بحث

تلحين النحويين للقرّاء - أ. د : ياسين جاسم المحيمد

أستاذي الفاضل: في حديثك المتقدِّم ما يستحق الوقوف عنده مناقشاً ومحاوراً وإليك ما وقفت عنده مع اعتذاري اليك. 1-أشرت في كلامك الى أن القرآءآت السبعة متصلة الاسانيد الى درجة التواترووانها قراءات ارتضتها الامة فلا وجه لردِّها ويمتنع إنكارها,ورفضها ,ولا سيما انها قرآءآت كان الحاكم لقبولها انتهاء سندها الى النبي "ص" . 2- ذكرت أن القرّاء السبعة هم أضبط نقلا واحرص امانة زأثبت دينا من ان يُقدح في قرآءآتهم .مما يعني ذلك تواتر قرآءآتهم . 3-أحلت اختلاف الصحاية في القراءة التي وصلت الينا كما نقلها القرّاء السبعة لاختلافهم في تلقيهم عن رسول الله "ص" بسبب نزول القرآن على سبعة أحرف . 4- رددت القول الذاهب الى نزول القرآن على حرف واحد مرجّحاً رواية القائل بنزوله على سبعة أحرف بتعضيد ما ذكرت بما روي عن ابن عباس وعما وقع من اختلاف القرآءتين بين الخليفة عمر بن الخطاب وهشام ابن حكيم. 5- ذكرت أن اختيار السبعة من القرآءآت لتكون على وفق المصاحف السبعة ,وتيمذُناً باحرف القرآن السبعة,ولا يُمنع ان يُحتج باكثر من القرّاء السبعة لان عدد الموثوق بهم أكثر من أن يحصى. أقف عند هذا الحد من المؤآخذات مناقشا استاذي الفاضل أرجو ان يتسع لي صدرك الرحب . 1- اناقش دعوى القول بتواتر القرآءآت :فإن التأمل في طرق نقل القرآءآت يورث عدم اليقين بتواتر طرقها انها نقلت الينا بطريق الآحاد. والى هذا انتهى الزركشي عندما أحال طرق نقل القراءات الى الآحاد,على تفصيل سنلحقه في الرد على مؤاخذة أخرى. 2- إن القول بتواتر القرآءآت لا يصح الا على معنى واحد أنها متواترة بالنسبة الى قرآءة القارىء نفسه لا الى مجموع القرآءآت عند كل قارىء وبيان ذلك:انها –إن صحت سندا – فهي صحيحة السند الى ذلك القارىء الذي روى قراءته هو لا قرآءة غيره ولو اتفق على نقلها ممن لا يتواطؤن على الكذب . 3- احتجاج كل قارىء بقرآءته واحتجاج تابعيه بها وإعراضه عن قرآءة غيره دليل على عدم تواترها وانقطاع سندها الى النبي "ص" وان طريق وصولها هو اجتهاد القراء انفسهم لا ما ثبت منها في الآثر المنقول عن النبي "ص"والى هذا ذهب الزركشي في كتابه الاتقان في احكام القرآن. من انها متواترة عن الائمة السبع,زأما تواترها عن النبي ففيها نظر,ويذهب القرطبي في تفسيره الى نفي رجوع القرآءآت السبعة الى الأحرف السبعة ناسبا تلك السبعة الى حرف واحد منها. وهو خلاف ما ذهبت اليه أستاذي الفاضل .من استبعاد نزوله على حرف واحد فحسب. 4- أن رواية ان يكون القرآن قد نزل على حرف واحد اكثر وثوقا وأصح دلالة وأقوى دليلا من الروايات الذاهبة الى نزوله على سبة احرف,لان الحرف الواحد أدعى الى عدم الاختلاف في القرآءة ,وعدم الاختلاف أدعى الى عدم الالتباس في الوقوف على المعنى المراد من احتمال إصابة المعنى مع تعدد القرآءآت السبعة. فإن قلت ان الحرف الواحد فيه مشقّة على الأمّة-بنص الرواية-أن امتي لا تطيق ذلك- يجاب عنه :بان الخليفة عثمان بن عفان كان أقرب عهدا من النص وهو أسبر غورا في فهم مراده لكنه وجد في جمع القرآن على جرف واحد واعتماد المصحف الجامع –بعدما ااستحل القتل في أهل اليمامة- أدعى الى الحفظ والصيانة للقرآن .فما قولك أستاذي مع شديد اعتذاري؟ 5- ذكرت أن عدد الموثوق بهم أكثر من ان يحصى ولا يمنع ذلك الاحتجاج بقرآءآتهم وعليه فهذا القول يؤكد عدم العبرة بتخصيص القرآءآت بسبعة منها ولا سيما ان ائمة القرآءآت – كما ذهب مكي بن ابي طالب في كتابه "التبيان"-أكثر من سبعين ممن هو أعلى رتبة من القرّاء السبعة ,فأي وجهٍ لترجيحها على غيرها ,حتى ذهب بعضهم الى ان عمل ابن مجاهد في تخصيص السبعة مما أوقع شبهة بين الناس ان يكون المراد بقرآءآت القرّاء السبعة الحرف السبعة للقرآن .وان زيادة القرآءآت على السبعة او الاقتصار على أقل منها مما يزيل تلك الشبهة- على حد قولهم-,وهذا يعني أن حصر القرآءآت السبعة فعل اجتهادي من ابن مجاهد . 6- ان قولك في سبب اختيار اقرآءآت سبعة لتكون على وفق المصاحف السبعة وزدت عليه ان يكون ذلك تيمُّناً بالاحرف السبعة مما يؤكد صحة ما ذهبنا اليه من ان القرآءآت أمر اجتهادي. 7-إن دعوى الأحرف السبعة تحتاج الى نظر وتحقيق,إذ إن علماء هذا الفن وقفوا فيها على اجرف ٍ سبعة كان واحداً منها أن تُحمل علىالقرآءآت السبعة ,ولنقف عند هذا الوجه. أفيد في ردّي من قولك السابق إن القرآءآت اختيرت سبعة تيمُّناً بالاحرف السبعة. 1-هذا الزعم يفيد أن قرآءآت القرّاء السبعة ليست هي ما وردت نقلاً عن النبي بقرينة قولك اختيرت "تيمّناً",وأن الموثوق بهم عدد لا يحصى فكان ممكنا ان يكون بعض هؤلآء الموثوق بهم ممن تنطبق عليه رواية الأحرف السبعة,وعليه لا نملك دليلا يفضي بانها عي الأحرف السبعة التي قرأها النبي"ص""أقرأني جبرئيل على حرف فراجعته,فلم أزل استزيده حتى انتهى الى سبعة أحرف. " لاحتمال انطباق بعض هذه الأحرف على قرآءة غير القرّاء السبعة.فيسقط الاستدلال بأن قرآءآت القرّاء السبعة هي ما أقرأه جبرئيل الى النبي"ص". 2- فلنقل تسامحا إن بعض قرآءآت القرّاء ممن شملتها الأحرف السبعة فيكون بذلك توجيه االقرآءآت السبعة أن تكون بعضها ممّا وردت عن النبي"ص" وليس جميعها وبعضها الآخر مما لم تشتهر عن القرّاء السبع فاحتاجت الى دليل تأريخي يُثبت حصولها ووقوعها ولم يرد الينا. 6- يمكن أن نوجز ذلك باستدلال آخر: هو أن الحديث الذكور إسناداً عن ابن عباس"أقراني جبرئيل على حرف فراجعته,فلم أزل أستزيده فيزيدني حتى انتهى الى سبعة أحرف" وغيرها من الاحاديث تذكر لفظ السبعة ولا تورد شواهد على ذلك الاختلاف الحاصل في زمن النبي"ص" سوى ما ذكر من اختلاف الخليفة عمر مع هشام بن حكيم في قرآءة سورة الفرقان. والملفت للنظر في هذه الرواية أنها لم تذكر وجه الخلاف الحاصل مع هشام بن حكيم ,وفي أي مورد منها اختلفاوعلى أية لغة قرأ الخليفة عمر,وخا لفه فيها هشام,وانما اكتفت الرواية بذكر مورد ا لخلاف إجمالاً في حال يتطلب من الراوي أن يذكر الوجه التفصيلي للخلاف ولا سيما انه أورد الحادثة دليلا وتعضيدا لرواية الأحرف السبغة ,ولم يزد عن ذلك الى ما عداه من ذكر الآية أو الكلمة التي اختلف فيها. وهنا أقول اكان يُعجز الراوي أن يتذكر في أي مورد احتلفا أم تعذر عليه ذلك وهوبذكر مجمل الروايةافي مقام إثبات رواية الأحرف السبعة والاجتزاء بذكر مجملها لا يبعث على الاطمئنان لتعضيد قول الذاهب بنزول القران على أحرف سبعة. فضلا عما كره احد العلماء الأعلام من انّهما كانا من قريش يتحدّثان لهجة واحدة فلا موجب للاختلاف بينهما والا ما داع الاختلاف في قرآتهما إن كانا يتحدثان لهجة واحدةفيكون المقتضي لهذا الاختلا ف ممتنعا,فإن قيل :لا يمنع ذلك من ان يقرأ احدهما بغير لهجة قريش وإن كان قرشي اللهجة. الجواب : إن هذا القول يحوجه الدليل لانتفاء الداعي الى قرآءة تخالف لهجته ولا سيما ان موارد الحلاف المذكورة كلها تشير الى اختلاف القرآءآت لتعدد اللهجات لئلا يشقّ على الامة قرآتها ومن البداهة حصول المشقّة إذا قرأ بغير لهجته إلا أن يكون مضطراً ولا وجه لاضطراره. وإن سلمنا فإن روايات الأحرف السبعة على تعددها وتنوعها لم تورد لنا شاهدا او شاهدين او ثلاثة على ذلك الاختلاف الحاصل في القرآءة مما جعل النبي"ص" يراجع جبرئيل للتوسعة على الأمة لانها لا تطيق ذلك.والا فإن القول بالأحرف السبعة يحوجه الدليل على قبولها. بلغة القول: إن مسألة القرآءآت المتعددة-حتى اختصت بالسبعة المتواترة المرفوعة بسندها الى النبي"ص"- وقع فيها كلام عند كبار العماء وجهابذة هذا الفن ,إذ لم يرتضِ أهل التحقيق تواترها فضلا عن إسنادها الى النبي"ص". وللمقام حديث تفصيلي تستفيض فيه الأدلة القائمة على ردِّ تواترها وانقطاع سندها ما وقف عليه أهل هذا الفن وارباب التحقيق ,بيد أن ما ورد من جملة الاشكالات على تواترها وحزمة المؤآخذات على سندها لا ترد فيما لو ارتضينا نزول القرآن على حرف واحد وما ذكرت وقدمت فيه بلغة القول ووضوح الدليل,وسلامة التوجيه . واستميح العذر من الاستاذ الفاضل ان اطلت في حديثي او وقفت على تخطئة,لكن هذا ما جاد ت به أقلام العلماء الأفذاذ ووقفت عليه مهتديا بمنهجهم العلمي,.ولو شئت لبسطت اليك الحديث بما تقر به عيون الباحثين. د:حيدر السعدوني

التعليقات

سجّل دخولك لتتمكّن من التعليق. والتعليق باسمك، فلا حاجة إلى كتابة اسمك وبريدك في كلّ مرّة.

لا تعليقات على هذا المقال بعد — كن أوّلَ المعلّقين.