دراسة فكرية حول مفهوم الثقافة
مدخل :
في مجتمعنا العربي الكثيرمن الناس يجهل عن الثقافة وتطورهاعبر الزمن , ومصطلحالثقافة وارد على كل ألسنةالناس إذا فالثقافةموضوع اجتماعي يستعمل في حياةالمجتمع بصفة عامة, وهنا نطرح عدة مشكلات تطرأفي الواجهة الاجتماعية حول مفهومالثقافة.
وعندما نحاولتعريفها نقول : هي مصطلح يستخدمه علماء الاجتماع للإشارةإلى طريقة الحياة الكُلية لشعب من الشعوب. وقد تُشير كلمة الثقافة في المحادثات اليومية إلى ضروب النشاطفي مختلف الميادين مثل الفن والأدب والموسيقى. ولكن بالنسبة إلى علماء الاجتماع، فإنثقافة شعب من الشعوب تشتمل على كل ما صنعه وابتدعه من الأفكار والأشياء وطرائق العملفيما يصنعه ويوجده.
وهي تشتمل على الفنون والمعتقداتوالأعراف والاختراعات واللغة والتقنية والتقاليد. ويُماثل مصطلح الثقافة الحضارة، غير أن المصطلح الأخير يُشير في الأغلب إلى طرائق الحياة العمليةالأكثر تقدماً. أما الثقافة فهي أي أسلوب للحياة، بسيطاً كان أم معقداً.
وتتكون الثقافة من الطرق التي يتعلمها ويكتسبهاالإنسان للعمل، والشعور، والتفكير، أكثر من كونها وراثية أي محددة بالمقوماتالبيولوجية. وهناك بعض الحيوانات البسيطة التي تتصرف على أساس المعلومات التي تحملها في مورِّثاتها، أي أجزاء الخلية التي تشكل الصفات الوراثية. وهذه المعلوماتالبيولوجية المورثة قد تشتمل حتى على الطرق التي يحصل بها الحيوان على الطعام والمأوى.ولكن الإنسان هو الذي بمقدوره أن يجرب وأن يتعلم وأن ينشئ أساليبه لصنع هذهالأشياء. وهذه عملية مستمرة لا تتوقف أبداً.
والقول بأن الثقافة مكتسبة لا يعني بالطبع عدم الارتباطبينها وبين العناصر البيولوجية للإنسان. إنها بالعكس، يمكن النظر إليها كمجموعة منالتمديدات والإضافات البسيطة لأجزاء الجسم المختلفة. وقد قارنها عالم النفس النمساويسيجموند فرويد بتلك الأجهزة والأدوات مثل الأطراف الصناعية، ونظارات العيون، والأسنان الصناعية. وذلك على اعتبار أنالثقافة، مثل هذه الأشياء، تُمكن الناس من فعل الأشياء التي قد لا تساعدهم عضلاتهموحواسهم وحدها على القيام بها وفعلها. مثال ذلك، أن الإنسان لا يحتاج إلى المخالبما دامت لديه السهام. كما أنه لا يحتاج إلى الجري بسرعة، ما دام قد روَّض الحصانأو استعمل السيارة. وبدون الثقافة لم يكن بمقدور رواد الفضاء، أن يصلوا إلى القمر، ولاأن يعيشوا هناك. ذلك أن الجسم الإنساني في حاجة إلى الأكسجين، وإلى درجة معينةمن الحرارة كي يحافظ على حياته. وعلى أية حال، فقد مكنت هذه الوسائل والأدواتالثقافية الإنسان من التغلب على بعض أوجه القصور، فظل على قيد الحياة في البيئات الخشنةالقاسية.
وقدعرّف عالم الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) البريطاني السير إدواردبيرنت تايلور مصطلح الثقافة كما يستخدمه العلماء في الوقت الحاضر. فقد عَرَّفَتايلور الثقافة في كتابه الثقافة البِدائية بأنها ذلك الكُل المعقد الذي يشتملعلى المعرفة، والعقيدة، والفن، والأخلاق، والقانون، والتقاليد، وما إلى ذلك منالقدرات والعادات التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في المجتمع. ويشتمل هذاالتعريف الذي ساقه تايلور على ثلاث خصائص من أكثر خصائص الثقافة أهمية وهي: 1- أن الثقافة اكتساب إنساني يتم من خلال عملية تسمى التنشئة الثقافية. 2- أن الشخص يكتسب الثقافة باعتباره عضواً في المجتمع. فالحياة الاجتماعيةتُصبح مستحيلة دون وجود التفاهم والممارسات المتبادلة التي يشارك فيها الناسجميعاً. 3- أن الثقافة كلٌّ معقد تتمثل وحداته فيما يُسمى السمات الثقافية. وهي قد تشتمل على أماكن دفن الموتى المتعارف عليها، أو بعض الأدواتوالآلات، كالمحراث مثلاً، أو إيماءة، كالمصافحة بالأيدي. وتسمى المجموعة المتقاربة منالسمات الثقافية النمط الثقافي. مثال تلك التقاليد المرتبطة بالزواج والمراحل السابقة له والتودد، وتشكل هذهالمجموعة نمطاً ثقافياً محدداً.
وعلى كل حال، فإن لكل عائلة تقليدهاالثقافي الخاص بها. وهو تقليد يشتمل على كثير من السمات التي تشترك فيهاالعائلة مع الآخرين ممن يعيشون في نفس المنطقة، وينتمون إلى الطبقة الاجتماعية ذاتها.علاوة على ذلك، تمتلك العائلة السمات الثقافية الخاصة بها. وهو الحال نفسه بالنسبةإلى شركات الأعمال، والقرى وما إلى ذلك من الجماعات الاجتماعية. فلكلٍّ منهاتقاليدها الثقافية الخاصة بها. ويستخدم علماء الاجتماع أحياناً مصطلح الثقافة الفرعية للإشارة إلى مجموعة السمات الثقافيةالتي توجد في جماعة واحدة فحسب، الأمر الذييعني أن للكثير من الجماعات المهنية، مثل جماعة الأطباء، وجماعة سائقي الشاحناتوالجماعات العرقية ثقافتها الفرعية الخاصة بها، بالإضافة إلى مشاركتها أيضاً فيثقافة جماعة الأغلبية.
وتختلف المجتمعات عن بعضها البعض في مدى انفتاحها على غيرها ومدىانغلاقها عن ذلك الغير. ففي هضبة التيبت وبعض الجزر الباسفيكية وإفريقيا، مثلاً،توجد مجتمعات منغلقة على نفسها، وتكون النتيجة الطبيعية لهذا هي بقاء تلك المجتمعاتبثقافة واحدة لكل منها. وعلى العكس من ذلك فإنّ المجتمعات الأمريكية والأوروبيةالتي تنفتح على غيرها، تعتبر بالتالي متعددة الثقافة.
يجد الكثير من الأفراد صعوبة في تقبلالثقافات الأخرى، ويميلون بالتالي للبحث عمن يشبهونهم من الأفراد في العاداتوالأفكار، أي ضمن ثقافة متجانسة. ويسمى الضيق الذي يشعر به هؤلاء حين يمتزجون مع منلا يشبهونهم وما ينتج عن ذلك من رفض للاختلاف صدمة ثقافية. وقد تزول هذه الصدمة إذا ما عايش الفرد الثقافة المغايرة فترة تكفي لفهم تلك الثقافة.
التعايش المشار إليه يحدث على مستوىالأفراد أو الجماعات الصغيرة نسبيًا التي تنتقل للعيش ضمن مجتمعات أكبر ذاتثقافة مختلفة ومهيمنة. ويؤدي ذلك التعايش أحيانًا لفقدان أولئك الأفراد أو الجماعات سماتهمالثقافية المميزة واندماجهم في الثقافة المهيمنة في عملية يطلق عليها الامتصاص الثقافي. وما حدث للكثير من الهنود الحمر نتيجةالهجرة الأوروبية إلى أمريكا الشمالية مثال لذلك الامتصاص، كما أن ما حدث للكثير من الجماعات العرقية التي دخلت الإسلامطوال التاريخ الإسلامي مثال آخر. وكذلك هو الحال مع بعض المسلمين الذين بقوا فيالأندلس بعد انتهاء الحكم العربي الإسلامي هناك. فقد ذابت تلك المجتمعات في الثقافة الجديدة سواء كان ذلك طوعًا أو كرهًا.
غير أن التعددية الثقافية لاتعنيتساويًا بين الثقافات المتعايشة ضمن تلك التعددية. وفي الولايات المتحدةالأمريكية حيث جرت وتجري واحدة من أبرز التجارب التاريخية في التعددية لم يؤد ذلك إلىتساوي الثقافات المتعايشة في التأثير، فالحضارة الغربية الأنجلوسكسونية التيجلبها المستوطنون الأمريكيون الأوائل معهم في القرن السادس عشر الميلادي، سواءتمثلت في الإنجليزية كلغة أو في النصرانية كدين أو في الديمقراطية العلمانية كنموذجسياسي وثقافي، ماتزال هي المهيمنة. وتنسحب تلك التجربة الأمريكية على ما يحدث حاليًاعلى مستوى العالم، حيث تنتشر المؤثرات الثقافية الغربية، الأمريكية بالدرجةالأولى في مختلف الأماكن في عملية تعرف بالعولمة
وظهرت في العصور الحديثة كثير منمظاهر التخلف الثقافي في العادات والأفكار والنواحي غير المادية في ثقافة بعضالشعوب.فالعلم والتقنية يتغيران على نحوٍ سريع جداً لدرجة أنهما تجاوزا أحياناً الثقافة غير المادية. ففي الدول الغربية، علىسبيل المثال، أدى نمو قوى الدفع الآلية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين إلى تشييد المصانع. وكانت ظروف العمل فيالمصانع الأولى سيئة. وفي القرن التاسع عشر الميلادي أمكن للتغيرات الاجتماعيةاللحاق بالتغيرات التقنية التي كانت قد أنشأت المصانع. واشتملت هذه التغيراتالاجتماعية على النقابات العمالية، ونظم التأمين، وتحديد أيام العمل، وإلغاء تشغيلالأطفال.
ومع ذلك فقد حدث في بعض المجتمعاتوالأزمنة التاريخية أن وقعت التغيرات في الأفكار قبل التغيرات في الثقافة المادية. مثال ذلك، أن الأطباء كانتلديهم المعرفة الكافية للقيام ببعض العمليات طوال آلاف السنين، ولكن لم يكن من الممكن إجراء العمليات الجراحية بصورة واسعة النطاقحتى اكتشاف المطهرات والمسكنات في القرن التاسع عشر الميلادي. وهناك عدد منالعوامل التي قد تُسبب تغير الثقافة. وأهمها:
1ـ التغيرات التي تحدث في البيئة 2ـ الاحتكاك بالثقافات الأخرى 3ـ الاختراع 4ـ التطورات التي تحدث في داخل الثقافة ذاتها.
التغيرات في البيئة. يؤدي أي تغير في بيئة الجماعة إلى تغيرات في ثقافتها. فمثلاً، بعدانتهاء العصر الجليدي منذ نحو 10,000 سنة، أصبح المناخ في المناطق المعروفة حالياًباسم نيفادا ويوتا في الولايات المتحدة بالتدريج أكثر جفافاً ودفئاً. ومثلما تغيرالمناخ، تغيرت أيضاً ثقافة الهنود الذين كانوا يعيشون في تلك المناطق؛ إذ أصبحمتعيناً على الهنود أن يأكلوا كثيرا من النباتات، نظراً لأن الصيد أصبح قليلاً ونادرًا.وفي آخر الأمر صارت المنطقة على درجة من الجفاف حتى أصبحت أشبه بالصحراء.وتعلم الهنود أكل الحشرات والجذور لأول مرة.
الاتصال بالثقافات الأخرى. ينتج عن أي اتصال بين مجتمعين مختلفي الثقافة تغير في كلا المجتمعين. إذ يقتبس كل منهماسِمات ثقافية من الآخر، وخاصة إذا كانت السمة الجديدة التي يتم نقلها أفضل من السمةالتقليدية. ونتيجة لذلك تميل السمات والأنماط الثقافية إلى الانتشار من المجتمعالذي وُجدت فيه أصلاً. وهذه العملية هي ما يُسمى الانتشار.
يعتبر الانتشار واحدًا من أكثر أسبابالتغير الثقافي شيوعًا، وقد انتشر الإسلام بوصفه ثقافة دينية وسلوكية نتيجةالاتصالات والمراسلات والوفود التي أرسلها الرسول ص، وبعد ذلك عن طريق الفتوحات وترحيبالشعوب الأخرى به بسبب معاناتها من سيطرة المحتلين ورغبتها في الخلاص، حيث وجدتفيه ما يلائم روحها ويحقق لها إنسانيتها. وانتشرت النَّصرانيَّة نتيجة جهود رجالهافي التنصير وخاصة في البلاد التي عرفوها حديثًا في إفريقيا وأمريكا. كما أدخلالمكتشفون الأسبان الخيول إلى المكسيك في القرن السادس عشر الميلادي، ولكناستخدام الحيوانات انتشر سريعاً لدرجة أن كثيراً من القبائل الهندية امتطت الخيول قبلأن يروا أي أوروبي بسنوات طويلة.
يُسْفر الاحتكاك المتواصل بينالثقافات عن التثاقف، أي العملية التي يتم بمقتضاها تبني أصحاب ثقافة معينة،سمات ثقافة أخرى. وفي كثير من الأحيان، قد يحدث ذلك عن طريق الغزو والفتح. فمثلاً هزمالرومان الإغريق في القرن الثاني ق.م تقريبًا، وخلال القرون التي تلت ذلك،تبنى الرومان الكثير من ملامح الثقافة الإغريقية، بما في ذلك الفن الإغريقي، والأدب والدين.وفي معظم حالات التثاقف، تقتبس كل ثقافة من الثقافات الأخرى. مثال ذلك، أنَّكثيرًا من الثقافات تبنت مزالج الكلاب (الْزَلاّقات) التي تجرها الكلاب، وسترات الفرو، وأحذية الثلج من الإسكيمو. وبالمقابل تبنى الإسكيمو الزوارق ذاتالمحركات والبنادق وكاسحات الثلج من الثقافات الأخرى.
وهناك عملية أخرى تُسمى المماثلة أوالتمثُّل أو التقليد أو المحاكاة أو الامتصاص التي يغلب عليها طابع الاستعارةأو الأخذ من جانب واحد. ويقع التمثُّل عندما يتبنى المهاجرون أو الوافدونالجُدد ثقافة المجتمع الذي يستقرون فيه. وقد يؤدي التمثُّل إلى اختفاء ثقافةالأقلية، نظراً لفقدان أعضائها الخصائص الثقافية التي كانت تميزهم عن الآخرين.
الاختراع. هو ابتداع أداة جديدة أو منتج جديد. وعلىمدى التاريخ، غيرت كثير من الاختراعات الثقافة الإنسانية، مثال ذلك، أن الثورةالصناعية في القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر الميلادي جلبت معها بعض الاختراعات كالنول الآلي والمحرك البخاري، وهي آلاتأحدثت تغيرات ضخمة في أسلوب حياة الناس وطرائق معيشتهم. انظر: الاختراع.
التطور الدَّاخلي للثقافة. ينجم التغير عن التطور الداخلي للثقافة؛ مثال ذلك، أن المجتمع قديتحول من مرحلة جمع الطعام إلى الزراعة نتيجة لنمو السكان، ولاختفاء الحيوان. كماأن الأعداد السكانية الأضخم لا تزال تجلب في المقابل مزيداً من التخصص وتقسيمالعمل، الأمر الذي يعقبه ظهور أشكال مختلفة من التنظيم الاجتماعي، وغيرها منالتغيرات. وتتغير الثقافة بتغير شروط البيئة أو عند ظهور أساليب جديدة لصنعالاحتياجات المطلوبة لحاجة البشر.
وبعدما يتبنى الناس الطرق الجديدةوالأفضل لصنع الأشياء لا يرجعون ثانية إلى طرقهم العتيقة إلا نادرًا. مثال ذلكأن الناس بعد أن عرفوا استعمال النقود، لن يعدموا أبدًا وسيطاً للتبادل. وبعد أنتعلموا إشعال النار، لن يعيشوا مطلقاً بدونها. وقد يتم استبدال مثل هذهالوسائل كالعملات، وعلب القدح. ولكن النقود والتحكم في استخدام النار سيبقيانماثلين في أذهان الناس .
وتزايد معدل التغير الثقافي بشكل سريعمنذ منتصف القرن التاسع عشر. وحدثت هذه الزيادة بالدرجة الأولى نتيجة لكثيرمن مظاهر التقدم في العلم والتقنية. كما أصبح التبادل الثقافي منذ منتصف القرنالتاسع عشر أكثر انتشاراً وسرعة. وبسبب الطائرات والأفلام السينمائية، والمذياعوالتلفاز أصبحت معظم التقاليد الثقافية في العالم على اتصال دائم ومستمر. فبمقدور الشخصأن يجد موسيقى الجاز الأمريكية والكيمونو الياباني في أية مدينة كبيرة.
يشهد العصر الحاضر تشكل ثقافة عامةوعالمية نتيجة لسفر الناس على نطاق واسع، وانتشار التلفاز في كل أنحاء العالم.إضافة إلى ذلك، فإن الكثير من أنواع الموسيقى، والرياضة، والعمليات الصناعية، هينفسها موجودة في كل مناطق العالم. ويخشى بعض الناس أن تؤدي هذه المماثلاث إلىتشابه كل الثقافات، ولكن الناس يُنشئون ثقافات محلية جديدة، بنفس السرعة التييتعلمون بها هذه الثقافة العالمية. ولأن الثقافة العالمية لا تغطي سوى نطاق محدود من الثقافة المعروفة، فإنَّ هذا يسمح للثقافاتالجديدة المحلية بالنمو والازدهار.
التعليقات
سجّل دخولك لتتمكّن من التعليق. والتعليق باسمك، فلا حاجة إلى كتابة اسمك وبريدك في كلّ مرّة.
لا تعليقات على هذا المقال بعد — كن أوّلَ المعلّقين.