التنوّع في اللغة والكلام والوظائف: علاقته وأثره على برامج تعليم

فهل يلزم برامج تعليم اللغة العربية أن تلزم طريقة واحدة, كما هو حال كثير من برامج تعليم العربية, أم أنّ لنا أن نراعي مستوياتٍ متنوِّعة بعضها يرجع إلى أهداف متعلِّم اللغة, وبعضها راجع إلى طبيعة اللغة كلّ لغة وما فيها من مستوياتٍ تواصليّة وتداوليّة, وهل يتعيّن على برامج تعليم اللغة العربية لغير أهلها استبعاد كل ما يتّصل باللغات أو اللهجات الدارجة بسببٍ, آمل أن تتلمّس الورقة إجابة لذلك.

وكلّ ما نعرفه في درس العربية لأبنائها, ولغيرهم هو مستوًى واحد, لا تعدّد فيه ولا تنوُّع, ومن المبشِّرات أننا أصبحنا نسمع دعوات تنحو منحى التنوّع والتعدُّد في تقديم العربية لراغبيها.

فهل ما نحن عليه من درس العربية, ملزم لنا بأن نعضّ عليه, ولا نفكِّر بغيره, وهل يحرِّم علينا أن نراجع منطلقات درسنا للغة، فنمتنع عن التفكير بدرسها بمنطلقات أخرى, مثل درسها بمفهوم اللغة لا بمفهوم النحو، والنحو نظام من أنظمة من أنظمة اللغة، في حين أن اللغة مجموع الأنظمة اللغويّة، وأن ندرسها باعتبار أنها إبداع، لا مجرّد تلقين, واللغة من أظهر وأبرز مواطن ظهور الإبداع, وأن ندرسها بحكم أنها حاجة وضرورة, ولا بدّ لمريدها من الاحتيال وبذل ما يمكن للحصول عليها, أو على الحدّ الأدنى منها.

********

ثلاثة منطلقات للتنوّع، هي:

1- التنوّع اللهجي, وهو راجع إلى مستويات اللغة, وهو تنوّع معروف من قديم, ومن المعلوم أن النحو وأنظمة اللغة الأخرى من صوت وبنية وتركيب ودلالة, قام على أساس التخيُّر, من لغات العرب بناء على أصول مضبوطة, وبناءً على تقويم لغات القبائل, واستمرارها في المحافظة على السليقة العربية, ومن ثمَّ كان اختيار النحاة للقبائل التي تسكن وسط الجزيرة العربية, فجعلوا لغتها نموذجًا, ولم يلتفتوا إلى لغات العرب الأخرى, فإن ورد لها ذكر فهو من قبيل التدوين والتاريخ لا لغرض بناء حكم نحويّ عليها, ولا للاحتجاج بها, وقد أباح النحويُّون التنوّع في هذه الحدود.

من المعروف المسلّم أنّه لم تكن في بلاد العـرب لغةٌ واحدة هي المسمّاة الفصحى ، بل كان إلى جانبها لُغاتٌ ، حكى أهل العربيّة ، وجامعو اللغة شيئًا من أفرادها ، وبعضًا من خصائصها ، وطرفًا من ظواهرها ، وهذه اللغات لم تَمُتْ كما يخيّل إلى البعض ، بل بقيت لها بقيَّةٌ ، ارتحلت إلى أطراف البلاد التي فتحها الفاتحون العرب ، وتلقّفها أهل تلك الأقاليم ، كما بقيت منها بقيّةٌ مع من بقي في بلاد العرب ، مهد العربية ، وهذا أمر طبيعيّ ، وهو ظاهر لكل من يقف متأمِّلًا لُغة العامة ولغة الشارع ، ولغة الخطاب اليومي ، ولغة كبار السِّنِّ ، بل كانت هناك ظواهر قال عنها الأقدمون : إنّها خاصة بقبائل معيَّنة ، واتسع نطاق هذه الظواهر ، وذاعت وشاعت حتى غدت غالبة على لسان العرب في جزيرتهم ، من مثل الإتباع في نحو " شِعير وبعير وبِعيد " وكانت في الأصل لغة تميم من العرب ، ومن مثل كسر حرف المضارعة المسمَّى تلتلة بهراء ، والأمثلة ظاهرة مشتهرة ، وبظهورها نستغني عن تتبعها وسردها .

قضيّة اختلاف العرب ليست محلّ جدلٍ أو خلاف ، وكان هذا مدعاة لبعض العرب أن يقرأ القرآن على لغته ، كما حكي عن رؤبة أنّه قرأ " جفالا " باللام بدل الهمزة ، من قولهم : « جفلت الرِّيحُ السَّحابَ : إذا حملتْه وفرَّقته ، وعن أبي حاتمٍ ، لا يُقْرأ بقراءة رؤبة ؛ لأنّه كان يأكل الفأر ، بمعنى أنّه كان أعرابيًا جافيًا . وعن أبي حاتم أيضًا لا تعتبر قراءة الأعراب في القرآن. ( السيرافي / أخبار النحويين البصريين ص 91 ) .

وكان من أثر عمل الجامعين الأوائل أنّهم حصروا اللُّغة النّموذجية بلغة قبائل معيّنة ، حتّى قال ابن قتيبة : « العرب لا تروي شعر أبي دُؤادٍ وعديّ بن زيد ، وذلك لأنّ ألفاظهما ليست بنجديّة » (عبدالله بن مسلم بن قتيبة / الشعر والشعراء / تحقيق أحمد شاكر / دار المعارف بمصر / سنة 1966م ص 237 ـ 240 ).

ولسائلٍ أن يسأل : ما صورة الفصحى التي كان العربيُّ يتكلَّمها ؟ أهي الفصحى التي تجري على ألسنتنا الآن ، وألسنة أهل العلم والثقافة ، وعلية القوم ، أم أنها لغة أخرى ، تختلف عنها ؟

إنّ متكلَّمًا اليومَ لو تكلّم فقال : « القُرَان » بدون همز لازدرته الأعين ، وقالت : كيف يتكلّم بلسان العامّة؟ وقد غاب عنهم أن هذه لغة قريش أفصح العرب ، ولو أنّ متكلّمًا وقف بهاء السكت لاستنكِرَ ذلك عليه ، وقيل فيه ما يُقالُ ، وغفلوا عن أنّ هذه لغة هذيل ـ وهي من أفصح القبائل ، وتجاور قريشًا ـ وما زال صبيتهم يتكلمون بها إلى اليوم ، فكيف إذا تكلّم بكثيرٍ ممّا نتكلّم به اليوم من مفرداتٍ ما زالت حيَّةً في لغة الجزيرة ، والمعجم . ولكن لا ملامة ، فالصورة المصنوعة عن الفصحى هي التي أحدثت مثل هذا !

   ولو سُمِع شخصٌ يقول : السلام علاكم ، والباضاء لاستنكر عليه ، وعُدَّ خارجًا عن سنن العرب ولغتهم ، على الرغم من ثبوتِ هذه اللغة ونسبتها إلى قبائلَ معروفةٍ ، حُكِيَ عن قومٍ من العرب « لداك ، وإلاك ، وعلاك » في « لديك وإليك وعليك » فلم يقلبوا الألفَ ياءً مع المضمر في « علاهـنَّ ، وعلاها » وفي المثنى أعني « حقواها » وكان القياسُ « عليهن ، وعليها ، وحقويها ... » يُشير إلى :

                             أيُّ قلوصٍ راكبٍ    تراها                طاروا عليهنَّ فَشُلْ علاهـا

                           واشدد بمثنى حَقبٍ حَقْواها                   ناجية        وناجيًا     أباها

(عبدالقادر البغداديّ ( ت 1092هـ ) / خزانة الأدب / تحقيق عبدالسلام هارون / الهيئة المصرية العامة للكتاب / 1399هـ ـ 1979م /7/113) .

إنّ هناك فئاتٍ تنتحل الفصحى ، وتفاخر بها ، تزدري العامية ، وتحتقرها ، وترى أنَّ كُلَّ ما فيها رجسٌ من عمل الشّيطان ، فيحملهم ذلـك على تكلّف ما لا يقبل ، ويجعل في قولهم الشطط ؛ لأنّ حكمهم يعمِّم الأشياء المستهجنة ، والأشياء المستحسنة من العامية ، فينكرون ألفاظ العامة ، وتراكيبهم ، وأساليبهم ، وفكرهم ، وفي فكرهم وأقاصيصهم وأمثالهم من الخبرة ما لا يزيد عليهم غيرهم شيئًا ، فلماذا يُطرح مثل هذا ويزدرى ؟!

إنّ هناك حربًا خفيَّةً على الفصيح من كلامنا ؛ لأنّنا عزمنا على أنْ نتعلَّم ما صُوِّر لنا ، وقِيل : إنّه الفصحى ، ونحن منبتُ الفصحى ، وأهل الفصحى ، وأَحَقُّ بها ، لا أعني الفصحى المتكلّفة ، وإنّما الفصحى التي تُكوِّنُها البيئةُ ، وتمكِّنها السليقةُ ، ويُنمِّيها الأَخْذُ الحيُّ الفاعل ، وقد قرأتُ قبل مُدَّةٍ في جريدة الرياض مقالة للأستاذ أحمد أبو دهمان على هذه الفكـرة ، فقال : كنّا نُسمِّي [ المدرسة ] المعلامة ، فسموها المدرسة ، وكُنَّا نقول : المسراح والمراح ، فعلّمونا الذهاب والإياب ، وكُنَّا صبيانًا ، فأصبحنا تلاميذ, وتحملنا عنف القطيعة مع لغة القرية ... تلك الكلمات المملوءة بالحياة. وفي يومٍ بائسٍ قرَّر المدير أن يُسَمِّيَ كُلًا منا طالبًا، وجمعها طلبة، وطلاب، واستسلمنا لهذا القرار، ولم نخبر آباءنا بهذه التسمية الكارثة، لما لها من معنىً غير سائغ في لسانهم، وقد حاولوا مقاومة هذا القرار فخاب مسعاهم » (جريدة الرياض / عدد (10854) الجمعة 15/11/1418هـ / أحمد أبو دهمان . مقالة بعنوان " تعريب الفصحى " ).

ممّا وسَّع دائرة العامية اعتماد اللغويّين معيارًا واحدًا جعلوه مقياس الخطأ والصواب ، حتّى إنّ المتكلّم في العصور المتأخرة ـ وعصرنا منها ـ لو تكلّم بذلك الوجه ، أو تلك السَّبيل على طريقةٍ من طرائق العربيّة التي تعدُّ آنذاك طرائق مقبولة سائغة ، لعدُّوه لحنًا من القول ، وعيبًا في المنطق .

لو تكلَّم متكلّمٌ بالمنوَّن المنصوب على طريقة ربيعة بالإسكان لعدّوه عيبًا ، ولو تكلّم بالمنوَّنِ على طريقة الأزد بإشباع الحرف بما يجانِسُ حركته لكان عيبًا .

هذه المعيارية الصارمة أَفْسَحت في مجال العامية ، وجعلت لها ميدانًا مترامي الأطراف تجولُ فيه كيف شاءت وتصول . في حين تلقّى النحاةُ لغاتٍ أخرى ، وجعلوها سائغةً في الاستعمال ، ومن حقِّ المولّدين والمحدثين أن يستعملوه كأيِّ لغةٍ فصيحة ، مثل القول عند سليم .

وهذا الأمر في حال قبوله أو رفضه يدعونا إلى إعادة النظر في موقفنا تجاه الخلاف اللغويِّ بين العرب ، ويدفعنا لى التوسُّع في قبول هذا الاختلاف ، واستعماله ، وجعله داخل النطاق الصحيح ، وفوق العتبة الدنيا من المقبول السائغ ، وهو أمر يجعل المستعمل في سعةٍ من أمره ، لا يلحقه لومٌ أو تثريب .

*********

2- التنوّع بحسب مستوى الكلام, أو مستوى النصَّ: تواصلي, وتداولي بنوعيه: الثريِّ وغير الثريِّ, وهذا التصنيف لا تنفرد به لغة دون لغة, ولا تختصّ به لغة دون لغة, فهو ظاهرة من ظواهر اللغات المشتركة, وحين يرغب شخصٌ ما في دراسة لغةٍ ما فلا بدّ من معرفة ما يريده من هذه المستويات الثلاثة, فليس من الحكمة أن نلزم راغبي اكتساب اللغة في مستوًى واحد.

اللغة من مشتركات الحياة؛ إذ الناس بل مستعملوها فيها على درجة سواء من ناحية الإتاحة، ولكلٍّ منهم أن يتعلّم منها حسب حاجته، وأن يكتسب منها حسب طاقته، ولأهل اللغة كما لطلابها تلمّس الحاجة والطاقة، وفي اللغة ثلاثة مستويات، كما أسلفنا، وليس مستوًى واحدًا كما هو جارٍ في درس العربية :

أولها: المستوى التواصلي ، ونقصد به ما يؤدِّي غرضًا آنيًّا محدودًا بالزمان والمكان وأطراف الخطاب، ولا يقبل التدوين لعدم الحاجة إلى تدوينه ، وهو معظم كلام البشر، بحيث لو قلنا : إن أكثر من (99% ) من الكلام وما يدور من لغة وكلام وحديث وحوار هو من هذا المستوى، ولا يرقى إلى المستوى التداولي، وهو غير ملائم للكتابة، وهو بحكم آنيّته، يتطلّب شيئًا من اليسر والسهولة والاقتصاد، ولا يلتزم بقواعد اللغة بقدر ما يلتزمه من نجاح في الأداء والفائدة، وكل ما يجري على ألسنة الناس من حديث المجالس والفكاهة والطرفة بل لغة المدرس في فصله داخل في هذا المستوى، وهو يمثِّل كلام الناس العفويّ، وكلامهم الفطري على سجيّتهم دون تكلّف، فالمتكلِّم يهمه أن يتواصل مع الآخرين، وأن يفهم ما يريد، باقتصاد وجهدٍ قليل، وبأخصر طريق، وأيسر سبيل، هذا المستوى يراعي المقام ، ولا يتكلف كالمستوى التداولي، وله مزايا، منها: التوسّع في الترخّصات، ومشاركة اللغة المنطوقة للدلالات الأخرى، كالإشارة، وأنها لغة خاصة بمقامها الذي أنشئت من أجله، مثل كلام الفرّاء مع الخليفة، والحوار، ولغة المعلّم، بل أكثرية الكلام ينشأ من أجل التواصل. واللغة التواصلية لغة عفوية ، لا تكلّف فيها، ولا مراجعة لها ولا تنقيح؛ فقد يوظِّف المتكلّم الإشارة باليد حين تقول: زيد، وأنت تشير إليه بيدِك، وفي النداء تشير بيدك، وتقول: تعالَ، أو العكس: تقول: محمّد، وتشير بيدك: أن تعالَ، أو تستغني بالإشارة عن اللفظين تعبيرًا عن المعنيين: النداء، والإشارة،تقول بيدك : أن يا محمّد أقبلْ أو تعالَ. كما يوظّف المكملات الصوتية الأخرى، من نبرٍ، وتنغيمٍ، وتزمين، وتلوين، للتعبير عمّا يريده من معنًى. وهذا مستوى يصلح أن يستعمل في المقامات الخاصة، ثم هو لا يصلح للتداول فيما بعد، وأكثر كلام البشر على هذا المستوى، وهو مستوًى يتميّز بالأخذ في الترخصات، وأن الكلام فيه تغلب عليه العفوية، وأن بعضه يؤدَّى بالصوت وبعضه يؤدّى بوسيلة دلالية أخرى غير لغويّة، مثل الإشارة وحركات العين، وهذا يمكن لنا أن نسميه مستوى المقام أو الموقف الذي يقال في مقام خاص، ويؤدّي غرضًا آنيًّا محدودًا بالزمان والمكان وأطراف الخطاب، ولا يجري عليه التدوين في الغالب؛ لعدم الحاجة إلى تدوينه، ثم هو لا يصلح للتداول فيما بعد، وهو معظم كلام البشر وأكثره ، بل كلّ ما يجري على الألسنة من حديث المجالس والفكاهة والطرفة، بل لغة المدرِّس في فصله من هذا المستوى، ولا يرقى إلى المستوى التداولي، ثم هو مستوًى يتميّز بالأخذ في الترخصات، وأن الكلام فيه تغلب عليه العفوية، ثمّ هو يمثِّل كلام الناس العفويَّ ، وكلامهم الفطريّ على سجيّتِهم، دون تكلُّف، وأن بعضه يؤدَّى بالصوت وبعضه يؤدّى بوسيلة دلالية أخرى غير لغويّة، مثل الإشارة وحركات العين، وهذا المستوى يمكن تحصيله من خلال الإغماس أو الغمر في البيئة التي تتكلّم اللغة على سجيّتها, من دون أن ترجع إلى قواعد مكتوبة, وقوانين محصّلة, وألفاظ مسطورة في معاجم؛ فكلّ مادّتها لغة شفويّة, تتناقلها الأجيال عن بعضها, عن طريق المحاكاة, وتلقُّن لغتهم الأمِّ, والبيئة والمحيط الذي يعيش فيه, وهذا نوع يترفّع عنه أهل العربيّة, ولا يلتفتون إليه, وهم في ذلك قد جانبوا الصواب؛ فكثير من راغبي العربيّة تقف حاجتهم عند هذا الحدِّ, بحكم أنّهم يتعلّمون ما يتواصلون به من اللغة في الحياة اليوميّة.

وثانيها: المستوى المعتاد الذي يعبّر عن المعنى بتحقيق الحدِّ الأدنى من الصحة، وسلامة النظام، بما يوصل الفكرة إلى المتلقِّي، وهو صالح للتداول ، ويمكن تداوله وتناقله في غير المقام الخاص الذي أنشئ من أجله. وهذا: المستوى مستوًى تداوليٌّ، لا يحتاج إلا أساسيات اللغة في مفرداتها التي توظّف في معانيها الوضعية غالبًا، كما لا يحتاج إلى كثير ممّا يرد في كتب النحو من قواعد فرعية، وخلاف، ومعانٍ، كما أن من يكتب بهذا المستوى أو يتحدّث ليس بحاجة لأن يوظِّف إمكانات اللغة التي تخرج عن القياس والمطّرد، وما تدعو إليه ضرورة الإبداع. وطلاّب هذا النوع لا بدَّ من تحديد حاجاتهم ، ولا بدَّ من الرأفة بهم، وعدم تكليفهم ما لا يحتاجون، والاكتفاء بالحدِّ الأدنى من الكفايات اللغويّة، ذات الصبغة العملية، وبإمكانهم توظيفها في استعمالهم اللغويِّ.ومن هذه الفئة طلاّب الأقسام في العلوم الطبيعية والطبية، والعلوم الأخرى، ويمكن أن يسمّى هذا المستوى بمستوى الموضوع.

وثالثها: المستوى الإبداعي: ويمثِّل اللغة العالية التي تجمع مزايا الكلام الجيِّد، في مضمونه، وصياغته،وهو مستوًى ذو قيمة فنية عالية،فيها مقوِّمات أعلى من مقوِّمات اللغة المعتادة، كالشعر،والنثر الفني،وبعض الأنماط الكلاميّة. وهذا المستوى يكون غالبًا في التعبير عمّا في النفس من مشاعر وأحاسيس ووجدان وهو مستوًى أدبيّ يوظّف اللغة توظيفًا خاصًّا ، ويجنح إلى التسامي فوق اللغة العاديّة، في أنظمتها المختلفة من بنية وتركيب، ومن خروج في معانيها عن مقتضى الظاهر. ومن خروج دلالة ألفاظها من حقلٍ دلالي إلى حقل دلالي آخر، ويتمثّل هذا المستوى في الشعر والخطابة، والكتابات الأدبية، وكلّ ما يقصد إلى الجمع بين جودة المعنى ، وجودة العبارة، ويوظف إمكانات اللغة والخيال، وقدرات أخرى.وهذا المستوى له طلابه ، وهم من نوعٍ خاصٍّ، وليسوا كلّ الأنواع والفئات، وهذا النوع أعلى المستويات وأرفعها، ولغة هذا المستوى قابلة للمراجعة والتصحيح والتنقيح، لتخرج بصورة تلائم مستواها التداولي.

إنّ أيَّ لغة ذات مستويات مختلفة، ما بين لغة كتاب، ولغة خطابٍ وحوارٍ، ولغة أدبيّة، ولغة علميّة، ولغات لفئاتٍ مختلفة في قدراتها البيانية، ومكانتها العلمية أو الاجتماعية، هذا شيءٌ لا تخرج عنه العربية، وبعض هذه المستويات ينحلُّ من كثيرٍ من ضوابط الفصحى وقواعدها، ويتسامح فيه خاصَّةً مقام لغة الخطاب اليوميّ، والحياة اليوميّة، وأمّا الأمثال فإنّ أمثال العربية الفصيحة سمتها الخروج عن القواعد، حتّى إذا أعياهم تركيب قالوا: لغةُ أمثال، أو هذا مثل .

وهذا كان واضحاً عند مؤلّفي كتب الأمثال من علماء العربية، نجد ذلك عند أبي بكر بن الأنباريّ ( ت 328هـ ) في كتابه " الزاهر في معاني كلمات النّاس " وقد سبقه إلى ذلك صاحب كتاب " الفاخر " سلمة بن عاصم ( ت 291هـ ) وكان أبو الفضل الميدانيّ ( ت518هـ ) يختم كُلَّ حرفٍ من كتابه بأمثال المولّدين، وفي غير كتب الأمثال نجد أن أبا حيّان التوحيديّ (ت414هـ ) يجمع في كتابه "البصائر والذخائر" شيئاً من أمثال العامة .

وكان التواصل ينحصر في اللغة الشفويّة ، والخطأ الشفهيّ والحوار ، وقد كان هذا النوع يمثِّل نسبة تجاوز ( 99% ) من اللغة المستعملة, ولا مبالغة في ذلك، والتي تصدر عن مستخدمي اللغة، أيّ لغة كانت، بل هناك لغات لا تعرف غير هذا النمط ، ولا تعرف لغة مكتوبة فضلا عن لغة أدبية إبداعية عالية. ثمّ تغيّر التواصل في عصرنا ، وظهرت أنماط صارت تضارع أو تقارب لغة المشافهة، فصار لدينا البريد الإليكتروني، والماسنجر، ولغات المحادثة و الحوار والمخاطبة المكتوبة، كما يجري في غرف المحادثة من خلال الشبكة، من مثل ما يسمونه (الشات)، ولغتها في الغالب لا تختلف عن لغة الخطاب والحوار الشفهي إلا في كتابته في وسيلة أليكترونية، وهذا يفرض على أهل العربية أن يقتحموه؛ ليكون لهم رأيٌ واجتهاد في صناعة لغة تواصل جديدة تتوزّع بين المشافهة والكتابة بالوسائل الأليكترونية، التي هي أشبه بالمشافهة.

وكما يغفل أهل اللغة عن هذا النمط من لغة التواصل يغفلون عن لغة البرامج الحوارية في الإذاعات، والقنوات التلفزيونية، وهي تتطلّب قدراتٍ تواصليّة مناسبة أكثر ممّا تطلبه من إتقانٍ للنظام اللغويِّ، وصحّةٍ في التركيب النحوي.

لا شكّ أنّ الحديث في هذه المقامات التواصلية، بهذه الوسائل ليس كحديث في مستوًى تداولي، سواء كان نصًّا ثريًّا ، أي: أدبيًّا ، أو كان نصًّا محدودًا في لغته ، ومعانيه، وأساليبه، وتراكيبه، ومفرداته. ومن المعلوم أن المستوى التداولي يشمل النوعين؛ إذ التواصلي ما لا يناسب غير المقام الذي ورد فيه. والتداولي ما يصلح لمقامه الذي أنشئ من أجله، وهو صالح لاجتياز الجغرافيا والتاريخ، وتناقله عبر الحدود ، بحيث يصح ويسوغ استعماله في سياقات غير المقام أو الموقف الذي دعا إلى إنشائه.

إن أهمّ شيءٍ في لغة التواصل حنكة التعامل مع الغير، وما من شكٍّ في أهمّيّة التواصل مع الآخرين، ومن أهمّ الوسائل لإنجاح هذا التواصل أن يكون لدى الشخص قدرة على الإقناع والتأثير في الآخرين، وممّا يحسن توظيفه لهذه المهمّة اللغة ومهاراتها، والقدرة على توظيفها، كما ينبغي.

*********

3- التنوّع بحسب الأغراض والوظائف, وهو تنوّع يرجع إلى الفئات المستهدفة, وهذا أمر من معطيات العصر؛ حين فشا الاتصال بين البشر, وكثُرت الخلطة, وتبادل البشر المنافع والمصالح المختلفة, ونشطت حركة السفر للعمل وللسياحة, وتنوّعت خدمة المسافرين, واستدعى هذا تنوّعًا في اللسان, وصار يطلب من الشخص معرفة قدر ولو محدودًا من لغة أخرى, يستطيع به التواصل بحدِّه الأدنى مع الآخرين. ولعلنا لو درسنا النحو أو اللغة على ثلاثة مستويات، كما سيأتي لكان أجدى :

يأتي الطبيب غير العربي للبلاد العربية، ولديه مشكلة التواصل مع مرضاه؛ فقد يكون من العسير أن تجبر الناس على تعلم لغات الأطباء مع اختلافها، وقد يكون من الصعب أيضًا إجبار الناس على الحديث باللغة الإنجليزية، والحل الأيسر هو أن يتنازل الطبيب إلى لغة مرضاه، وهي العربية، فيتعلَّم منها ما يمكِّنه من التواصل معهم، وإفهامهم ما يريد بشيءٍ من كلامهم .

نحن لا نقول: إنه يتعيّن عليه أن يتقن اللغة العربية بقواعدها النحوية والصرفية، ورسمها الإملائي، وخطها الكتابي، مع إتقان أساليبها البلاغية، وفنونها البيانية، ومحسناتها اللفظية والمعنوية، بل علينا أن نتواضع في الطلب، فنطلب منه الحدَّ الأدنى من لغة التفاهم والتواصل بالصفات التي أوردناها في هذا العمل.

كما يأتينا العامل الذي يعيش مع الأسرة العربية، مثل عَمَلة المنازل والخدم والسائقين والمربين ومن في حكمهم، وهؤلاء يعيشون في بيئة عربية صرفة 100% فكيف يتعايش هؤلاء مع البيئة الجديدة ؟ وكيف يتفاهمون ويتواصلون مع أفرادها؟

كما يأتينا العامل الذي يحتِّم عليه عمله التواصل مع الجمهور، وملاقاة العربي، فكيف يتواصل هذا العامل مع جمهوره الذي لا يعرف لغته، كما أنّ كثيرًا منهم قد لا يعرف لغة ثالثة وسيطة كالإنجليزية أو غيرها؟

أيتعيَّن على هؤلاء إتقان العربية كما يتقنها أبناؤها في أصواتها وصرفها ومعجمها وتراكيبها وما يتصل بالكلام من سياقات ومقامات ومكونات للمعنى ومؤسِّسات لجماله، أم أن لهم مع العربية شأنًا آخر؟

الجواب: إن هذا العامل بحاجة إلى تعلُّم العربية بالحدِّ الأدنى من مستواها التواصلي الذي يرفع الحواجز بينه وبين جمهوره، ويحقِّق من خلاله الإفهام والإبانة عمّا يريده بأبسط عبارة و أخصرها، ويؤدِّي إلى الإفهام والتفاهم بالاستعانة بمكملات البيان اللغوي من مقام، وإشارة وصورة ورمز، وحركة جسد بالرأس أو اليد، أو الكتابة، مع استعمال إشـارات ورموز التفاهم البشـري المشــترك الذي لا يميز بين لغة ولغة ، ومتكلِّم و متكلِّم.

ما يجري في برامج تعليم اللغة العربية يعتمد مستوًى واحدًا من التعليم ، ويقصد إلى تأهيل الطالب ليستطيع مواصلة تعليمه الجامعي باللغة العربية . في حين أن برامج تعليم اللغات الأجنبية تعلّم اللغة بمستويات مختلفة ، ولمقاصد مختلفة ، كما تعلِّم اللغة حسب الوظائف .

لدينا في جامعة أم القرى معهد لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، وهو معهد يلتزم طريقة واحدة تهيِّئ الدارس لإكمال التعليم الجامعي بالعربية، ولا تهتم بتلبية مطالب الدارسين المتنوعة حسب الأغراض والوظائف الاجتماعية التي يقصد إليها مستعمل اللغة؛ حتّى إن الطالب ليخرج ليتبضّع من السوق، ويقضي حاجاته اليومية ويفاجئه من يقول له: لماذا تتكلّم بلغة الكتاب، ولماذا طلاب الجامعة من غير العرب كلهم يتكلّمون بلغة الكتاب. مما يصيب الطالب بالإحباط، ويشعره أنه يدرس لغة غير اللغة المرغوب فيها .

إن تأسيس مستوًى تعليمي للغة العربية لغير الناطقين بها يدعونا إلى توظيف بعض مزايا اللغة وترخصاتها في صنع لغة تفاهم تواصل يتم بها التعبير عن الحاجات وإفهام المخاطب بما يريد، مبناها الاختصار، مثل الإضافة لأدنى سبب، كلام تليفون .

ومكوِّنات هذا المستوى هي :

  1. 1) ألفاظ، وأصوات من اللغة الطبيعية.
  2. 2) الرموز .
  3. 3) الإشارات والحركات.
  4. 4) الصور والرموز والمختصرات .
  5. 5) تنوع الرسم الكتابي ما بين عربي ولاتيني ورسوم أخرى.
  6. 6) المشتركات اللغوية العالمية.

سماته :                                                                  

  1. 1.اعتماده على إمكانات متعلّم اللغة الذاتية .
  2. 2.عدم الالتفات إلى مقاييس الصحة والخطأ فضلا عن مقاييس الجودة والفصاحة .
  3. 3.عدم الالتزام بالنظام النحوي والصرفي .
  4. 4.التركيز على الألفاظ المفردة .
  5. 5.التوسع في الترخصات في الأبنية والتراكيب .
  6. 6.الخلط بين اللغة الطبيعية والرموز الدلالية الأخرى، مثل الإشارة والحركات والرموز الدولية .
  7. 7.الاختصار وتوفير جهد المتكلِّم .

فلغته إذن تعتمد على المعجم المبسَّط بالدرجة الأولى .

هذا المستوى يتجاوز ما يلتزمه المستوى التداولي الذي يحرص على الالتزام بالنظام النحوي والصرفي، وأداء المعاني، والتفاوت البلاغي في أدائها، أمّا هذا فقد يكتفي بالمعجم وألفاظه بسيطة الدلالة .

"أغفلت معظم دراساتنا اللغوية جوانب استخدام اللغة وظيفيًا، بمعنى استخدامها في مسار الحياة الواقعية، استخدامها في إبداء الآراء والدفاع عنها، وفي عمليات التبادل والتفاوض والتراسل والتهاتف، وهلم جرًّا، يتضح ذلك بصورة سافرة في ضعف مهارات الاتصال لدى الغالبية منا، كتابة وقراءة وشفاهة واستماعا، وليس هذا _ حتما_ نتيجة قصور في العربية؛ فهي تمتلك العديد من الخصائص والأدوات التي تؤهلها لتكون لغة حوار فعّالة، إننا ما زلنا أسرى اللغة المكتوبة غير ملمين بالعلاقات اللغوية والتداولية والمقامية، التي تربط بين أدائنا الشفهي وأدائنا الكتابي، ويتجلّى ذلك _ بوضوح _ في أساليب حوارنا وتفاوضنا". (الثقافة وعصر المعلومات ص239) التي تأخذ سمتًا واحدًا، وتظهر بصورة واحدة قد يخالطها شيء من التقعّر والتكلّف .

فما المقصود بالتواصل في حدّه الأدنى؟

نقصد به ما يؤدِّي غرضًا آنيًا محدودًا بالزمان والمكان وأطراف الخطاب ، ولا يقبل التدوين لعدم الحاجة إلى تدوينه ، وعدم قابليته للتدوين أحيانًا ، ولأنه محدود في زمانه ومكانه وأطرافه ، وغرضه . وهو معظم كلام البشر ؛ بحيث لو قلنا : إنه يمثِّل نسبة عالية جدًّا من كلام مكتسبي العربية لغة ثانية, وما يدوّن ممّا يصدر منهم من لغة وحديث وحوار هو من هذا المستوى ، ولا يرقى إلى المستوى التداولي .

وهو بحكم آنيته يتطلب شيئًا من اليسر والسهولة والاقتصاد في الكم والجهد العضلي، والكلم والأصوات وطبيعتها، ولا يلتزم بالقواعد النحوية والصرفية بقدر ما يلتزمه من نجاح في الأداء والفائدة .

وكل ما يجري على ألسنة الناس من حديث المجالس والفكاهة والطرفة بل لغة المدرس في فصله داخل في هذا المستوى .

وهو يمثِّل كلام الناس اللغوي وكلامهم الفطري على سجيّتهم دون تكلف؛ فالمتكلِّم يُهِمُّه أن يتواصل مع الآخرين، وأن يفهم ما يريد باقتصاد وجهد قليل عليه وعلى المتلقِّي، و بأخصر طريق، وأيسر سبيل، هذا المستوى يراعي المقام، ولا يتكلف كالمستوى التداولي.

وهذا المستوى الذي نتحدّث عنه, وهو نوع خاصٌّ من المستوى التواصلي, بل هو أدنى من تواصل أهل اللغة الواحدة باللغة الأمّ, وهو في الغالب شفاهي، وغير قابل للتدوين الكتابي، وهو مرتبط بمقام يفرض أحكامه وإرادته على المتكلم .

إن المستوى التداولي هو طريق خلود الكلام أو النصِّ، فإذا أردنا لكلامنا الخلود وتجاوز حدود الزمان والمكان والمقام فلا بدَّ لكلامنا من هذا المستوى، أمّا إذا كنا لا نقصد إلا إلى مجرَّد الإفهام والتواصل فلسنا بحاجة لجهد لا داعي له .

ولسائلٍ أن يسأل عن الوسائل التي يمكن أن يقدَّم بها هذا المستوى، فيقال:

1-    التسجيلات الصوتية .

2-    الوسائل التقليدية .

3-    الكتاب .

4-    الحاسوب .

5-    المواقع الإليكترونية .

6-    النشرات الخاصة، وكتيِّبات الجيب .

7-    الدورات القصيرة .

8-    الفصول الطبيعية، والافتراضية .

9-    المواقف الطبيعية في الحياة .

((وإذا كان الأمر كما تقدم، فإن تعليم اللغة الأجنبية ينبغي أن يعتمد المقاربة التواصلية ومنهج الإغماس. والمقصود بالمقاربة التواصلية إيلاء الأسبقية أثناء تعليم اللغة الأجنبية للوظيفة التواصلية على القواعد النحوية. والمقصود بمنهج الإغماس، وضع المتعلم في محيط لغوي تعليمي يماثل ـ قدر الإمكان ـ المحيط اللغوي الطبيعي للغة المتعلَّمة([10]).)) من مقالة بعنوان "تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها من منظور وظيفي" لعز الدين البوشيخي / موقع المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم

ولسائل أن يسأل عمّن يحتاج إلى مثل هذا المستوى، ليكون من جوابه أن هناك فئات تحتاج إليه، أو تكتفي به لتحقيق الحدِّ الأدنى من التواصل والإفهام؛ إذ يكفيها إلى جانب لغتها الأصلية استعمال قليل من العربية بالصفات التي أوردناها، ومن هذه الفئات :

  1. 1.موظفو الطيران في مكاتب الخدمات، والمطارات التي يرتادها العرب .
  2. 2.مضيفو ومضيفات الطائرات التي تقصد وجهة عربية .
  3. 3.موظفو الفنادق والمطاعم، من موظفي استقبال وندلة، ومحاسبين، وخدم .
  4. 4.موظفو البنوك .
  5. 5.الأدلاء السياحيون .
  6. 6.العمالة التي تعمل لدى العرب .
  7. 7.الأطباء الذين يعالجون العرب .
  8. 8.بائعو المتاجر الذين يتعاملون مع فئات عربية .
  9. 9.السائح في البلاد العربية .
  10. 10.الحاج والمعتمر .
  11. 11.العربي إذا اضطر لهذا المستوى مع غير العربي .

نموذج من مستوى سهل في التواصل والتخاطب والإفهام :

من المعروف أن مكة يقصدها حجّاج ومعتمرون من العالم الإسلامي يتكلّمون لغات مختلفة، وليس في هؤلاء من يحسن العربية أو يتمكّن من توظيف العربية في الإفهام والاتصال إلا القليل أو النادر، فكيف يتعامل معهم من يقدِّمون لهم خدمات الحج والعمرة، أو الحاجات التي يحتاجون إليها من بيع وشراء، وسكن وطعام، وخدمات أخرى؟

أنت تأتي إلى صاحب المتجر الصغير حول المسجد الحرام في مكة، أو بجوار المسجد النبوي في المدينة، تراه لا يعيا بالتفاهم مع الفارسي في البيع والشراء، وإمكانية خفض السعر، ثمّ تراه يتفاهم مع التركي، ثم مع الهندي والباكستاني ، ثم مع الماليزي والأندونيسي والفيلبيني ، ثم مع الإفريقي _ وهم أي : الأفارقة _ ذوو لغات شتّى، فتتحيَّر كيف لمثل هذا التاجر أو العامل البسيط الذي لا يكاد يعرف القراءة والكتابة، بل إن كثيرًا منهم أتى من أرياف بعيدة، وهو حديث عهد بمكة، وقد يكون آتيًا من جبال اليمن، أو صحارى الجزيرة، أو من بلاد أخرى غير العربية .

لو كان عند هؤلاء عقدة ألاّ يتكلّموا إلا بكلام صحيح سليم تتحقق فيه القيم التداولية لما استطاعوا أن يتواصلوا مع هذه الأجناس؛ إنهم في حقيقة أمرهم لا يعرفون من تلك اللغات إلا ما ينفِّق سلعتهم ويعينهم على أداء مهمّتهم، وتسويق بضاعتهم من أرقام، وألفاظ معدودة، يؤدِّنها دون التزام بقواعد البنية والتراكيب، بل هي أشبه بكلمات معجمية يرصّونها إلى جانب بعض، دون التزام بقواعد اللغة والبنية والتركيب، والأمور البلاغية .

ألا يمكن للعربية أن تفكِّر بتقديم برامج تؤدِّي هذا الغرض ، وبهذا المستوى أو أفضل قليلا .

هل لدى العربية كتيبات تخدم السائح غير العربي، أو الحاج والمعتمر بلغة هي من مستوًى سهل يسير يكتفي بتحقيق الحدِّ الأدنى للتواصل والإفهام، من غير تطلّع لتحقيق مستوًى تداولي راقٍ .

هل كان لهذا النمط فيما مضى من عصور العربية وجود؟

الجواب: إن هناك من يتصوّر صورة هي أقرب للخيال؛ إذ يتصوَّر أن اللغة الفصيحة أو الفصحى هي السائدة في الحياة اليومية في العواصم والأقاليم الإسلامية ، نقرأ في أحسن التقاسيم للمقدسي وصفًا للغات الأقاليم والمدن الإسلامية في القرن الرابع، فيظن البعض أنه يصف لغة الشارع ولغة الحياة اليومية، والأمر ليس كذلك؛ إذ كان المقدسي يصف لغات أهل العلم والبيئات العلمية ومن يتّصل بها، وكذلك الحال حين يتحدّث مصنِّفو لحن العوامّ ولحن الخاصّة؛ إذ لا يقصد منه لحن أهل الشارع ولغة الحياة اليومية التي يدير بها الناس أمور حياتهم، بل المراد لغة أهل العلم والمنتسبين إليه، والمتّصلين به بسبب من الأسباب .

لو ألقينا نظرة على ما كتبه يوهان فك في كتابه" العربية: دراسة في اللغة واللهجات والأساليب" لوجدناه يصف أنماطًا من اللغات واللهجات، يهمّنا منها وصفه لـ"اللغة الدارجة التي كانت تتفاهم بها الطبقات الوسطى والدنيا من سكان المدن ، منذ نشوئها في عصر الفتوحات الإسلامية الأولى ، تعدّ عربية مولّدة في نظر التاريخ اللغويّ" ص109 وقد ذكر أنّها تتميَّز عمّا يسمّى العربية الفصحى "بطائفة من السمات والخصائص المشتركة في المادة الصوتية، وصوغ القوالب، وتركيب الجمل، والقواعد النحوية، والثروة اللفظية، وطرائق التعبير، فمادتها الصوتية تشير إلى طابع معيَّن من التيسير والتسهيل" ص111 ولهذه اللغة الدارجة سمة أخرى هي "أنها كانت في المناطق الآرامية ذات جرس يختلف عنها في فارس، وفي مصر، وغيرها من شمالي أفريقية" ص112 وفي هذه اللغة ألفاظ غير عربية تسللت إليها من اللغات الأخرى بل هناك عبارات من تلك اللغات. ينظر العربية ص190

وهذا الاختلاف لا يخرجها عن كونها عربيّة، وإن لم تكن النموذج الرفيع. بل إنني أزعم أن هناك لغة أدنى درجة من هذه, وهي اللغة التي تتواصل بها الفئات, التي تقدّم ذكرها من غير العرب مع العرب, وهي لغة يتواصل بها المجتمع العربي مع غير العرب من قديم, وقد حفِظ التاريخ, وكتب التراجم والأخبار نماذج من كلامهم, وتتحقّق في هذه اللغة (أو المستوى من اللغة) السمات التي أوردناها فيما تقدّم .

وختامًا: بعد هذا العرض يمكن لنا أن ندعو إلى:

  1. 1) الخروج على النمطية المعتادة في تعليم العربية التي تعتمد اختيار كتب تراثيّة وتدريسها, مع إهمال معطيات العصر في التواصل والتقنية والأغراض ووسائل تعليم اللغات وطرقها.
  2. 2) تنويع طرائق ومستويات تقديم اللغة العربية لطالبيها, كما هو الحال في تعليم اللغات الأخرى, بحس مستويات اللغة, وبحسب مستوى الكلام, وبحسب مستوى الفئة المستهدفة وطالبيها.
  3. 3) إعداد برامج ميسّرة لتعليم العربية لأبنائها, وللناطقين بغيرها, والإفادة من التقنيات الحديثة. تمّت, والحمد لله ربّ العالمين.

Air Jordan 33 XXXIII

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: