Search

الشاعر المهضوم .. حسن كامل الصيرفي

 

الشاعر المهضوم … حسن كامل الصيرفي 

د. صالح عبد العظيم الشاعر

يعجب المرء كثيرا حين يرى عظماء قد عبروا دنيانا ولم يأخذوا ما يستحقون من تقدير ، ويعجب أكثر حين يعرف أنهم لم يطمحوا في حياتهم إلى شهرة ولا إلى مجد ، بل عاشوا في صوامعهم يخدمون العلم والفن في هدوء ، وينظرون بسخرية إلى قامات أقل منهم تملأ الدنيا صخبا وضجيجا وتقول : هاأنذا .

هذه مقدمة ضرورية لنعرف من هو حسن كامل الصيرفي ، الشاعر المبدع ، والمحقق الثبت ، الذي عاش ستا وسبعين سنة (1908 – 1984) يعزف على قيثارة قل أن يجود الزمان بمثلها ، يعزف (ألحانا ضائعة) ، ويناجي (الشروق) ، ويستمع إلى (رجع الصدى)، ويطوف (حول النور) ، ويقدم (دموعا وأزهارا) لأحبابه ومن فارقوه ، …. كان حصاد حياته ست عشرة مجموعة شعرية ، خمس منها لم تر النور إلى الآن ، إضافة إلى عشرات الكتب التي حققها وأشهرها (ديوان البحتري).

لقد عشت سنتين في رحاب هذا الشاعر العظيم أنهل من فنه وإبداعه ، ورغم أني درسته من وجهة نحوية دلالية ، إلا أنه كان يجذبني برفق إلى مواطن جمال ، وواحات وظلال ، لقد أمتعني هذا الشاعر بحق ، حيث استطاع أن يسخر اللغة لفنه ، ويبدع منها ما جعله يحجز لنفسه صفحة مضيئة في كتاب الشعر الحديث ، ومكانا رحبا بين شعراء عصره ، فلندخل إلى حضرة هذا الشاعر نحاول أن نتذوق بعض ما أبدع ، ونُجلِّي بعض روائع شعره الممتع .

يقول الصيرفي في قصيدة (الرغبات المقيدة) [الألحان الضائعة /81] :

 
لو كنت نسمة فجرٍ في الربيع لما =مررت بالروض إلا وهو يدعوني 
أو كنت أوتار عود بات يعزفني =في هدأة الليل فنانٌ يناغيني 
لَما بعثتُ بأنغامي إلى أذنٍ =إلا إذا شبّبَتْ في مدح تلحيني 
أو كنت زورق نهر ما خطرتُ على =صحائف اليمِّ إلا وهْي تحميني 
أمرُّ من فوقها كالحلم مخترقًا= أجفان عاشقةٍ في حِضن مفتونِ 
أو كنتُ نجمة ليلٍ ما طلعتُ على= غفلانَ لكنْ على صبٍّ يراعيني 
أو كنتُ أثمار روض ما دنوتُ إلى= أكفِّ من ليس يهواني ويرجوني 
أو كنتُ … أو كنتُ … ممَّا كلُّه متعٌ =ما كنتُ أسْـعِدُ إلاَّ مَن يناجيني  

والقصيدة معبِّرة عن عزَّة نفسه وإبائه ، وإذا نظرنا إلى غرضه من حذف خبر (كان) في البيت الأخير عرفنا أنه يريد أن يقول أضعاف ما قال ، لكن لم يجد إلى ذلك سبيلا أو خاف التطويل على القارئ ، فأراد أن يفيد العموم بأوجز عبارة ، ويفتح الباب لعقل المتلقِّي ليتخيَّل ما شاء ( ممَّا كلُّه مُتَعٌ ) ، فتوصَّل لغرضه بحذف خبر ( كان ) .

ويقول في (رسالة الأزهار) [الشروق /35] :

 
ولـمَّـا لـم أجـد معـنىً يـؤدِّي= إليكِ تحيَّتي .. قدَّمتُ زهري 
فـفي نفحاته أصداءُ نـفـسـي =وفـي ألـوانـه أطـياف عـمـري 
وفي بسماته إحساس روحي =وفي أكمامه ترحيب صدري  

حيث قدم الخبر على المبتدأ في أربع جمل تكون منها البيتان الثاني والثالث ، وفي تقديم الخبر على هذا النحو لفتٌ لانتباه المتلقِّي وتشويق يجعله يتطلَّع ليعرف : ماذا في نفحات الزهر ؟ وماذا في ألوانه ؟ وماذا في بسماته ؟ وماذا في أكمامه ؟ ثمَّ يأتيه الجواب على خلاف المتوقَّع ، حيث مزج الشاعر بين أجزاء الورد ومشاعره ليخرج صورةً شعريَّةً في غاية الروعة .

ويقول مخاطبا حبيبته [الألحان الضائعة /28] :

 
ولا تذكُريني إذا ما شعرتِ =بأنَّ التذكُّر داءٌ سيُضني

 
وإن المرء ليعجب من حسن هذا البيت ، فأصل الكلام : (داء سيضنيكِ) لكنه لم يرد أن يوقع الضنى عليها ولو على الضمير العائد عليها ، وهذا حال المحبِّ الصادق ولو كان مفارقًا .

ويقول في فنان مسجى على فراش الموت [الشروق /77] :  

أأنـتَ يـا صـامـتًـا تـؤؤبْ= أيَّامُه للـمـدى الـبعيدْ 
الصادحُ المرقصُ القلوبْ= الساحرُ الفاتنُ النشيدْ ؟ 
أأنتَ … ؟! لا … أنتَ غيرُهُ =فأينَ لي شـدوُك الـجـميلْ ؟

 
فالمعنى : أأنت هو ذلك الصادح …؟ وقد أضاف حذف الخبر في البيت تصـويرًا للدهشـة الَّتي عقدَتْ لسـانَ الشـاعر – لتعجُّبه من البون الشاسع بين حال الفنَّان الأُولى وما آلت إليه وهو على فراش الموت – فلَم يسـتطعْ أن يكمل سؤاله ( أأنت … ؟ ) ، وباقي البيت مكمِّل للصورة الَّتي رسـمها حذف الخبر ، حيث أنكـره ( لا … أنت غيره ) ؛ لضـياع علامته المميِّزة له ( شدوه الجميل ) .

 
وبعد .. فما هذا المقال المختصر إلا مجرد إشارة صغيرة لا تفي بقدر هذا الشاعر المبدع، ولن يعرف قدره إلا من قرأ شعره وعايشه وغاص على لآلئه ودرره ، ولا نقول في الختام إلا ما قال الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي : ” رحم الله الصيرفي ؛ لقد كان شاعرًا مجوِّدًا وصاحب موهبة شعريَّة محلِّقة … ” [مدارس الشعر الحديث /93]

Comments

Sign in to comment. Comments appear under your own name, so there is nothing to type but the comment.

No comments on this article yet — be the first.