضمّ المنادى المفرد ، وهو ليس بمسند إليه ، فحاول الأستاذ تأويله ، فرأى في سبب ضمه أن المنادى المعيّن أو المعرّف يُمنع التنوين ، فإذا بقي للاسم بعد حذف التنوين حكمه ، وهو النصب ، اشتبه بالمضاف إلى ياء المتكلم ؛ لأنّها تُقلب في باب النداء ألفا ، وقد تُحذف وتبقى الحركة لقصيرة مشيرة إليها ، ففروا في هذا الباب من النصب والجر إلى الضم حيث لا شبهة بياء المتكلم. ([26])·

·· وهذا التخريج واهي الأساس ؛ لأنّ الوجه الذي بنى عليه هو أضعف الأوجه الواردة في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم ، ومن الممكن أن يُضاف الاسم المنادى إلى ياء المتكلم على الأوجه الأربعة الأخرى ، وحينئذ لا تبقى أية شبهة بالاسم المنادى المحذوف منه التنوين الباقي فيه النصب ، فضلا عن أن ليس من المألوف في الاستعمال إضافة الأعلام إلى ياء المتكلم أو إلى غيرها.

رابعا : نصب اسم ( إن ) :

··· لمّا كانت الضمّة علم الإسناد ، ودالة على أن الاسم مسند إليه ومتحدّث عنه في رأي الأستاذ لذا فإن من حق اسم (إن) الرفع ؛ لأنّه متحدث عنه ، ولكنه ورد منصوبا ، وكان النصب هو الغالب . ([27])

···· وقد حاول المؤلّف أن يفسر هذا التناقض ، فذهب إلى أن (إن) أكثر ما تستعمل " متصلة بالضمير ،وإننا نعلم من أسلوب العرب أن الأداة إذا دخلت على الضمير مال حسهم اللغوي إلى أن يصلوا بينهما، فيستبدلون بضمير الرفع ضمير النصب ...وكثر هذا حتى غلب على وهمهم أن الموضع للنصب ، فلما جاء الاسم الظاهر نُصِب أيضا ... وهذا موضع دقيق في العربيّة ، ولكنه صحيح مطرد عند الاختيار ، أثبته النحاة وسموه الإعراب على التوهم".([28])

··· ولم يتردد المؤلّف في رمي النحاة بأنهم قد أخطؤوا فهم هذا الباب وتدوينه ، كما يستدل لرأيه بأن اسم (إن) قد ورد مرفوعا في الشعر وفي القرآن الكريم وفي الحديث ، وعُطِف عليه بالرفع ([29])، وذكر أمثلة لذلك منها قوله تعالى :"إن هذان لساحران" ([30])، وقوله :"إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى." ([31]).·

···· وواضح أن ما مثل به الأستاذ قليل جدا يُعد على " أصابع اليد الواحدة ، وفي كل منها وجه آخر قوي بالنصب ، وورود هذه الأمثلة النادرة لا يردّ مئات الآيات والشواهد الأخرى التي ورد فيها اسم (إن) وتوابعه منصوبا".([32])

···· وقد علق عليه الدكتور أحمد عبد الستار الجواري قائلا : " ولعل ما ذهب إليه الأستاذ إبراهيم مصطفى في نصب اسم (إن) أبعد من أن يسلم به أو يركن إليه "([33])، ورأى أن ما ورد في الأمثلة التي ذكرها نادر قليل لا يصح أن يحل محل اللغة الشائعة ، وأن يركن إليه في حالة وجودها([34]).

··· ومما يُتعجّب منه أن المؤلّف رمى النحاة ، حين حاولوا تخريج تلك الأمثلة النادرة ، بأنهم " يتأولون أعسف تأويل ؛ ليمضي حكمهم في أن اسم (إن) لا يكون إلا منصوبا"([35])، ولا يرى مثل هذا التعسف في محاولته هو أن يخرج على التوهم تلك الكثرة الهائلة من النصوص التي ورد فيها اسم (إن) منصوبا ؛ ليسلم له الأصل الذي قرره ، ولولا مسألة (الضمّة علم الإسناد) لما جاء كل هذا التعسف والتأويل البعيدين عن المنهج اللغوي السليم .

 

خامسا : الفتحة ليست علامة إعراب :

·· يرى الأستاذ المؤلّف " أن الفتحة لا تدل على معنى كالضمّة والكسرة ، فليست بعلم إعراب ، وإنما هي الحركة الخفيفة المستحبة عند العرب التي يحبون أن يُشكل بها آخر كل كلمة في الوصل ودرج الكلام ، فهي في العربيّة نظير السكون في لغتنا العامية"([36]) .

··· وهذا الرأي غريب ، ويدفعنا إلى عدم قبوله أنه يتعارض مع الفكرة الأساسية التي أقام عليها كتابه ، وهي أن علامات الإعراب دوال على معان في تأليف الجملة([37]) ، وكون الفتحة خفيفة مستحبة لا يوجب حرمانها من دلالة ([38]) ، والمؤلّف أجهد نفسه ؛ ليثبت أن الفتحة أخف من السكون([39]) ، ولو كان ما ذهب إليه صحيحا لما وقف العرب بالسكون على الكلمات التي تنتهي بالفتحة ، ولانتهزوا فرصة اختتامها بالفتحة ، فوقفوا بها استمتاعا بما يحبون ([40]) ، ثم ما الذي يدل على معاني المفعولية والحال والتمييز ؟.

··· ولعل ما ذهب إليه الدكتور مهدي المخزومي في الفتحة أدق وأقرب إلى الحقيقة من كلام الأستاذ المؤلّف ، إذ يرى أن الفتحة ليست "علما لشيء خاص ، ولكنها علم كون الكلمة خارجة عن نطاق الإسناد أو الإضافة ، ويندرج في هذا موضوعات كثيرة كالحال والتمييز والمفاعيل وغيرها"([41]).

 

سادسا : العلامات الفرعية :

··· قسم أغلب النحاة علامات الإعراب على قسمين : أصلية وفرعية ، أما الأستاذ إبراهيم مصطفى فلا يعترف بوجود علامات فرعية أو نائبة ؛ لأنَّه ، برأيه ، يمكن إجراء العلامات الأصلية فيما جعلوه معربا بالعلامات الفرعية ([42]) ، وقد حاول أن يبين ذلك على النحو الآتي :

··· في الأسماء الخمسة يرى أنَّها كلمات معربة كغيرها ، وإنما مُدت كل حركة ، فنشأ عنها لينها ، وفي جمع المذكر السالم يرى أن الضمّة فيه علم الرفع والواو إشباع ، والكسرة علم الجر والياء إشباع ، وأغفل الفتح ؛ لأنّه ليس بإعراب فلم يُقصد إلى أن يُجعل له علامة خاصة ، واكتُفي بصورتين في الجمع ([43])

··· وقول المؤلّف :أغفل الفتح ؛ لأنّه ليس بإعراب مردود بكلامه في الأسماء الستّة ؛ إذ فيها ما يدينه على أن الفتحة· من علامات الإعراب ؛ لأنّ الأسماء الستّة تُنصب بالألف الذي نشأ عن إطالة الفتحة ، إلا أنه لم يعلق عليه لئلا يقع في تناقض· وحين جاء المثنّى ، ولم يجد لإعرابه تأويلا ؛ لأنّه يرفع بالألف الناشئ من الفتحة عده شاذا ، وزعم أن شذوذه ليس يقدح في أمر تقرر في سائر العربيّة ، واستقام في كل أبوابها([44])، ولم يسلم له تأويله السابق إلا في جمع المذكر السالم .

···· أما الممنوع من الصرف الذي تنوب فيه الفتحة عن الكسرة فقد خرجه على أنه " لما حُرم التنوين أشبه في حال الكسر المضاف إلى ياء المتكلم إذا حُذفت ياؤه ، وحذفها كثير جدا في لغة العرب ، فأغفلوا الإعراب بالكسرة والتجأوا إلى الفتح ما دامت هذه الشبهة "([45]).

···· وقد علق عليه الأستاذ عبد الوارث مبروك قائلا : " وهو تخريج ليس بالقوي ؛ لأنّ الذي يحتمل الشبهة مما يُمنع صرفه هو الأسماء فقط ، وكلها أعلام ، وليس من المألوف في الاستعمال إضافة الأعلام إلى ياء المتكلم أو إلى غيرها ، وفي الحالات القليلة التي يحدث فيها ذلك يتكفل السياق برفع اللبس كما هو الشأن في كثير من التراكيب ".([46])

سابعا : التوابع :

··· التابع عند النحاة هو ما شارك ما قبله في الإعراب مطلقا ، والتابع عندهم خمسة هي : النعت والتوكيد وعطف البيان وعطف النسق والبدل ([47])، أما المؤلّف فيرى أن تطبيق فكرة ربط الإعراب بالمعنى على التوابع تؤدي إلى اختصار قواعدها وإيضاح أحكامها وتيسيرها ، وذلك على النحو الآتي :

أ _ عطف النسق ليس بتابع ؛ لأنّ الثاني شريك للأول ، وله مثله صفة··············· الاستقلال ، فيعرب مثله مسندا إليه أو مضافا أو غير ذلك ، أما الاهتمام فيجب أن يوجه إلى معاني حروف العطف. ([48])

ب _ النعت الحقيقي والبدل وعطف البيان والتوكيد هي التي تستحق اسم التوابع ، وإن كان النعت أدخلها في التبعية من حيث إنه يجب أن يطابق متبوعه في مختلف الأحوال ( الإعراب والنوع والعدد والتعريف أو التنكير ) على حين لا يلزم في الثلاثة الباقية ، في رأيه ، أن تتفق في غير الإعراب. ([49])

ت _ النعت السببي : يرى أنه ليس من التوابع ، وأن " حقه أن ينفصل عما قبله ، وألا يجري عليه في إعرابه ، ولكنه إذا وافقه في التعريف والتنكير جرى عليه في الإعراب ، وكان ذلك من باب الإعراب بالمجاورة "([50]) ، وقد استند في ما ذهب إليه إلى ما ورد عن ابن جني في توجيهه ما رُوي عن العرب ( هذا جحر ضب خرب ) على أن أصله ( هذا جحر ضب خرب جحره ). ([51])

ث _ الخبر : ويرى أنه من أهم التوابع وأولاها أن يُذكر في باب التوابع ، ويسارع إلى التماس تفسير أو تخريج للخبر بعد ( كان ) ؛ لأنّه منصوب ، والمسند إليه مرفوع ، في رأيه ، فذهب إلى أن الخبر هو مجموع ( كان ) والخبر. ([52])··· ···

· وإذا أردنا أن نناقش الأستاذ في ما رآه في التوابع فنحن معه في كون المعطوف بعطف النسق شريكا للأول في المعنى ، فإذا قلنا : (حضر محمد وعلي) ، فعلي شريك لمحمد في الحضور ، ولكن حدَّ النحاة للتوابع واضح ، فالتابع عندهم هو ما شارك ما قبله في الإعراب مطلقا ، بغض النظر عن المعنى ، والأستاذ كان تركيزه على المعنى فقط .

 

··· ونحن معه أيضا في كون النعت أدخل التوابع في التبعية ؛ لأنّه يوافق ما قبله في أمور كثيرة فضلا عن الإعراب ، أما تخريجه نصب خبر ( كان ) على أن الخبر هو مجموع ( كان ) والخبر ، فليس ثمة ما هو أعجب منه ، " وماذا عن الخبر بعد ( إن ) ؟ ، وعنه حين يكون جملة ، والجمل بعد المعارف أحوال ؟ ، وماذا عن تخلف التطابق بين المبتدأ والخبر في التعريف ، ما قرره ، وكذلك النحاة من قبله ، من وجوب تطابق التابع والمتبوع في التعريف والتنكير ، ثم إن النظام اللغوي للعربية وللغات الأخرى لا يقبل مثل هذا الخلط بين فكرة ( الإتباع ) التي تعني أن التابع ليس ركنا في الإسناد ، وفكرة ( الخبرية ) التي تعني أنه عمدة ، وإذا اعتبرنا الخبر تابعا ، فهل يعني ذلك أن الجملة تصبح خالية من خبر ؟! " ([53]).

 

ثامنا : اسم ( لا ) النافية للجنس :

اسم ( لا ) النافية للجنس يكون مبنيا على الفتح في محل نصب إذا كان مفردا ، ومنصوبا إذا كان مضافا أو شبيها بالمضاف ، وهو مسند إليه ، أما المؤلّف فيرى أنه ليس بمسند إليه ولا متحدث عنه ، وإن بدا كذلك لغير المتأمل ، وإنما هو مع··· ( لا ) جملة ذات ركن واحد أو ناقصة ، كما سماها ، ومن ثم هو يحتاج إلى خبر بعده ، وما يليه من ظرف ونحوه ليس إلا تكملة بدليل أن المعنى يتم بغيره فنقول : لا ريب ، ولا شك . ([54])

·وقول المؤلّف : إن المعنى يتم بغير الخبر فيه نظر ولا يصمد أمام النقد ؛ لأنّ الجلة الناقصة المكونة من ( لا ) واسمها ، كالتي مثل بها ، " لا تكون كلاما تام المعنى إلا حين تقع في سياق لغوي معين يتقدمها ما فيه نظير للخبر أو ما يشعر به ، أو في موقف يُعين على فهمه ، وهذا يكون الاستغناء عن ذكره معتمدا على تلك الملابسات السياقية ، وحينئذ يمكن القول بأن الخبر مفهوم أو محذوف بتعبير النحاة ، أما في غياب هذه الملابسات فلا مفر من ذكر الخبر ، وأمثلة ذلك كثيرة منها : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) ... ".([55])

 

تاسعا : التنوين في الأعلام :

·· ذكر النحاة أن من علامات الأسماء التنوين ، والعَلَم من الأسماء لذا يلحقه التنوين نحو ( علي ) ، فنقول : ( حضر عليٌّ ، رأيتُ عليًّا ، مررتُ بعليٍّ ) ، أما الأستاذ إبراهيم مصطفى فيرى أن " الأصل في العلم ألا ينون ، ولك في كل علم ألا تنونه ، وإنما يجوز أن تلحقه التنوين إذا كان فيه معنى من التنكير وأردت الإشارة إليه "([56]) ، وراح يبذل الجهد لدعم دعواه ، ويدعي لها الصدق والاطراد ([57]).

··· والواقع اللغوي يرفض هذه الدعوى ، وكذلك تنقضها المئات من الشواهد القرآنية وغيرها نحو قوله تعالى : " محمد رسول الله " ([58]) ، وقوله : " ولقد نصركم الله ببدر " ([59]) ، وقوله : " ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم " ([60])، وقوله : " فلما قضى زيد منها وطرا " ([61]) ، كل هذه أعلام " يمتنع فيها مثقال ذرة من التنكير لزمها التنوين لزوما امتنع عدمه ، ودعوى أن لك ألا تنونها وضعٌ ليس لأحد فيها حق على خلاف استعمال أهلها ، وقد أجمعت الأمة والأئمة على لزوم التنوين "([62]).

·· واللفظ المعرف في اللغة العربيّة غير المنكر ؛ لذلك توصف المعرفة بالمعرفة والنكرة بالنكرة ، ولا يصح العكس ، ولو كان التنوين علم التنكير لجاز وصف الأعلام المنونة بالنكرات ، وهذا غير وارد([63])، و مما لا خلاف فيه أن جميع الأعلام المنونة لا يُحرم أي منها من التنوين ولو عُيِّن تمام التعيين ، وامتنع أن يكون فيه معنى العموم خلافا لما ذهب إليه الأستاذ . ·

عاشرا : الممنوع من الصرف :

··· لما قرر المؤلّف أن التنوين علم التنكير وأن الأصل في العلم ألا ينون أراد أن يطبق حكمه هذا على باب الممنوع من الصرف ، وفي رأيه أن العلم الأعجمي والمركب المزجي وما كان على وزن الفعل وما كان معدولا إنما مُنعت من الصرف ؛ لأنّها مأخوذة عن أصل لا تنوين فيه ([64])، أما العلم المؤنث فالعلمية ، وليس التأنيث ، هي في رأيه سبب المنع ، كذلك فإن صيغة منتهى الجموع ونحو ( أُخَر ) و ( جُمَع ) ونحو ( أفضل من ) إنما مُنعت التنوين لوجود شيء من التعريف أو نيته في كل منها· ، وفيما عدا هذه الأنواع لم يجد بدًّا من التسليم بأن منع الصرف فيها لعلل أخرى لا صلة لها بالتعريف نحو ما فيه ألف التأنيث بنوعيها أو زيادة الألف والنون. ([65])

··· ومن يمعن النظر في كلام المؤلّف يجد الضعف واضحا فيه ، فبعد أن كان يشترط إرادة التعيين الكامل في العلم حتى يُمنع من الصرف تنازل حتى قال بأن وجود نية التعريف أو شيء منه يكفي لمنع الصرف ، أما الأسماء ( أخر و جمع و أفعل ) فتمحل فيها المؤلّف أيما تمحل ؛ ليشم فيها شيئا من التعريف ، فهل هذه الأسماء أدخل في التعريف من الأعلام ، فتُمنع الصرف تلك ، وتناله هذه ؟!.([66])

··· ويرى الدكتور الجواري أن الذي يمنع الاسم من التنوين أمران : الأول ثقل في الاسم نحو مساجد ومصابيح وحمراء وذكرى وإبراهيم ، والآخر مشابهة الاسم للفعل من حيث تصرفه في التذكير والتأنيث والتعريف والإضافة تصرفا يشبه الأفعال نحو عطشان وأحمر وأكبر([67]). ·

خاتمة البحث:

بعد هذه الرحلة في كتاب ( إحياء النحو ) ودراسة آرائه وتأثر صاحبها بمن سبقه توصل ابحث إلى ما يأتي :

·· إن الدعاوى والآمال التي أعلنت في مطلع الكتاب كانت أكبر بكثير مما أمكن تحقيقه في مباحثه فليس فيه من الجديد إلا القليل مما يمكن الأخذ به ، ولعل أهم ما قدمه الكتاب يتمثل في بعض الأفكار النظرية والمنهجية.

···· جرأة المؤلّف في تناول قضايا النحو ومناهج النحاة وخير مثال على ذلك تخطئته إمامهم برأي واهي الأساس لا يصمد أمام البحث العلمي .

···· لم يكن الأستاذ موفقا في كثير من آرائه ولا سيما في ما يراه في نصب اسم ( إن ) وضم المنادى المعرفة ، وأن الأصل في العلم ألا يُنون ولك في كل علم ألا تنونه.

···· تأثر المؤلّف بعدد من النحاة القدامى كتأثره بابن جني في أن الحركات الإعرابية هي من عمل المتكلم ، وأثره بابن مضاء القرطبي في إلغاء نظرية العامل وبعض المسائل الفلسفية التي جرّتها ، وإن خالفه في المنهج الذي اتبعه فضلا عن البديل الذي جاء به.

----------

حواشي البحث :

·([1]) دراسات نقدية في النحو العربيّ : المقدمة (ج).

·[(2)] إحياء النحو : المقدمة (س).

·[(3)] نفسه.

·([4]) نفسه : المقدمة (أ).

·([5]) نفسه : 49

·([6]) ·نفسه : 193

·([7]) في إصلاح النحو العربيّ : 99

·([8]) نفسه : 160

·([9]) يُنظر : في النحو العربيّ نقد وتوجيه : 70 ، 73 ، 74 ، 90 ، 92

·([10]) نحو التيسير : 7

([11]) المصدر نفسه : 23

([12]) يُنظر : المصدر نفسه : 71 ، 79 ، 80 ، 87 ، 88 ، 97، 98، 111، 112

·([13]) في حركة تجديد النحو وتيسيره في العصر الحديث : 132

·([14]) يُنظر : إحياء النحو : 29_30

·([15]) إحياء النحو : 50

·([16]) الخصائص : ج1 ، 109 _ ·110

·([17]) يُنظر : الردّ على النحاة : مقدمة المحقق.

·([18]) في إصلاح النحو العربيّ : 103

·([19]) يُنظر : المصدر نفسه : 103

·([20]) إحياء النحو : 54

·([21]) يُنظر : المصدر نفسه :60

·([22]) النحو الجديد : 79

·([23]) يُنظر : في إصلاح النحو العربيّ : 103_104

·([24]) إحياء النحو : 54

·([25]) يُنظر : إحياء النحو :56_57

·([26]) يُنظر : المصدر نفسه : 62

·([27])·يُنظر : إحياء النحو : 67

·([28])·المصدر نفسه :68_70

·([29])·يُنظر : المصدر نفسه :64_65

·([30])·سورة طه : 63

·([31]) ·سورة المائدة : 69

·([32])·في إصلاح النحو العربيّ : 105

·([33])·نحو التيسير : 82

·([34])·يُنظر : المصدر نفسه .

·([35])· إحياء النحو : 65

·([36])· إحياء النحو : 78

·([37])· يُنظر : المصدر نفسه

·([38])· يُنظر : في إصلاح النحو العربيّ : 101

·([39])· إحياء النحو : 81 _ 83

·([40])· يُنظر : في إصلاح النحو العربيّ : 101

·([41])· في النحو العربيّ نقد وتوجيه : 81

·([42])·يُنظر : إحياء النحو : 108 _ 111

·([43])· يُنظر : المصدر نفسه .

·([44])· إحياء النحو : 113

·([45])· المصدر نفسه : 112

·([46])· في إصلاح النحو العربيّ : 111

([47])· يُنظر : شرح ابن عقيل : ج2 ، 87

([48])·يُنظر : إحياء النحو : 115 _6 11

([49])·يُنظر : المصدر نفسه : 119 _120

([50])·إحياء النحو : 120

([51])·يُنظر : الخصائص : ج1 ، 189_190

([52])·يُنظر : إحياء النحو : 126

([53])· في إصلاح النحو العربيّ : 107 _ 108

([54])·يُنظر : إحياء النحو· : 140 _ 143

([55])· في إصلاح النحو العربيّ : 106

([56])· إحياء النحو : 179

([57])· يُنظر : المصدر نفسه· : 174 _ 181

([58])· سورة الفتح : الآية : 29

([59])· سورة آل عمران : الآية : 123

([60])· سورة التوبة : الآية : 25

([61])· سورة الأحزاب : الآية : 37

([62])· في إصلاح النحو العربيّ : 109

([63])· يُنظر : النحو الجديد : 75

([64])· يُنظر : إحياء النحو : 181 _ 183

([65])· يُنظر : المصدر نفسه : 187 _ 189

([66])· يُنظر : في إصلاح النحو العربيّ : 109 _ 110

([67])· يُنظر : نحو التيسر : 119 _ 120

--------

قائمة المصادر:

القرآن الكريم .

·إحياء النحو ، إبراهيم مصطفى ، القاهرة ، لجنة التأليف والترجمة والنشر ، د . ط ، 1959م.

·الخصائص ، ابن جني ( 392 هـ ) ، تحقيق محمد علي النجار ، بيروت ، دار الهدى ، الطبعة الثانية ، د . ت .

·دراسات نقدية في النحو العربيّ ، د. عبد الرحمن أيوب ، القاهرة ، د.ط 1957م.

·الردّ على النحاة ، ابن مضاء القرطبيّ ( 592 هـ ) ، تحقيق د. شوقي ضيف ، القاهرة ، الطبعة الأولى ، 1947م.

·شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ، بهاء الدين بن عقيل ( ت 769هـ) ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، بيروت ، مؤسسة التأريخ العربي ، الطبعة الأولى ، 2008م .

·في إصلاح النحو العربيّ ، عبد الوارث مبروك سعيد ، الكويت ، دار القلم ، الطبعة الأولى ، 1985م.

·في حركة تجديد النحو وتيسيره في العصر الحديث ، د. نعمة رحيم العزّاويّ ، بغداد ، دار الشؤون الثقافية ، 1995م.

·في النحو العربيّ نقد و توجيه ، د. مهديّ المخزوميّ ، بيروت ، دار الرائد العربيّ ، الطبعة الثانية ، 1986م.

·نحو التيسير ، د. أحمد عبد الستار الجواري ، بغداد ، المجمع العلميّ العراقيّ ، 1984م.

·النحو الجديد ، عبد المتعال الصعيديّ ، القاهرة ، دار الفكر العربيّ ، 1947م.
-------------

المدرس الدكتور عصام كاظم الغالبيّ

جامعة الكوفة - كلية الفقه - قسم علوم القرآن والحديث الشريف

وزارة التعليم العالي والبحث العلمي : جمهورية العراق

قراءة في كتاب "التداولية عند العلماء العرب " لـ: د/ مسعود صحراوي - أ /عائشة برارات

بقلم: أ /عائشة برارات (*)
بات معروفا أنّ اللسانيات الحديثة تستهدف الدراسة العلمية للظاهرة اللغوية بمختلف أدواتها الإجرائية وعلى تنوّع جهازها المفاهيمي الواصف ، وبالنظر إلى عمق رصيد أسلافنا المتمثل في التراث اللغوي العربي بشتى حقوله المعرفية كعلم البلاغة ، وعلم النحو ، وأصول الفقه...وغيرها ، وانطلاقا من إشكالين كبيرين : كيف نفهم اللسانيات؟ وكيف نقرأ التراث؟ نتعاطى المقاربة .
إنّ دراسة التراث اللغوي الذي هو نتاج سياق تاريخي ومحيط معرفي خاص تفترض تجنب القطيعة أو الإسقاط قدر الإمكان ، ومن ثمّ تكون محاولة استثمار المناهج اللسانية للكشف عن التطبيقات المختلفة فيه ، إذن الغاية القصوى بين اللسانيات الحديثة والتراث اللغوي العربي تصوُرهما دون انبهار أو تقديس ، فربّ انبهار يقود إلى تحريف ، وتقديس يستطرد التزييف.
ومن خلال الوقوف على هذه المناهج وملاحظة قصور بعضها كالبنيوية والتوليدية التحويلية في استيعاب الظاهرة اللغوية من حيث ربطُها بالاستعمال ؛ ذلك أنّ البنيوية " تُعنى بدراسة المنجز في صورته الآنية بغضّ النظر عن السّياق الذي أُنتج فيه ، أو علاقته بالمرسل وقصده بإنتاجه ؛ ويتمّ ذلك بتحليل مستويات لغة بعينها مثل اللغة العربية بوصفها كيانا مستقلا ، ذات بنية كلية ، وإيجاد العلاقة بين هذه المستويات بدءا من تحليل الأصوات والصّرف والتراكيب إلى تحليل مستوى الدلالة" ، فالنظرة البنيوية للغة هي نظرة تجريدية صورية عامة تعتبر "الكلام والفرد والمتكلم والسّياق غير اللغوي عناصر خارجية عن اللغة ، ومن ثمّ تقوم بإقصائها من مجال الدراسة " ، أمّا التوليدية التحويلية فعلى الرّغم من سعيها نحو التفسير وعدم اكتفائها بوصف الظواهر وذلك "بوضع نظرية تعصم اللغة من سكونها وتمنحها طابعها الإبداعي الخلاق" ؛ فلا يُكتفى بالوصف المجرّد والتصنيف النموذجي لوحدات اللغة وتحديدها داخل نظامها بل مجاوزة ذلك إلى الاهتمام بكيفية حدوث اللغة منتقلة من الموجود بالقوة (اللغة) إلى الموجود بالفعل(الكلام) ؛ أي الكشف عن الحركية الداخلية للغة التي بإمكانها أن تُفسّر - ضمن عملية التبليغ اللغوي- سرّ الطاقة الإبداعية الخلاّقة عند الفرد المتكلم الذي لم يعد لدى التوليديين مجرّد مستقبل للغة يخزّنها في ذاكرته بكيفية سلبية ، إلا أنّ اعتبار اللغة مقدرة عقلية موجودة قبلا في ذهن الإنسان ، ومن ثمّ البحث عن "الكفاءة" التي يمتلكها "المتكلم السامع المثالي" دون الأداء الواقعي للمتكلم الحقيقي قد جعل منها دراسة شكلية تكتفي في دراسة اللغة بوصفها بنية مستقلّة بذاتها دون الاهتمام باستخداماتها وبالمتحدثين بها وبوظائفها ، وابتعدت بتجريدها من الكفاءة إلى نظرية الأداء عن آثار الاستخدام والسّياق .
وظهرت التداولية كمنهج سياقي موضوعه بيان فاعلية اللغة متعلقة بالاستعمال من حيث الوقوف على الأغراض والمقاصد ، ومراعاة الأحوال ، وفقه ملابسات الوضع والإنتاج والفهم ، فالتداولية تنظر إلى اللغة باعتبارها نشاطا يمارس من قبل المتكلمين لإفادة السامعين معنى ما ضمن إطار سياقي ، ولا تكتفي بوصف البنى في أشكالها الظاهرة ، ومن ثمّ فهي نظرية " لا تفصل الإنتاج اللغوي عن شروطه الخارجية ، ولا تدرس اللغة الميتة المعزولة بوصفها نظاما من القواعد المجرّدة ، وإنما تدرس اللغة بوصفها كيانا مستعملا من قبل شخص معين في مقام معين موجّها إلى مخاطب معين لأداء غرض معين " .
لقد عُنيت التداولية بالعناصر اللغوية والعناصر غير اللغوية التي يُنجز فيها الحدث الكلامي ، فلم تهمل الأشخاص المتكلمين ، ولم تقص الكلام ، فهذه العناصر من صميم بحثها ، وكذا لم تهمل السياق والظروف والملابسات ، فالمبدأ العام الذي تقوم عليه هو "الاستناد إلى الواقع الاستعمالي من أجل تفسير الظواهر اللغوية" وبذلك "تعطي للغة حجمها الحقيقي وتسدّ فراغات المناهج السابقة" .
وانطلاقا من مبدأ "الاستناد إلى الواقع الاستعمالي من أجل تفسير الظواهر اللغوية" ، وإيمانا بأهمية الربط بين اللسانيات الحديثة والتراث اللغوي العربي حدّد مؤلف "التداولية عند العلماء العرب" منهج دراسته من خلال إعادة قراءة التراث قراءة تبتعد عن التعسّف في تطبيق المفاهيم تطبيقا قسريا ، مع ضرورة استصحاب خصوصية هذا التراث واستقلاليته مما يجعل منه منظومة مستقلة ومتميزة ومتكاملة .
إنّ تطبيق المفاهيم التداولية على اللغة العربية-كما يرى المؤلف - سيُسهم في وصفها ورصد خصائصها وتفسير ظواهرها الخطابية ؛ فاللغة العربية تمتلك من وسائل الإيضاح والإبانة عن الدلالات المختلفة شأنها في ذلك شأن اللغات الطبيعية تتضمّن بنياتها وظائف دلالية تحقق آلية التواصل بين أفرادها.
ولعلّ أبرز هذه المفاهيم مفهوم "الفعل الكلامي" الذي يتجلى من خلال توظيف مبدأين هامين في دراسة اللغة:
أ.القـصدية: ربط اللغة كمنظومة من القواعد المجرّدة بالأغراض والمقاصد المراد تأديتها في إطار التواصل اللغوي ، فدلالة الكلام مبنية على معرفة المقاصد.
ب.المعطيات السياقية: استحضار متغيرات العالم الخارجي والمكونات الذاتية ، كالبيئة الاجتماعية ، والمعرفة المشتركة بين طرفي الخطاب ...وغيرها ، مما يجعل اللغة حية لا ميتة معزوله عن الدلالات اللغوية التي تستمدّ منه .
ومن هنا نطرح التساؤل الآتي: إلى أيّ مدى استثمار المفاهيم التداولية في رصد الأفعال الكلامية في اللغة العربية؟.
قسّم المؤلف كتابه إلى خمسة فصول ، تناول في الفصل الأول"الجهاز المفاهيمي للدرس التداولي المعاصر"ثلاث نقاط رئيسية:
- عرض المناخ العام للنظرية.
- تحديد ماهية التداولية .
- أبرز المفاهيم التداولية.
في تحديد "ماهية التداولية" أشار المؤلف إلى ضرورة ربط كلّ بنية لغوية بمجال الاستعمال ، أو كما عبّر عنه بوظيفة التواصل ، "فالتداولية ليست علما لغويا محضا، علما يكتفي بوصف وتفسير البنى اللغوية ويقف عند حدودها وأشكالها الظاهرة، بل هي علم جديد للتواصل الإنساني يدرس الظواهر اللغوية في مجال الاستعمال ... ، فقضية التداولية هي إيجاد القوانين الكلية للاستعمال اللغوي والتعرّف على القدرات الإنسانية للتواصل اللغوي ، وتصير التداولية من ثمّ جديرة بأن تسمى: علم الاستعمال اللغوي" ، فمقياس البحث في اللغة " ربط بنية اللغة بوظيفتها التواصلية ارتباطا يجعل البنية انعكاسا للوظيفة " كما حدّد المتوكل في النظرية الوظيفية ؛ ذلك أنّ كلّ تركيب تترتب ألفاظه تبعا لوظيفة التواصل ؛ أي رصد العلاقات بين الأنماط التركيبية المختلفة والوظيفة الإفصاحية ، وهنا نطرح تساؤلين هامين : هل النظرية الوظيفية التي حدّد أصولها أحمد المتوكل هي نفسها التداولية بموازاة ربط البنية بالوظيفة ؟ ، وهل القول بأنّ التداولية هي علم الاستعمال اللغوي -بمفهومها الواسع- يحقق الكفاية التداولية من حيث الاستقراء أوّلا ، والتقعيد ثانيا ؟ ومعلوم أنّ الاستعمال اللغوي ليس تمثلا منطقيا لغويا فقط ، بل هو إنجاز حدث اجتماعي ذو صبغة تأثيرية فهو(الاستعمال اللغوي) عبارة عن مجموعة سلوكات وتفاعلات لا نهائية ، أليس ذلك أمرا مستعصيا ؟.
وفي حديث المؤلف عن " أبرز المفاهيم التداولية" نلمس طابعا اختياريا ، يبرّره الخلط بين النظريات والمفاهيم ؛ فنظرية الاستلزام الحواري لغرايس ، ونظرية الملاءمة لولسن وسبربر تستثمر المعطيات التداولية ولكن هل تصلح أن تكون مفاهيم إلاّ على وجه معين ؟ ، وكيف نرفع هذا الإلباس ؟.
حين عالج المؤلف مفهوم "الفعل الكلامي" كان جديرا به تقسيمه إلى قسمين : "فعل كلامي مباشر" و"فعل كلامي غير مباشر" ، هذا الأخير يرتبط بالاستلزام الحواري ومسلّماته عند غرايس ، أمّا حديثه عن "متضمنات القول" كمفهوم إجرائي يتعلق برصد جملة من الظواهر المتصلة بجوانب ضمنية من قوانين الخطاب بما تشتمل عليه من "افتراضات مسبقة" ، و"مضمرات قول" مع توضيح الأمثلة ، فحديث عن السّياق بشكل عام ، أو كما اصطلحنا عليه بمفهوم (المعطيات السياقية) -كما أوضحنا سابقا- إلا أنّ الإيجاز سمة غالبة في كشف حدود هذا المفهوم ومتضمناته .
ومن المفاهيم المهملة مفهوم القصدية ، فعلى الرغم من الإشارة إليه في مواضع مختلفة من الكتاب بوصفه مسلّمة تتضمن شبكة من المفاهيم المترابطة كمبدأ الإستراتيجية ، ونمط تنظيم الخطاب ...وغيرها إلاّ أنّ هذا المفهوم يحتاج إلى مزيد تفصيل وبسط ، بتخصيص عنصر مستقل يتناوله كون التداولية ، والأفعال الكلامية تتخذ أساسا لها الاستعمال ، والاستعمال ينبني على المقاصد ، فـ "القصد هو في كلّ لحظة من لحظات استعمال اللغة" .
ويمكن وضع المخطط التالي لتوضيح مفاهيم التداولية :
الفعل الكلامي
المعطيات الساقية [ الافتراضات المسبقة ، الأقوال المضمرة]
القصدية [الاستلزام الحواري ، الاسراتيجية ، الحجاج]
أمّا في الفصلين الثاني والثالث "معايير التمييز بين الخبر والإنشاء في التراث العربي" ، و "تقسيمات العلماء العرب للخبر والإنشاء " على التوالي ، فبعد تحديد موقع الظاهرة من منظومة البحث اللغوي ، وشرح معايير التمييز بين الخبر والإنشاء شرحا مفصلا مع توضيح الإشكالات الواردة ، والتوغل في تقسيمات إجمالية وتفصيلية تارة لبعض الفلاسفة (الفارابي ، وابن سينا) ، وأخرى للبلاغيين (السكاكي) ، وثالثة لعلماء اللغة (الجاحظ ، والمبرد ، والأستراباذي) يتبادر إلى أذهاننا التساؤل الآتي: لماذا نعتدّ بمعايير التمييز بين الخبر والإنشاء ما دام كلاهما يحمل فعلا كلاميا إنجازيا ؟ ، وهل تحديد المعايير التمييزية بين الخبر والإنشاء يُعتبر ضرورة منهجية لكشف الأفعال الكلامية ؟ .
وإذا كانت ظاهرة الأفعال الكلامية موسومة بنظرية الخبر والإنشاء في التراث العربي اللغوي ، وكان الخبر والإنشاء من موضوعات البلاغة - على الخصوص- مقصودا لذاته ، تتولّد الحاجة إلى تخصيص فصل تحت عنوان (الأفعال الكلامية عند البلاغيين) ، ولا سيّما في علم المعاني ، وهذا ما لم يشر إليه المؤلف البتة فمعلوم أنّ مباحث البلاغة أقرب منها إلى التداولية من غيرها ، فالبلاغة تداولية في جوهرها ، دليل ذلك تناولهم كيفية إنتاج النص لدى المتكلم وآلية فهمه عند السامع ، ومدى مراعاة الظروف والأحوال المتلبسة بإنجازه ، وذلك من خلال توخي المتكلم أثناء إصدار الحدث الكلامي حال السامع وهيأته ، إلى جانب إدراك السامع لما يبلغه الأوّل من أغراض ومقاصد يسعى إلى توضيحها – في تراكيب معينة – بدلالة القرائن اللفظية والحالية التي تحفّ الكلام الذي يتلفظ به ؛ فتقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء ، وتحديد أنواع الخبر باعتبار السامع والحديث عن مقتضى الحال ، وتأثير العناصر السياقية ، والمقامات المختلفة من صميم بحث التداولية ، وهذا ما نجده خاصة عند أبي يعقوب السكاكي في "مفتاح العلوم" ، وابن سنان الخفاجي في "سرّ الفصاحة" ، وأبي هلال العسكري في "كتاب الصناعتين" ، فمن كيفية الانتقال من المعنى الحرفي إلى المعنى المتضمّن (المستلزم) عبر سلسلة من اللوازم أو الوسائط القريبة والبعيدة ، إلى معاني الأساليب المستفادة من ملاحظة المقاصد والأحوال إلى الشروط التداولية المتعلقة بالمتكلم ، والسامع ، والنص من خلال القوانين العامة للخطاب من حيث اختيار اللفظ المناسب ، والمعنى المناسب ، واللحظة المناسبة... وغيرها من القضايا التداولية.
هذه الخصوبة والحيوية في المباحث البلاغية وتطبيقاتها المختلفة "قد تكون وحدها كافية لأن تمثل كثيرا من مباحث اللسانيات التداولية ، فهي لا تختلف عن اهتمامات التداولية التي هي دراسة اللغة حال الاستعمال" .
وبالوقوف على الفصلين الرابع والخامس الموسومين بـ: "الأفعال الكلامية عند الأصوليين" ، و" الأفعال الكلامية عند النحاة" نلحظ أنّ الأفعال الكلامية تختلف من مجال معرفي إلى آخر ، وأنها في التراث أخصب منها في غيره ، فالأفعال غير محدّدة ولا نهائية.
في"الأفعال الكلامية عند الأصوليين" عالج المؤلف كيفية استثمار مفهوم الأفعال الكلامية ضمن الأسلوبين الخبري والإنشائي ، فنتج عن ذلك مجموعة من الظواهر الكلامية المنبثقة عن الخبر كـ (الشهادة والرواية ، والكذب والخلف ، والوعد والوعيد…وغيرها) مع توضيح الفوارق بينها ؛ فرغم المشابهة الأسلوبية إلا أنّ الاختلاف واقع بحسب القصد والسياق ، من الأمثلة تفريقه بين الشهادة والرواية ؛ من جهتين:
- جهة "نوع المخبر عنه" ، إن كان"المخبر عنه" أمرا عاما لا يختص بمعين فهو (رواية) ، أو أمرا معينا خاصا فهو (شهادة).
- جهة السياق الاجتماعي العام "الرسمي" أو "غير الرسمي" ؛ فإن كان في مقام غير رسمي فهو "رواية" أو في مقام رسمي كأن يكون أمام القاضي ، مثلا فهو "شهادة" .
وهذا مما ينبني عليه معرفة إلى أيّ مدى تتدخّل المفاهيم التداولية كالقصدية (اعتقاد المخبر) ، والسياق (مطابقة الواقع) كأسس تمييزية في فهم معنى النص ، كما تعرّض للأفعال الكلامية المنبثقة عن الإنشاء كـ (الإباحة والإذن …وغيرها ) ، بما تتضمنه من دلالات ومعانٍ لإيضاح الأحكام الشرعية ، فتجليات البعد التداولي في دراسة الأصوليين من خلال تأكيدهم على الوظيفة التواصلية للغة بالنظر إلى جملة الأغراض والمقاصد والملابسات التي تكتنف الخطاب ؛ فاللغة عندهم نظام محكم البناء تشكّل لبناته ألفاظ و تراكيب تضمن التعبير بدقة عن المعاني المختلفة ، واستعمالها يرتبط ارتباطا وثيقا بأدائها التواصلي ، ملاحظة هذا الجانب أدّاهم إلى اشتراط معرفة أسباب النزول و استحضار النص القرآنـي جميعه عند تفسير بعضه ، واستقراء وجوه الدلالة...وغيرها من القضايا التي تتصل بدراسة اللغة حال استعمالها.
فالمؤلف بحقّ أبان الأفعال الكلامية بدقة متناهية لا نكاد نجد لها مثيلا عند غيره من الباحثين الذين تناولوا التداولية في التراث اللغوي العربي بالدراسة ؛ فقد جلّى المبهم ، وفتح كثيرا مما استغلق في كتب الأصوليين من مفاهيم وتطبيقات.
وفي "الأفعال الكلامية عند النحاة" أشار المؤلف إلى عدم إغفال القدماء العرب عن دراسة المعاني والأساليب والأغراض والمقاصد من خلال البحث في الإسناد وعلاقته بالظواهر الأسلوبية ، و ذلك من خلال التعريف بأهمّ المبادئ التداولية المعتمدة في التقعيد اللغوي ، كمبدأ "الإفادة" ، ومبدأ "الغرض والقصد" وكشف علاقتهما بظواهر لغوية كالتعيين (التعريف والتنكير) ، والإثبات والنفي، والتقديم والتأخير، وما ينجرّ عنهما من أساليب نحوية مختلفة كالتأكيد ، والقسَم ، والإغراء والتحذير ، والدعاء ، والاستغاثة والندبة…وغيرها ، إضافة إلى ما يتعلّق بحروف المعاني بما تتضمنه من قوى إنجازية تحدّدها السياقات المناسبة كالعرض والتوبيخ ، والزجر...وغيرها .
لم يقف النحاة في دراستهم للفظ عند حدود الجملة بل تجاوزوها إلى ما يفوقها بحكم أنّ هدفهم الأسمى فهم القرآن الكريم باعتباره نصا متكاملا ؛ فلجأوا إلى إبراز أغراض المتكلم التي ينوي إبلاغها للسامع كوسيلة هامة في التقعيد النحوي ، وتوسّلوا بشتى العناصر التي تتكفّل بإنتاج الخطاب سواء أكانت لغوية أم غير لغوية وسلكوا طريق المعنى في تأديتهم ، فالمعنى عندهم يتبوأ مكانة عالية ، وما تقدّم الألفاظ إلاّ تعبيرا عنه ، ولعلّ الإشارات المبثوثة في مؤلفاتهم توحي بمقدار أهمية ربط اللغة بمستعمليها ، ومن ثمّ اختيار العبارة المناسبة على هدي الظروف والملابسات. لقد أسس النحاة قواعدهم بمراعاة حصول الفائدة لدى المخاطب وتطبيق مبدإ أمن اللبس في أداء التركيب دون أن يعتريه (التركيب) إشكال أو غموض من شأنه أن يذهب بأغراض العرب ومقاصدها في الكلام ، كما سعوا إلى طرد وشمولية تلك القواعد ليتسنى لهم الإحاطة بما في اللغة من ظواهر لئلاّ يعرض إليها الفساد ، فكان تصوّرهم للعلاقة القائمة بين ما نطقت به العرب وما أرادته من العلل والأغراض والمقاصد المنسوبة إليها الأساسَ الذي يُبنى عليه التقعيد .
وهكذا لم يتخذ المفكرون العرب القدماء العبارة اللغوية موضوع دراسة مجرّدا مقطوعا عما يلابسه بل ركنا من أركان عملية تواصل تامة تتضمن مقاما ومتخاطبين بالإضافة إلى المقال نفسه ... ورأوا أنّ التواصل لا يتمّ بواسطة مفردات أو جمل بل بواسطة نصوص باعتبار النص وحدة تواصلية متكاملة ، وما يؤيّد أنّ النص هو الوسيلة الطبيعية و المثلى للتواصل هو أنّ علماءنا العرب ميزوا بين القدرة اللغوية والقدرة الخطابية(التواصلية) وهي عندهم (القدرة الخطابية) " تجاوز معرفة أوضاع اللغة إلى معرفة تنظيم الخطاب وأحكام بنيته بما يناسب الغرض المتوخى" ، هذا الترابط القائم بين التراكيب اللغوية و استعمالاتها من خلال الكشف عن ملامح نظرية المعنى والوقوف على تطبيقاتها المختلفة نجدها عند سيبويه في "الكتاب" ، وابن جني في "الخصائص" والرضي الأستراباذي في "شرح كافية ابن الحاجب" ...وغيرهم ؛ فمن دلالة الحواس إلى الاحتفاء بالقرائن اللفظية والمعنوية ، ومن امتناع إفساد الأغراض و نقض المعاني ، إلى اقتفاء آثار المعاني ، وتتبّع الوجوه والفروق ...وغيرها .
إنّ تبني المنهج التداولي وتوظيفه في قراءة التراث اللغوي العربي -كما يرى المؤلف- "يكون كفيلا بأن يفتح نافذة جديدة على هذا التراث العظيم ، ويوسّع من آفاق رؤيتنا له وإدراكنا لخصائصه الإبستمولوجية والمنهجية" ، وهكذا يعدّ تطبيق المفاهيم التداولية في التراث اللغوي العربي ما هو إلاّ استجابة طبيعية لتمظهرات النص موضوع الدراسة كخطاب تواصلي ، يربط الصلة بين المتكلم والسامع ، بين اللغة والاستعمال ، وعلى تنوّع هذه النصوص بدءا من كونها كلاما عاديا إلى أعلى مراتبه المتمثلة في الإعجاز لا يمكننا أن نحظى بتبيان المعاني والدلالات ما لم نستحضر المقاصد والسياقات ، وهي من عمق رصيد المنهج التداولي ، فـ "التداولية بمقولاتها ومفاهيمها الأساسية كسياق الحال ، وغرض المتكلم ، وإفادة المخاطب ...يمكن أن تكون أداة من أدوات قراءة التراث اللغوي العربي في شتى مناحيه ومفتاحا من مفاتيح فهمه بشرط كفايتها الوصفية والتفسيرية لدراسة ظواهر اللغة العربية" .
والحقيقة أنّ كتاب "التداولية عند العلماء العرب" قد ضمّنه صاحبه مباحث هامة تصلح أن تكون مقدمة تعين الباحثين والمبتدئين على وعي الأصول والمفاهيم بلغة سليمة دقيقة منهجية ، فهو محاولة جديدة لاستيعاب تراثنا اللغوي باستثمار المناهج الحديثة ، وإذا كان مدار هذا الكتاب الإشارة إلى قضية بالغة الأهمية تتصل باستعمال اللغة في السياق وخضوعها لمتطلباته إنتاجا وتأويلا ، ومن ثمّ ضرورة فقه الاستعمالات من أجل ضمان سيرورة عملية التواصل بنجاح ، فمن الواجب تتبّع الظاهرة اللغوية بكلّ معطياتها ، معنى ذلك حاجتنا إلى تكثيف الجهود للكشف عن الوجه الآخر للفكر اللغوي العربي تعميقا وإثراءً وتأصيلا.
________________________________________
(*) للتواصل: Aicha.bara@yahoo.fr

الهوامش:
عبد الهادي ظافر الشهري – استراتيجيات الخطاب – ص 7.
مسعود صحراوي – المنحى الوظيفي- ص 12.
عبد الهادي ظافر الشهري – استراتيجيات الخطاب – ص 8.
الطيب دبة – مبادئ اللسانيات البنيوية – ص 31.
محمود سليمان ياقوت – منهج البحث اللغوي –ص183.
صلاح الدين صالح حسنين - الدلالة والنحو- ص189 (بتصرّف).
مسعود صحراوي – المنحى الوظيفي- ص11.
الطيب دبة – مبادئ اللسانيات البنيوية – ص 31.
مسعود صحراوي – التداولية عند العلماء العرب – ص8.
المصدر نفسه ، ص 6.
المصدر نفسه ، ص 16.
المصدر نفسه ، ص 44.
خليفة بوجادي – في اللسانيات التداولية – ص 168.
المرجع نفسه ، ص216(تصرف).
مسعود صحراوي – التداولية عند العلماء العرب – ص 136 (بتصرّف).
أحمد المتوكل – المنحى الوظيفي في الفكر اللغوي العربي- ص199.
المرجع نفسه ، ص 207 /208(بتصرف).
المرجع نفسه ، ص199.
مسعود صحراوي – التداولية عند العلماء العرب – ص 222.
المصدر نفسه ، ص 226.
=======================
موقع الشهاب للإعلام :
http://www.chihab.net/modules.php?name=News&file=print&sid=2166

كتاب ( المدخل إلى علم الأصوات : دراسة مقارنة ) للدكتور صلاح الدين صالح حسنين : عرض ونقد - سعد مصلوح

كتاب ( المدخل إلى علم الأصوات : دراسة مقارنة ) للدكتور صلاح الدين صالح حسنين : عرض ونقد - سعد مصلوح

أولاً : فاتحة :
وضع المؤلف لكتابه عنواناً رئيساً هو "المدخل إلى علم الأصوات" ثم أضاف إلى هذا العنوان الرئيس عنواناً ثانوياً هو "دراسة مقارنة".

وحين نتأمل بنية الكتاب نجد المؤلف قد خص الباب الأول "علم الفوناتيك" بخمس وأربعين صفحة، والباب الثاني "علم الفونولوجيا" باثنتي عشرة صفحة. أما الباب الثالث "الدراسة التاريخية للأصوات" فقد جعله في مئة وأربع وأربعين صفحة.

نظرات في كتابَي ( مهاة الكِلّتَين ، وهدى مهاة الكِلّتَين ) للشيخ بهاء الدين بن النحاس (ت 698هـ) - د. محمد الدالي

( التعريف والنقد )

الشاعر الأديب شهاب الدين الشوّاء الحلبي (ت 635هـ) قصيدة جمع فيها ثلاثين فعلاً من الأفعال المعتلة اللام التي جاء فيها لغتان : الواو والياء ، وعدة أبياتها خمسة عشر بيتاً ، ومطلعها :

قُلْ إنْ نسبتَ عَزَوتُه وعَزَيتُهُ     وكَنَوتُ أحمدُ كُنيةً وكَنَيتُهُ

وتولى شرحها الشيخ بهاء الدين بن النحّاس (ت 698هـ ) في كتابه ( هُدى مهاة الكِلّتين وجلا ذات الحلتين ).

في حَلْبَة الأدب - محمود محمد شاكر : كتاب "تطوّر الأساليب النثرية في الأدب العربي" للأستاذ أنيس الخوري المقدسي

كتاب: "تطوّر الأساليب النثرية في الأدب العربي" للأستاذ/ أنيس الخوري المقدسي
أُلقيَ إليَّ هذا الكتاب فَخْمًا ضخمًا مَصْقولاً، كأنه حديقةٌ مَطْويَّةٌ، فأخذتُه بين يديَّ؛ أدافع به المللَ وأنا عند صديقٍ عزيز؛ فوقعت العين على كلمةٍ أكبرتُها أن تكون من غير رجلٍ عالم، ثم وضعتُ الكتاب وأنا في أمر غير الأمر، وطويتُ أيامًا حتى تلقَّيتُهُ مرةً أخرى لأقرأه وأَكتُبَ عنه، فدخلتُ الكتابَ كما يدخل الضيف؛ أَحمِل نفسي على الأدب في خَلْوَةٍ من أهل الدار، وطفِقْتُ أَرُدُّ ورقةً منه على أُختِها يومًا من بعد يوم، حتى فرغتُ منه وأنا في حَيْرةٍ!

فَقَدِ اتَّفق لمؤلِّفِهِ أنه سما بالرأي حتى قلتُ: قد انْفَتَقَ لعَيْنَيْهِ النورُ! فما يَروعُني إلا وأنا في ظَلْماءَ مُطْبِقةٍ من تحت سبع أرَضينَ، لا هُدَى فيها لدليل، وهذا عجيبٌ في كثيرٍ ممن يؤلِّف في عصرِنا هذا؛ فقد رأيتُ في كُتُبنا كثيرًا من هذا السموِّ في الفكرة، والسقوط في أَدِلَّتِها وبراهينها، ثم في توجيهها وتطبيقها!!
وقبل هذا؛ أصفُ للقارئ مُوجزَ هذا الكتاب الذي هو الأوَّل من جزأين؛ فهو كما يقول مؤلِّفه في صدره: "يتناول النَّثْرَ العربيَّ وخصائِصَهُ الفنيَّةَ منذ بُزوغ الإسلام إلى النهضة الأخيرة، يتخلَّلُهُ دراساتٌ تحليليةٌ لنُخْبَة من أُمَراء الأقلام، وعَرْضُ كثيرٍ من نصوصهم الإنشائية".
ثم يصف غَرَضَهُ في الكلمة التمهيدية لكتابه فيقول: "أمَّا كتابُنا؛ فغايته عَرْض الأساليب النثرية عَرْضًا يُبَيِّن تطوُّرَها منذ ظهور الإسلام إلى الوقت الحاضر" .. "ولسهولة البحث؛ أفردنا لنثر صَدْر الإسلام قِسمًا خاصًّا، صَرَفْنا العنايةَ فيه إلى تحقيق مرويَّاته، والنظرِ في نُصوصِهِ، وهو يشمل بضعةَ فصولٍ، ويمتَدُّ إلى زمن عبدالحميد الكاتب". ثم ألقى نَظْرةً "على الأساليب الإنشائية من أيام عبدالحميد إلى الوقت الحاضر؛ فإذا هي تجري على ثلاثة أساليبَ رئيسةٍ:
1- الأسلوب المتوازِن (أيِ: المزدَوَجُ غيرُ المُسجَّع) ويدخل فيه ترسُّل عبدالحميد والجاحظ وأضرابهما.
2- الأُسلوب المُسجَّع: ويتناول الرسائلَ الديوانيَّةَ والأدبيةَ والمقامات، وما إلى ذلك.
3- الأُسلوب المطلَق: وهو النثر السائد في الكتب العلمية والتاريخية والاجتماعية قديمًا، وأسلوب الإنشاء العامّ في العصر الحديث".
وقد تناول المؤلف الأسلوبَيْن الأولَيْن في هذا الجزء، وأبقى الثالث للجزء الثاني من كتابه. هذه صفة الكتاب، رويناها للقارئ عن مؤلِّف الكتاب.
وأنا حين أَقْرَأُ كِتابًا أنظرُ إلى نَهْج صاحبِهِ في تأليفه، فإذا رأيتُ له نهجًا يخالف ما دَرَجَ عليه الناس في التَّأليف أخذتُه بنَهْجِهِ؛ حتَّى أُخرِجَ لنفسي خطأ النَّهْج أو صوابَهُ، فإذا اضطرب نَهْجُه؛ عَدَلْتُ عنه إلى أغراضه، فإذا استوتْ أغراضُه؛ أخذْتُهُ بها، ونظرتُ إلى غرضٍ غرضٍ منها، مُعَدِّلاً بين أوزانها؛ حتى يَخْلُصَ لي الأصل الذي خرجتْ عليهِ، أوِ الأرضُ الَّتي نبتَتْ فيها، فإذا اضْطَرب ذلك؛ أخذتُه بآرائه في مفردات عِلْمِهِ واحدةً واحدةً؛ حتي يَخْلُصَ بي إلى أحد أمرَيْه، غيرَ مظلومٍ ولا ظالم.
فلمَّا قرأتُ هذا الكتاب، لم يقعْ لي إلا أن آخُذَ الأستاذَ أنيس المقدسي بآرائه في مفردات عِلْمِهِ، غيرَ متعرِّض لنَهْجه أو أغراضه في كتابه هذا.
فمن أوَّل ذلك كلامُه عنِ السَّجْع، ومقارنة سَجْعَ الجاهلية بآيات القرآن؛ فإن المؤلف لم يأتِ فيه إلا بالشُّبَه التي تَوَرَّطَ فيها الناسُ من قديمٍ إلى يومنا هذا؛ كَقَوْلِهِمْ - في تحريم السَّجْعِ -: لِما رُوِي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الغُرَّة، وقوله للرَّجل الذي قال: أَأَدِي مَنْ لا شَرِبَ ولا أَكَلْ، ولا صاح فاسْتَهَلّ، ومثل ذلك يُطَلّ؟! فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "أسَجْعًا كسَجْع الكُهَّان؟!"، ثم جاء الجاحظ بعد ذلك، ووضع عِلَّة لتحريم السَّجْع: إن الكُهَّانَ كانوا يَتَكَهَّنون ويحكمون بالأسجاع، فوقع النهي في ذلك لقُرْبِ عهد العرب بالجاهلية، ولبقيَّتها في صدور كثيرٍ منهم، فلما زالت العلَّة هذه؛ زال التَّحريم.
وكنتُ أحسَبُ أنَّ المؤلِّف سينظر في خصائص سجع الكهان نفسِهِ؛ ليستخرِجَ منه الفرقَ بينه وبين السجع المعروف عنِ البُلغاء، ثم بينَه وبينَ القرآن؛ فإنَّ هذا هو موضع الفصل في الكلام الذي دار حول السَّجْع، وهو موضع التحقيق في العلم المرويِّ الذي وقع إلينا ولم نحقِّق فيه إلا القليل.
وأَكتَفِي هُنا بأن أقول: إنَّ سَجْع الكهَّان اسمٌ لِما وَقَعَ في ألفاظ الكُهَّان على صورة صامتة، وهو غير السجع الذي عَرَفَهُ عُلماء البلاغة ووضعوا له الحدود والرسوم، وسنُفرِد لهذا البحث كلمةً خاصةً في "المقتطف" إن شاء الله.
ومِنْ عجيب ما وقع للمؤلف في هذا الفصل قوله (ص 5): ويؤيِّد ما يراه من شُيوع السجع في تلك الحلقات (الدينية في الجاهلية) أن التنزيل القرآنيَّ "على تعاليه عن أقوال العرب وكُهَّانهم - لم يخرج عنِ الأُسلوب الذي عرفه الناس يومئذٍ".
كيف يتَّفق للمؤلِّف أن يقول إن القرآن (لم يخرج عن هذا الأسلوب) وهو لا يعرف هذا الأسلوب ولم يُحِطْ بخصائصه؟!
أيَحْسَبُ الأستاذ أنَّ الأسلوب هو الكلام المرصوف، وأنَّ الخصائص هي انتهاء كل جملة من هذا الكلام بلفظَيْن متقاربَيْن في الجَرْسِ متَّفقَيْنِ في القافية؟
إنه لا يقول هذه الجُملة إلا مَنْ وقع إليه سَجْعُ الكُهَّان في "حَلْقاتهم الدينيَّةِ" كما يقول، فدَرَسَهُ وميَّزَهُ وَحَدَّه، ووضع له مطلعًا ومقطعًا وغَرَضًا، ثم دَرَسَ القرآن وعرف مثل ذلك فيه، وقارن، ثم ألقى ووضع، وأخذ وردَّ، ونفى وأثبت.
كيف يقول المؤلف ذلك وهو الذي يقول في (ص 4): "ولا يجوز عِلْمِيًّا أن نتَّكِل على رِوايتها فقط - أي أَسْجَاعِ الكُهَّان - في الحُكم على ما كان عليه هذا النثر".
وقد أتى المؤلف في (ص 6) بما يدلُّ على بُطلان الأصل الذي يبني عليه كلامه هذا من معنى السجع، فقد نقل عن الجاحظ: "وقد كانتِ الخُطباءُ تَتَكَلَّم عند الخلفاء الراشدين، فيكون في الخُطَب أسجاعٌ كثيرةٌ، فلم يَنْهَوْا أحدًا منهم؛ "فهذا دليلٌ على أنَّ سَجْع الكُهَّان غير السَّجْع الذي يقع في كلام الناس أو يتعمَّدونه للزُّخْرُف والزينة، ولولا ذلك لكان الخلفاء الراشدون قد نَهَوْا عن ذلك كما يقول الجاحظ.
فلو أنَّ المؤلِّف وقف قليلاً عند هذه الكلمة؛ لتبيَّن له أنَّ كلمة السجع قد وقع في معناها الخَلْط والخَبْط بين أقوال الكُهَّان والكلام المزوَّر المزوَّق بالقافية الموسيقية، ولاجتهد بعد ذلك أن يُفَرِّق بين معنى الكلمة عند علماء البلاغة ومعناها الذي وردت له في قولهم: (سَجْع الكُهَّان)، ولَوَجَدَ أنَّ مقارنة سَجْعِ الكُهَّان بالتنْزيل القرآني - كما يُسَمِّيهِ - من أعظَمِ الخَلْط بين المتضادَّيْنِ.
والذي أوْقَعَ المؤلِّفَ في هذا أنه حَسِبَ أن أهل الجاهلية الذين قالوا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه كاهنٌ إنَّما قارنوا بين سجع كُهَّانهم وبين سجع السُّوَر المكيَّة الأولى كما قال في (ص 5)، ولو أن أهل الجاهلية قالوا ذلك لهذا المعنى، ومِن جَرَّاء هذه المقارنة، لما كانوا أهلاً لِتَنْزيل قرآنٍ عليهم، ولما كان هذا القرآنُ مُعْجِزًا؛ لأنه إنما أعجزهم ببلاغتِهِ وأسراره، والذي يحكم في صور الألفاظ لا يكون بليغًا أبدًا، ولا يدرك أبدًا سرًّا من أسرار الكلام؛ فهو عاجزٌ من أصل طبيعته، لا من أنَّ الكلام بليغٌ أو معجِزٌ، وبذلك يسقط الإعجاز كلُّه، ولا يبقى معنى لإيمانهم بما جاء فيه ولا بمَنْ جاء به.
ونَدَعُ كلامه كُلَّه عنِ القرآن، فأكْثَرُه ممَّا لا يقف عنده إلا مَنْ أراد أن يكشِفَ عن أوْهَامِهِ وَهْمًا فَوَهْمًا مُفَصِّلاً لأخطائِهِ، أو مُبِينًا لمواضع السَّقْط فيه.
ويأخذُ في كلامه عن حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا الباب من الكتاب مملوءٌ بكل عجيبةٍ منَ الرأي، وفيه منَ التَّناقُض كثيرٌ، مما يدلُّ على أنَّ المؤلِّف لم يَدْرُسْ هذا الموضعَ دِراسةَ مَنْ يريد أن يعلم ثم يُحَقِّق، ثم يكتب خُلاصة ما ثَبَتَ عنده أو رَجَحَ لَدَيْهِ.
ومن عجيب أمره أنه بعدما جعل السجع من أُسلوب الجاهلية، وردَّ القرآن إليه في موضعٍ من الباب الأول - عاد فذكر في (ص 73) أنَّ مِن مزايا الحديث أو نَثْرِ صَدْر الإسلام – البَسَاطَةَ، وفسَّرها بقوله: إنها البُعد عنِ تَكلُّف السجع أو البديع، وكيف يكون ذلك في الحديث ولا يكون في القرآن؟! هذا من العَجَب؛ فإن الذي أُنزِلَ عليه هذا القرآن هو هو الذي تكلَّم بهذا الحديث، وهو هو الرسولُ الذي يُريد أن يؤثِّر كلامُهُ في الناس؛ فلو أنَّ السجع الذي في القرآن كان للتأثير والإيهام؛ كما يكون سجع الكُهَّان؛ لكان ذلك أوْلى بصاحب هذا الكتاب في حديثه أن يتَّخِذَهُ من مادة تأثيره على الناس.
ثُمَّ إِنَّه في (ص 50) بدأ كلامًا عن وضع الأحاديث، يعلم الله أنه كلامٌ متلَقَّفٌ من أفواه قومٍ خَبَرْنَاهُمْ عَهْدًا طويلاً، وفيه منَ التحريف شيءٌ كثيرٌ.
وللدَّلالة على ذلك نجد المؤلِّف يَروي عن "صحيح مسلم" قولَ ابنِ القَطَّان "لم ترَ أهلَ الخَبَرِ في شيءٍ أَكْذَبَ منهم في الحديث". وجَعَل (الخبرَ) - بالباء الموحدة - وسط اللفظ، ويريد بذلك أن يُوهِم النَّاس أنهم أهلُ الحديث! والحديث في مسلم "أهل الخَيْرِ" - بالياء المُثَنَّاة - وفي روايةٍ: "لم نرَ الصالحِينَ"، وفسَّر مسلمٌ بعد هذا الحديث موضع الإشكال في أنَّ الصالحين يكذبون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهُم هُم الصالحون. فقال: "قال مسلم: يقول: يجري الكذب على لسانهم، ولا يتعمَّدون الكذب"، وتأويل ذلك أنَّ أهل الصلاح والتقوى، الذين يَصرِفون أنفسهم عن أُمور الناس، ولا يبحثون عن أحوالهم من صِدْق وكذِب وتدليس وكذا وكذا، إلى آخِرِ النقائص - يَحْسَبُونَ أن الناس لا يَجْتَرِؤون على رسول الله بالكَذِب إذا حدَّثوهم عنه؛ فيتلقَّوْن ما يَسمعون بالتَّسليم، ثُمَّ يَرْوُون ما يسمعون؛ لما فيهِمْ من سلامة الصدر عنِ الخُبْث، ولذلك يجري الكذب على ألسنتهم ولا يتعمَّدونه؛ ولذلك يَرُدُّ أصحابُ الحديث قومًا من كبار الصالحين، ويقولون عنهم حين يذكرونهم: "كان في فلانٍ غَفْلَةٌ"، فهذا هو المراد.
ومما يدلُّ على أنَّ المؤلِّف لم يَتَثَبَّت من كلامِه في هذا الباب كلِّه: أنَّه قال في (ص 66)، في عَرْض كلامِهِ عن ردِّ أحاديثَ منَ "الصحيحَيْنِ" لا تثبت عنده لعِلَلٍ زعم أنه اهتدى إليها وحدَهُ فَرَدَّها، لذلك قال المؤلِّف - حفظه الله -: "آية المنافق بُغْضُ الأنصار"، "آية المنافِق حُبُّ الأنصار"، وهما - يعني الحديثَيْن كما يزعم - مع تناقُضِهما من المتَّفَق عليهما في الصحيحَيْن، والإغضاء عن مِثْلِهما أوْلى، أولاً: لما فيهما من دِعايةٍ حِزْبِيَّة، ثانيًا: لتناقُضِهما". انتهى كلام الأستاذ.
والعَجَب لمَنْ يَنْقُل عن كتابَيْن طُبِعا ثم طُبِعا ثم طُبِعا، حتى امتلأتْ بما طُبع منهما بُيُوتُ المسلمين وغيرِ المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ثم يخطئ في النقل، ثم يجعل خطأه من الأدِلَّة التي دفعته إلى الطعن فيما رُوِي من حديث مسلم والبخاري، وهما مَنْ هما في التحديث وفنونه!!
وللقارئ أن ينظُر في "صحيح مسلم" – (كتاب الإيمان): (باب حُبِّ الأنصار)، وفي البخاري: (كتاب المناقِب)؛ ليقرأ الحديث على وجه التَّحقيق لا على وجه الوَهْم: "آية المنافق بغض الأنصار، وآية المؤمن حُبُّ الأنصار". وأنا لا أدري كيف يتأتَّى لمؤلف أن ينقُلَ خطأ، ثم يَتَوَهَّمَ، ثم يكتب، ثم يردُّ على الناس أقوالَ أئمَّتِهِم الذين أفْنَوْا أعمارهم في تحقيق العلم وتمييزه، طيِّبِهِ من خَبِيثِهِ، ثم يزعم أنَّ ذلك تحقيقٌ لمرويَّات الصدر الأول كما نقلتُ عنه في أوَّل كلامه!
هذا وسنعود إلى مواضِعَ منَ الكتاب بعد قليل، لنُثْبِتَ أن هذا الكتاب لا بد من تغييره أَلْبَتَّةَ؛ لأنه لا يصلح أن يكون دِراسةً في النثر العربي، وهُنا أَسُوقُ للمؤلفين قول (كونفوشيوس): "مَنْ تعلَّم من غير تفكيرٍ فهو في حَيْرة، ومَنْ فكَّر من غير تعلُّمٍ فهو في خطر".
---------------
المصدر: المقطم، الجمعة 26 يوليه سنة 1935

مراجعات لسانيّة 1 - د. حمزة بن قبلان المزيني (ثلاث ترجمات لمحاضرات دي سوسور)

ثلاث ترجمات لمحاضرات دي سوسور:
ـ فصول في علم اللغة العام، ف. دي سوسير، نقله من الإنجليزية إلى العربية الدكتور أحمد نعيم الكراعين، الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1985م، 416ص.
ـ محاضرات في الألسنية العامة، لفردنان ده سوسير، ترجمة يوسف غازي ومجيد النصر، جونية، لبنان: دار نعمان للثقافة، 1984م، 290ص.
ـ دروس في الألسنية العامة، فردينان دي سوسير، تعريب صالح القرمادي ومحمد الشاوش ومحمد عجينة، تونس وطرابس ـ ليبيا: الدار العربية للكتاب 1985، 406ص.

مراجعات لسانيّة 1 (الخلل المنهجي في الكتابات اللسانية لتلامذة الدكتور رمضان عبد التواب)- د. حمزة بن قبلان المزيني

الخلل المنهجي في الكتابات اللسانية لتلامذة الدكتور رمضان عبد التواب [ صلاح الدين صالح حسنين ، وأحمد نصيف الجنابي أنموذجاً ]:
تعد مرحلة الدراسة العليا من أخصب الفترات في حياة الدارس، ففي خلالها يتعلم أن يحمل نفسه على اتباع خطة منضبطة في البحث والدرس، وتلك الخطة المنضبطة هي ما يسمى بالمنهج العلمي الذي تتعدد طرق اكتسابه في هذه المرحلة. وأول هذه الطرق، قراءة الكتب النظرية المتخصصة في هذا الشأن؛ بيد أن تلك الكتب في ذاتها لا تؤدي الغرض المطلوب إذا كانت مقطوعة عن التنفيذ العملي لما تحويه من قواعد وأصول وإرشادات. ولا يمكن أن يتأتى التنفيذ العملي إلا بالممارسة الفعلية التي يوجهها الأستاذ المشرف. ويتبين من هذا أن مسؤولية المشرف لا تقل بحال عن مسؤولية الطالب؛ فهو شريك له في اللوم إن حاد عن الصواب أو أخل بأحد عناصر المنهج العلمي.

مراجعات لسانيّة 1 - د. حمزة بن قبلان المزيني (الخلل المنهجي في كتابات الدكتور رمضان عبد التواب اللسانية)

الخلل المنهجي في كتابات الدكتور رمضان عبد التواب اللسانية *
تختلف الكتابة العلمية عن غيرها من أنواع الكتابة بخضوعها لمقاييس محكمة تَمنع من الزلل وتؤدي إلى قول ما يراد قوله بأوضح السبل وأقربها. وتسمى هذه المقاييس عمومًا، بالمنهج العلمي، ومن أهم عناصره شيئان:
فيتعلق الأول منهما بجوهر الموضوع المراد بحثه؛ فيجب أن يَكتب الباحثُ حين يجد مجالاً للقول، لا حين تُدرِكه نزعةُ الكتابة. ومجال القول في العلوم كلها ما يزال وسيظل رحبا، فالكلمة الأخيرة لم يقلها أحد بعد. لذلك لابد أن يكون الموضوع المبحوث جديدا؛ أما ترديد ما قاله السابقون فلا يَدخل في الكتابة العلمية، حتى لو التزم الباحث بسائر شروط المنهج العلمي، حيث يبني الباحث اللاحق على ما قاله الباحث السابق، إما بتخطئته في النتائج التي توصل إليها أو بالانطلاق مما توصل إليه إلى آفاق جديدة من البحث، وهكذا.

مراجعات لسانيّة 1 - د. حمزة بن قبلان المزيني (حول ترجمتي كتاب العربية ليوهان فك)

وللنقد المحايد كلمة :
أثيرت  على صفحات ملحق ثقافة اليوم في جريدة الرياض قضية هامة حول ترجمة كتاب "العربية" للمستشرق الألماني (يوهان فوك)(1). ولقد أصبحت الصورة التي جاء النقاش عليها والقضية التي يقوم عليها ذلك النقاش ظاهرتين بارزتين تهددان التقاليد العلمية التي لا بد من مراعاتها إن أردنا للبحث العلمي أن يخرج ـ في وطننا العربي ـ من الحلقة المفرغة التي يدور فيها. وأولى هاتين الظاهرتين تجريح من نختلف معه في الرأي ونسب كل نقيصة متخيلَّة له، وثانيتهما عدم الاعتراف للسابقين بفضلهم، بل إننا كثيرًا ما نغتنم الفرص للتهوين من شأنهم ونسبة ما يمكن أن ينسب إليهم من جهد إلى أنفسنا.