بحث

الباحث: مسعود أبوبكر إبراهيم طالب في الجامعة الإسلامية بالنيجر ، السنة الرابعة كلية اللغة العربية و العلوم الإنسانية، شعبة اللغة العربية.

بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع: ما هي الطرق المتبعة لإثبات اللغات المحلية لغة رسمية وإزالة اللغة المستعمرة. لا شك أن للغة الوطنية أهمية بالغة في تقدم الدول قديما وحديثا، ويظهر ذلك جليا عندما نتصفح التاريخ الحضاري والثقافي للأمم السالفة والحاضرة.و ذلك لأن الحضارة تبنى على العلم والمعرفة، واللغة هي أداة توصيل تلك العلوم إلى العامة والخاصة. ففي أوربا مثلا لم تتقدم فرنسا إلا بلغتها الفرنسية، وكذلك ألمانيا لم تنهض من الدمار الشامل الذي شهدته بعد الحرب العالمية الثانية إلا بفضل التعلم بلغتها الجرمانية، وكذلك بريطانيا لم تتبنّ أي لغة إلا لغتها الإنجليزية. وفي آسيا نجد دولا أمثال:الصين واليابان وباكستان وكوريا كلها تقدمت بلغاتها المحلية. ونفس الأمر للدول الإسلامية أمثال ماليزيا وإيران وتركيا. ويكاد المرء يقول بأن ليس هناك دولة من الدول تقدمت بغير لغتها الوطنية، سوى دولة جنوب إفريقيا، وهي أيضا تتبنى اللغة الإنجليزية واللغة الأفريقانية المحلية معا. ومما يدل على أهمية اللغة المحلية في بناء الحضارة التي أساسها العلم قوله تعالى: { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم } . فركز الله تعالى على البيان والتعليم بلغة القوم ليفهموا الرسالة فهما دقيقا. وقال أيضا: { إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون } ، لأنه عز وجل لو أنزل القرآن بلسان غير عربي لما فهمته العرب فهما دقيقا كما قال عز و جل: قال تعالى {وَلَو جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أعجمياً لقالوا لَوْلَا فصلت آيَاته أأعجمي وعربي}. ثم أشار الله سبحانه وتعالى إلى تعليم الناس والبيان لهم باللغة التي يفهمونه بقوله: {فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون}، فهؤلاء الذين تفقهوا في الدين عندما يرجعون إلى أهلهم يعظونهم بلغتهم القومية ويبينوا لهم باللغة المحلية ليفهموا الدين كما ينبغي. والمستعمر لما عرف أهمية اللغات المحلية في التقدم والتطور للدول والمجتمعات، أصر على أن تكون اللغات الرسمية والتعليمية في الدول المستعمرة -الإفريقية خاصة – هي لغته، لضمان عدم تقدمها وعدم فهمها للعلوم فهما دقيقا يؤهلها إلى الإبداع ومن ثم مواكبة ركب التحضر والتمدن. لكن ما هي الطرق التي يمكن أن تسلكها الدول الإفريقية لإثبات لغاتها المحلية كلغات رسمية؟ آليات تحويل اللغات المحلية إلى اللغة الرسمية بطبيعة الحال هناك طريقتان: طريقة حكيمة وطريقة غير حكيمة. فالطريقة الحكيمة هي الطريقة التدريجية، حيث يتم فيها تقنين اللغة المحلية لغة رسمية بالخطوات، وفيها خياران للدولة كما يلي: الخيار الأول: توعية المجتمع بمدى أهمية اللغة الوطنية في التقدم، وذلك عن طريق قنوات الاتصال الرسمية وغير رسمية، وتنظيم أفلام ومسرحيات تثقيفية للمواطنين. وبعد ذلك يتم إضافة لغة محلية أو أكثر لتكون لغة رسمية ثانية للدولة مع اللغة الاستعمارية، كما هو الحال في بعض الدول، مثل تشاد" اللغة الرسمية فيها: الفرنسية والعربية معا" وفي السودان أيضا: تم مزاوجة الإنجليزية مع العربية" وفي جنوب إفريقيا تم مزاوجة الإنجليزية مع الأفريقانية" وهلم جرا. وبذلك نخفف من قوة اللغة الاستعمارية، فيكون للمدراء الحق في التعبير بلغاتهم المحلية رسميا، وللمواطنين كذلك الحق في التعبير عن آرائهم بلغتهم رسميا، وكذلك يكون لوزارة التعليم العالي الحق في تعليم أبناء الوطن بلسان قومهم. وبعد ذلك سيميل المواطنون بأنفسهم إلى لغتهم طواعية وذلك لسهولتها على ألسنتهم. ثم يتم تشطيب اللغة الاستعمارية بدون أن يشعر أحد. ويمكن تنفيذ تلك الخطوات في خمسة أعوام فقط. الخيار الثاني: ويمكن للدولة في تقنين اللغة المحلية لغة ثانية أن تفرق بين جانبين: الجانب الإداري والجانب التعليمي. فتتبع الدولة الخطوات الآتية: تقنن الدولة إحدى لغاتها القومية لتكون لغة التعليم أولا، واللغة الاستعمارية لغة الإدارة أو العكس. عندما يتكيف الناس بهذا الوضع ستنقلب الموازين وترجح كفة اللغة الوطنية لأن المواطنين سيميلون إليها حتما، فإذا تم تقنينها من قبل لغة التعليم، فستتحول تدريجيا إلى لغة الإدارة أيضا، والعكس صحيح. وبذلك تهيمن اللغة المحلية على الجانبين بلا منازع. وبعد ذلك يمكن تقنينها لغة رسمية بسهولة. الطريقة غير الحكيمة: وفي هذه الطريقة يتم اختيار إحدى اللغات المحلية وتقنينها لغة رسمية، عن طريق الاستفتاء أو غير ذلك، كما فعلته دولة غامبيا في الشعر الماضي. المشاكل التي يمكن مواجهتها في تغيير اللغة الاستعمارية إلى اللغة المحلية: ويمكن مواجهة المشاكل الآتية: عقبة الأحزاب المعارضة التي تستقوي بالدولة المستعمرة وتكافح لمصالحها، مما يؤدي إلى إسقاط الحكومة أو الانقلاب العسكري. عند ما تكون اللغة المحلية هي لغة التعليم، سترتفع نسبة حاملي الشهادات بمختلف التخصصات، وليس بمقدور الدولة أن تجد لهم وظائف مناسبة، مما يرفع نسبة البطالة في الدولة. مشكلة التعددية اللغوية في الدول الإفريقية، مما يجعل من الصعب اختيار لغة وإهمال أخر، زيادة على ذلك الشعب الإفريقي ما زالت الصراعات القبلية تسوده. الحلول المقترحة: محاولة إقناع القوى السياسية والاجتماعية في الدولة بأهمية تقنين اللغة المحلية لغة رسميا، وذلك عن طريق إشراكهم في التخطيط لذلك، أو عقد مؤتمر الدولة العام. محاولة إيجاد فرص عمل جديدة للطلاب المتخرجين، لمحاربة مشكلة البطالة. محاولة اختيار اللغة المحلية المرشحة لتكون لغة رسمية بطريقة ترضي شعب الدولة، إما عن طريق اختيار لغة الأغلبية الساحقة في الدولة مثل لغة هوسا في النيجر الذي يتحدث بها قرابة 80 في المائة من الشعب النيجري. وفي نيجيريا مثلا، يمكن اختيار ثلاث لغات لتكون لغات رسمية من بين أكثر من 150 لغة محلية: لغة هوسا التي تمثل الشمال، ولغة اليوروبا التي تمثل الجنوب الشرقي، ولغة الإيبو التي تمثل الجنوب الغربي، لأن مجموع المتحدثين بتلك اللغات الثلاثة يقارب 75 في المائة. أو عن طريق استفتاء شعبي حر ونزيه في حالة الاختلاف. الباحث: مسعود أبوبكر إبراهيم طالب في الجامعة الإسلامية بالنيجر ، السنة الرابعة كلية اللغة العربية و العلوم الإنسانية، شعبة اللغة العربية.

التعليقات

سجّل دخولك لتتمكّن من التعليق. والتعليق باسمك، فلا حاجة إلى كتابة اسمك وبريدك في كلّ مرّة.

لا تعليقات على هذا المقال بعد — كن أوّلَ المعلّقين.