لغة البيئة المحلية
لغة البيئة المحلية
مقدمة: لغة البيئة المحلية هي مجموعة مفردات خاصة مع لكنة خاصة بمنطقة جغرافية وبيئية معينة تتكون من بضعة قرى وقد تمتد الى عدة مدن ومئات أو آلاف القرى. تتراوح لغة البيئة المحلية بين لكنة خفيفة ولكنة قوية واضحة أو لهجة تحوي العديد من الكلمات الخاصة حسب مساحة المنطقة وعدد السكان واختلاف المناخ والبعد. فكلما كثر السكان وتميز المناخ وزادت العزلة عن المناطق الأخرى زادت لهجتها اختلافاً وغنى. خلف هذه اللكنة والمفردات المميزة هناك قيم اجتماعية واسلوب حياة وتاريخ وتراث مشترك يضم هذه المجموعة البشرية المقيمة في هذه المنطقة أو الإقليم ويربط أعضائها برابط الهوية المحلية والتي قد تحوي بالإضافة الى الانتماء الجغرافي انتماء قبلي أو عرقي أو ديني.ويبقى تأثير هذه الهوية عدة أجيال بعد الرحيل من منطقة الأصل أو المولد. ولا تتعارض هذه الهوية المحلية مع الهوية الوطنية أو القومية الجامعة لأن معظم البشر يحملون هوية مركبة بسبب الهجرات الطوعية أو القسرية وخاصةً في العصر الحديث حيث توفرت وسائل المواصلات السريعة. فنظرية العرق الصافي هي اسطورة استخدمتها حركات سياسية عنصرية سببت مآسي للشعوب كالنازية والصهيونية. وهكذا يمكن لشخص أن يكون شركسي سوري مسلم حمصي أو فلسطيني مسيحي اورتودكسي اسكندراني أمه مصرية أو شمري (من قبيلة شمَر) عراقي بغدادي مقيم بالسعودية الخ..وتتداخل أيضاً معها هويته الاجتماعية حسب طبقته وتعليمه ومهنته والتي تؤثر على حياة الانسان في العصر الحديث أكثر من انتمائه الجغرافي الأصلي ومسؤول عنه أكثر لأنه باختياره بينما انتماءه الأصلي الديني العرقي القبلي فليس له دور باختياره. ويبقى للغة والثقافة المحلية دور في إغناء الثقافة الوطنية حين لا تستثمر سياسياً بل تستثمرعلمياً وثقافياً وسياحياً.
مفردات لغة البيئة المحلية وهي مجموعة من الكلمات المرتبطة بشكل مباشر ببيئة منطقة معينة وتتكون من العناصر التالية:
- 1.منتجات محلية غذائية من صنع الانسان كالطعام والشراب.
- 2.أدوات حرفية ومنتجات صناعية وزراعية وبيتية للزينة مثلاً معظمها يدوية أو شبه يدوية.
- 3.ألبسة شخصية عادية أو فلكلورية للمناسبات كأنواع غطاء الرأس الذي له رمزية خاصة لأصل الشخص ومكانته.
- 4.مفردات التنوع الحيوي (البيولوجي) الحيواني مثل أسماء الحيوانات والطيور المحلية (مثل حدق وهو سنجاب صغير يعيش في جبال الساحل السوري).
- 5.مفردات التنوع الحيوي (البيولوجي) النباتي مثل أسماء الثمار المحلية والنباتات والأعشاب المحلية وعندما تصدَر الثمار لمناطق أخرى تبقى مرتبطة بأصلها (مثل برتقال يافاوي من يافا وتفاح رنكوسي من رنكوس قرب دمشق).
- 6.مفردات خاصة للتقاليد والمعتقدات المحلية المرتبطة غالباً بشخصيات وأحداث حقيقية أو خيالية من التاريخ والأساطير المحلية كمفردات الجن والعفاريت والغول ومنها من مرحلة ماقبل الديانات التوحيدية (اليهودية- المسيحية- الاسلامية).
- 7.مفردات للظواهر الطبيعية كالرياح الموسمية.
- 8.مفردات للأمراض المحلية وأعضاء جسم الانسان.
- 9.الأمثال والكنايات المرتبطة بالحيوانات والطيور والنباتات المحلية. يقال عند بعض البدو "يالله مثل الذيب" بمعنى افعل شيء بسرعة ومهارة وتصميم.
العامية المحلية: وترتبط بمنطقة معينة ولكن بطريقة غير مباشرة بمعنى أنها غير مرتبطة بأشياء مادية بل هي خصوصية لغوية تتجسد بالناحية اللفظية والقواعدية. وتتكون من قسمين:
- oالقسم الأول وهو لكنة معينة تعتمد على تغيير بسيط في الحروف الصوتية أو الحركات مما ينتج نطقاً مختلفاً للكلمات مثل لفظ الألف في منتصف الكلمة والمعروفة في لهجة بيروت ولبنان عموماً ولكنها أيصاً منتشرة في غرب وشمال سورية وتسمى في قواعد العربية القديمة "الإمالة" ويلفظ فيها الألف مائلاً حتى يكاد يقترب من الياء كنطق a في كلمة made الانكليزية. أيضاً لفظ الألف المفخمة في بعض مناطق الخليج العربي على طريقة نطق الألف الفارسية حيث يقترب نطق الألف من الواو ككلمة "ثالث" فالألف يلفظ مثل a في كلمة law الانكليزية. ويقابله في اللهجة الاسترالية لفظ a ليشبه الادغام (وهو دمج حرفين صوتيين diphthong).
- oالقسم الثاني وهو تغيير بسيط في القواعد مثلاً اسقاط الهاء من الضمير المتصل المؤنث "ـها" في لهجة دمشق وبعض مناطق بلاد الشام وهكذا تلفظ "عرفتها" بطريقة "عرفتا" ولكن ليس في كل الأحوال. ففي سياق يحتاج لغة توكيدية (مثل سوء فهم أو نكران شيء) يتضمن جدل تعود الكلمة إلى أصلها وتلفظ كاملة ونفس الشيء ينطبق على "ـهن" وهي الضمير المتصل للجمع الغائب (في اللهجة الشامية ومعظم وسط وغرب سوريا ولبنان) وهي "ـهن و ـهم" في الفصيح حيث غالباً ما تهمل الهاء. وكثيراً ما تكون هناك اختصارات لجمل وعبارات شائعة مثل تحية "الله يعطيك العافية" فتصبح "العافية" أو جمعها "العوافي" كما في بعض مناطق سوريا الغربية ولبنان وهي مثل "القوة" في بعض اللهجات البدوية بمعنى الله يعطيك القوة. ويشبهها "قوَاك" في ريف حماه وإدلب بسوريا وآخرون من نفس المنطقة يستعملون العبارة الكاملة "قوَاك الله" التي يحب سماعها الفلاحون العائدون من الحقول بعد العمل الشاق.كما يمكن إضافة "ك" الى بداية الفعل في شمال شرقي سورية والمغرب.
مميزات لغة البيئة المحلية:
ا. صعوبة ترجمة مفردات لغة البيئة المحلية بسبب فرادتها.
ب. تعزز الانتماء والاحساس بالهوية المحلية لأنها تعبَر عن تراث وقيم مشتركة تختلف قليلاً أو كثيراً عن المناطق الأخرى.
ج. تسَهل التواصل والتفاهم بين مجموعة من الناس من نفس المنطقة.
د. بسبب تأخر دراسات علم الفولكلور والأنثروبولوجيا واللسانيات تهمل المؤسسات القومية في كثير من الأحيان لغة البيئة المحلية بذريعة أن قيمتها محدودة لانتشارها في منطقة محدودة. ولذلك تبقى بمعظمها ثقافة شفهية بعيدة عن الدراسة الجدية والتوثيق ومعرضة للانقراض، فكثير من تراثنا اكتشفه مستشرقون. قد تكتسب بعض مفردات البيئة المحلية ومنظومة القيم المرتبطة بها أهمية على المستوى الاقليمي أو القومي عند اكتشاف قيمة علمية أو سياسية أو اقتصادية لها فتوظفها مؤسسات دينية أو عرقية أو اقتصادية لخدمة أهدافها. وبالتالي قد يحدث تشويه للثقافات المحلية فيتم ابراز بعضها إعلامياً ومؤسساتياً مثل سباق الهجن (الجمل) والخيل والصيد بالصقور إلى درجة تخصيص قنوات تلفزيونية لها وبالمقابل يتم تهميش ثقافات الأقليات وخاصةً ما يتعارض مع مع فكر رجال الدين المرتبطين بالحكومات.
التحديات التي تواجه لغة وثقافة البيئة المحلية: هنالك أخطار كثيرة تهدد لغة البيئة المحلية ومعظمها بسبب التطور الاقتصادي والصناعي والعولمة ونذكر منها:
- ثورة الاتصالات وزيادة التواصل بين البشر من مناطق بعيدة أدى الى تقوية اللغة القومية المشتركة على حساب اللغة المحلية.
- ثورة الانتاج الصناعي التجاري أدت الى انقراض الكثير من الأدوات والمنتجات اليدوية المحلية الضعيفة تنافسياً.
- الثورة التعليمية والثقافية التي ساهمت في اضعاف المعتقدات والتقاليد المحلية والتي استمر بعضها فقط في المهرجانات والكرنفالات الفلكلورية.
- المشاكل الاقتصادية التي أدت الى الهجرة من الريف الى المدينة أو الى الخارج وامتلاء المدن بخليط من الناس.
- تدهور البيئة بسبب التعامل الجائر مع مواردها وتلويثها وقطع الغابات مما أدى الى تقلص المساحات الخضراء وانقراض الكثير من الكائنات الحية وندرة المياه.
قد تبدو هذه التحديات خطيرة ولكن لغة وثقافة البيئة المحلية لن تختفي على الاقل في المستقبل القريب بسبب حب الناس لها وتمسكهم الشديد بها. وستبقى تؤثر وتتأثر باللغة والثقافة القومية. مثلاً بعد أكثر من تسعين سنة من هجرتهم لا يزال أرمن سورية يتحدثون لغتهم الأم. وأيضاُ بدو سورية الرحل بعد استقرارهم على أطراف الفرات والخابور وأطراف مدن حلب وحماه وحمص وتغيير نمط حياتهم بشكل عميق من طعام وشراب ومسكن وملبس وعمل لا يزالون يحتفظون بلهجتهم البدوية والكثير من عاداتهم بعد عدة عقود من استقرارهم.
اللغة العربية ولغة البيئة المحلية: اللغة العربية ليست استثناء بل تحوي نتوعاً لافتاَ نظراً لامتداد العالم العربي وتنوع جغرافيته وبيئاته. المشكلة في العالم العربي هي تأخر الدراسات اللغوية وبعدها عن الواقع الراهن الذي سبب خلط مفردات البيئة المحلية بالعامية وبالتالي دخلت معركة الفصحى – عامية وهي معركة قديمة منذ القرن التاسع عشر رغم أنها اصطناعية لأن قلب اللغة العربية واحد كمفردات وقواعد. القوى السياسية المختلفة والقوى المتحالفة معها من نخبوية ثقافية ودينية وانفصالية كلها تستخدم اللغة كسلاح لايديولوجيتها. هذا بالإضافة الى الإهمال التقليدي لها من قبل الثقافة القومية في كثير من دول العالم. اللغة والثقافة المحلية مادة غنية جداً وهي تجربة إنسانية تاريخية وثقافية تعبَر عن علاقة أزلية بين الانسان والطبيعة بأنقى صورها تعرضت الى التهميش والإهمال عبر العصور. إنها بحاجة أن ندرسها ونؤرشفها وقبل ذلك أن نحترمها.
حسين مصطفى مقصوص – دمشق 2012
مواضيع ذات صلة للكاتب:
- مقارنة القواعد العربية الفصيحة والمحكي comparative spoken – written Arabic grammar
- عبارات اللطف العربية
- في تعليم العربية لغير العرب – استراتيجيتنا Arabic for non-natives - strategy
مراجع:
- موسوعة الفولكلور والأساطير العربية – شوقي عبد الحكيم
- اللهجات العربية في القرءات القرآنية – الدكتور عبده الراجحي
- ملف عالم الاجتماع "خلدون النقيب حلم التنوير العربي" – مجموعة مقالات- مجلة العربي عدد 635 اكتوبر 2011
- The Arab World – Society – Culture and State by Halim Barakat. University of California Press.
- والكثير من المقالات من مواقع ومنتديات ومدونات الانترنت.
Comments
Sign in to comment. Comments appear under your own name, so there is nothing to type but the comment.
No comments on this article yet — be the first.