الاجتهاد الجديد (اللغوي) وقراءة آخر الأحداث في ثورة تونس
كان خطاب رئيس الجمهورية المؤقت في يوم 3 مارس/آذار الجاري بمثابة تلبية لانتظارات الغالبية من الشعب التونسي. وتاريخ 24 جويلية/يوليو الذي تم تحديده كموعد لانتخابات المجلس التأسيسي يعدّ أكبر ضمان لسير الانتقال إلى الديمقراطية وخير تهدئة للأوضاع السياسية والاجتماعية والسيكولوجية. لكن ما العمل في الأثناء؟
في ضوء ما نلمسه من تعلق، مُبالغ فيه أحيانا، بالشأن السياسي الإجرائي على امتداد الأسابيع الماضية ومنذ تحرير البلاد والعباد من النظام السابق، أعتبر أن الوقت قد حان لتجاوز الحراك السياسي لفائدة الحراك الفكري. وأقترح أن تتم تهيئة المناخ لحوارات ومناظرات ومناقشات ترقى بنا جميعا، نخبا وشعبا، إلى مستوى التفكير في المضامين التي يرضاها الشعب ليملآ بها ما أعلنته المؤسسة السياسية من وسائل وأدوات وأشكال صالحة للمثابرة في البناء الثوري، ناهيك أننا أمام حتمية انتظار الآجال اللازمة لتحضير هذه الوسائل والأدوات والأشكال.
في هذا الصدد أقدّم اللغة كمصدر لنموذجٍ تفسيري للواقع الموجود، وكنموذج تأليفي للواقع الذي نريد. والنموذج هو نفسه أصلٌ لا ينضب لنماذج تتكيف مع مختلف المواضيع الفكرية ومع أية مشكلة بحاجة للدرس والحل. والنموذج اللغوي منهجية لتوحيد الشعب حول أبجديات فكرية وإيديولوجية، ولبناء أرضية للعمل المشترك الذي نريده مُوحدا بقدر ما نلحّ على كونه سانح للاختلاف وقبول الرأي المخالف.
من شأن النموذج اللغوي أن يعلمنا الحرية، في الإرادة وفي التعبير، كما في الإنجاز. ويعلمنا النموذج اللغوي المبادرة و الانتفاع من الخطأ وطرق تصحيح هذا الخطأ. كما يعلمنا أساليب التفكير وأساليب الحوار وكيفية أخذ القرار. ويعلمنا كل ما نحتاجه للتعامل الديمقراطي من منطلقات أصيلة ومن بنى الشخصية والمجتمع.
كما أنّ النموذج اللغوي هام للتصميم وللتخطيط. فلا يكفي أن تتوفر الأفكار وحتى المشاريع لمّا نكون مفتقرين إلى المنهاج السليم الضامن للسرعة في الإنجاز وللجدوى من الإنجاز. ويعلمنا النموذج اللغوي تطويع إرادتنا إلى غاية مشتركة بين كافة الأطراف المعنية بمشروع أو ببرنامج أو بعملية. ومع توفر الغاية يُسهّل لنا النموذج اختيارَ الأهداف الجانبية المزمع تحقيقها والأغراض المزمع تنفيذها والوسائل المسخرة لبلوغ الغاية النهائية.
في نهاية المطاف، وفضلا عن الإضافة التي ينطوي عليها النموذج اللغوي من المنظور الفكري الوحدوي، في زمن يتسم بوفرة الإمكانيات لكن بندرة المناهج، فسيسمح من دون شك بارتقاء الأداء اللغوي نفسه. وهل من تحولات ديمقراطية بغير مؤهلات لغوية؟
محمد الحمّار
Comments
Sign in to comment. Comments appear under your own name, so there is nothing to type but the comment.
No comments on this article yet — be the first.