مقدمة الأزهري لكتابه تهذيب اللغة بين منهجين: منهج البحث ومنهج التصنيف، قراءة تحليلية

الفكرة والملخص:

أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي،: أحد الأئمة في اللغة والأدب، مولده ووفاته في هراة بخراسان. نسبته إلى جده «الأزهر» عني بالفقه فاشتهر به أولا، ثم غلبت العربية، فرحل في طلبها وقصد القبائل رغمًا عنه, وتوسع في أخبارهم.شهِر بكتابه "تهذيب اللغة" واسم الكتاب بما يوحي به عنوانه، نحا نحو التنقية، وإثيات ما صحّ لديه, وللكتاب مكانته بين معاجم اللغة العربية, لما ألزم به مؤلِّفه من التزام الصحّة فيما يدوِّنه فيه, قال عبد السلام هارون: ((تعدّ مقدّمة التهذيب من أهمِّ الوثائق في تاريخ التأليف اللغويِّ, وتاريخ المدارس اللغويّة الأولى)). (مقدمة التحقيق ص17), وقد صدّر كتابه بمقدِّمة مازته عن المعاجم, وفيها:

تقويم الأعمال السابقة. ومقاصد التأليف ودوافعه لديه. والحاجة إلى مثل هذا العمل, ومنهج جمع المادة. ومصادر المادّة(الرواية المباشرة عن العرب, الرواية عن علماء اللغة ورواتها). وتقويم تلك المصادر والمرويّات. ومنهج تصنيف المادة. وفي سبيل هذا عمل الأمور التالية:

1) الاطلاع على الأعمال السابقة.

2) عملية الفرز , وتنقية المادة اللغوية.

3) مصادره وتقويمها. (توثيق المادة الصحيحة، وتحقيقها, والحديث عن مصادره).

4) اختياره تصنيف المادة اللغوية وفق تبويب وترتيب الخليل بن أحمد الذي دوّنه في مقدِّمة العين.

أهمّ الفوائد التي نجنيها من المقدمة:

1) إيراد المصادر.

2) تقويم مصادر المادّة العلمية. وهذا العمل سيبعد عنّا ظاهرة التزيّد من المصادر, وعدم التمييز بينها حسب قيمتها وأهمّيّتها, وهي مختلفة متفاوتة, وسينقلنا من ظاهرة إفراغ محتويات المكتبات الشخصية من أسماء الكتب, وعناوين البحوث في آخر كل عمل نقوم به, أو كل قائمة نذيِّل به إنجازاتنا علمي.

3) بيان الفئات المستهدفة , وربط العمل وخطابه بما تريده هذه الفئة, وهذا يرتِّب علينا أن لا نحاسب مؤلِّفًا ولا كاتبًا من دون أن ننظر إلى الفئة المستهدفة, والجماعة المخاطبة بالعمل.

*******

مقــدِّمة:

من غرائب الموافقات أن تحدّثت إليكم في المرّة الماضية في ندوة "مركزية الجاحظ في الثقافة الإنسانية "عن "أوَّليّات وإبداعات الجاحظ اللغويّة"، وأن أتحدّث إليكم في هذا المقام عن الجاحظ في سياقٍ آخر؛ إذ ذكره أبو منصور الأزهري واحدًا من فئةٍ, حذّر من قبول مرويّاتهم, وسطر أقوالهم, والاعتداد بما دوّنوه عن غيرهم في اللغة؛ إذ يقول: ((وممَّن تكلم في لغات العرب بما حضر لسانَه وروى عن الأئمة في كلام العرب ما ليس من كلامهم: عمرو بن بحر المعروف بالجاحظ: وكان أوتيَ بسطةً في لسانه، وبياناً عذباً في خطابه، ومجالاً واسعاً في فنونه، غير أن أهل المعرفة بلغات العرب ذمُّوه، وعن الصِّدق دفَعوه. وأخبرَ أبو عُمر الزاهد أنه جرى ذكره في مجلس أحمد بن يحيى فقال: اعذِبوا عن ذكر الجاحظ فإنه غير ثقة ولا مأمون)). [مقدمة التهذيب 1/30] . فهل معنى هذا أن الجاحظ غير صالح للدرس اللغويّ, والجواب: لا, لا يلزم, فأبو حنيفة أحد الأئمّة الأربعة,ويمثِّل مدرسة فقهيّة, وهو صاحب مذهب له أتباعه, وإن كان عند المحدِّثين رجلا آخر, والأصمعي عند أهل اللغة إمام, وإن كان في قياس اللغة من نحو وصرف دون ذلك, والإمام عاصم أحد القرّاء السبعة, وإمام في الإقراء, وإن كان عند المحدّثين صدوقًا, أو ما يقارب هذه الدرجة, وليس المأخذ على شخص في جانب بمسقطه في سائر الجوانب؛ فالعالم قد يتميّز في علم, ويكون في غيره دون التقدمة، أو الصدارة, وهذا لا يضيره, ولا يغضّ من قدره فيما تقدّم فيه.

والمقدّمة للمعجم تكاد تكون من لوازم التصنيف في المعجم, سبِق إليها الأزهريّ إليها، وسار على طريقه من جاء بعده, ولا يكاد يخلو معجم من مقدمة, قصرت أو طالت، فالمصباح المنير في غريب الشرح الكبير للفيومي كتب له مؤلّفه مقدمة, كما كتب له خاتمة لها أهميتها وقيمتها العلمية, وكتب فيها شيئًا مما يكتب في المقدِّمات.

المقدمة أو ما يسمّى عتبة النص – إذا كانت من عمل المصنّف- يجب أن تكون هي الإطار الذي يفهم النص في سياقه, وهي الموجِّه لفهم مقاصد المؤلّف, وما يلزمه في تصنيفه, ومن هنا تأتي أهمّيته, لو التزم المؤلِّف الإيجاز والتلخيص لا يؤاخذ بترك التفصيلات والإخلال ببعض ما لا تدعو إليه ضرورة من أجل التلخيص, فابن ولاد لمّا ألف كتابه المقصور والممدود قصد إلى تعداد الألفاظ, ولم يقصد إلى شرحها, فليس لنا أن نستدرك عليه تفصيلات وشروحًا لا تلزمه, ولا أن نلزمه بغير ما التزم, ولو اشترط الصحة, كالبخاري في صحيحه, ليس لنا أن نطالبه بإيراد كل الأحاديث, وإن لم تكن صحيحة. وكثير من النصوص التي نشرها بعض المنتسبين لصنعة التحقيق، أساءوا إليها من حيث قصدوا الإحسان, وغالب الظن أنهم لم يأخذوا مقدمة المؤلف التي رسم فيها خطته،والمنهج الذي التزمه, والغاية التي صنّف عمله من أجلها, ولا استوعبوا مقاصده كما ينبغي.

ولدينا في تراثنا مقدّمات تعدّ إبداعًا علميًّا تضيف إلى المعرفة, وتؤسِّس لقواعد كليّة لموضوع الكتاب الذي تتصدّره, وقد كان لي تجربة في دراسة بعض هذه المقدمات أو عتبات النص مع طلابي في برنامج الدكتوراه في مادة "نصوص في اللغة والنحو والصرف"وتقرير بعضٍ منها تحليلا ودرسًا, ومن هذه المقدّمات: مقدمة كتاب الوافي بالوفيات: لصلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي (المتوفى: 764هـ) وهي مقدمة حافلة, تقع في أحد عشر فصلا تنيف على ثلاثين صفحة, بحثت قضايا مهمة في الأعلام, وضبطها , وأمور تتعلق بالتاريخ وكتبه المتنوِّعة. ومقدمة تاج العروس من جواهر القاموس لمحمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (المتوفى: 1205هـ) صدّر كتابه بمقدمة طويلة غير مقدمة الفيروزآبادي للقاموس. ومن المقدّمات الجيّدة مقدّمة ابن سيده لكتاب "المحكم" وهي مقدمة طويلة, فيها فوائد وكليّات مفيدة.

وليست كل المقدّمات يكتبها المؤلّفون, فهناك مقدمات كتبها قارئو النص من محققين, ومعجبين, وناقدين، وهذه لا تهمّنا في هذا المقام, ومن المقدّمات مقدّمات ذات قيمة علمية كبيرة، وقد تكون بمثابة خطة المشروع أو المدخل إليه كما أن هناك مقدّمات ليس لها أهميّة علمية, إذ لا تعدو نمطًا تقليديًّا,أو تقريظًا يستفيد منه المؤلّف, وقد يخدع القارئ, أو تسلية يسرق بها المؤلّف وقت القارئ, وهذه لا تهمّنا أيضًا.

وقد استهوت التسمية بعض المؤلِّفين في العلوم الإسلامية والعربية، فسمّى ابن الصلاح كتابه في علوم الحديث المقدّمة, كما فعل ذلك ابن خلدون(ت832) وابن النقيب الذي كتب مقدمة التفسير التي طبِعت أول الأمر معزوّة لابن القيِّم باسم الفوائد, كما كتب في هذا العصر جمال الدين القاسميّ الدمشقي مقدمة في مجلد, صدّر بها كتابه في التفسير "محاسن التأويل ".

*********

كلمة عن الكتاب ومقدّمته ومؤلّفه:

وكتابة مقدمة للمعجم العام أمر شائع, معروف تتابع عليه بعض مصنفي المعاجم, فلم يخلُ منها كتاب "العين" للخليل بن أحمد ، فله مقدّمة في ثلاث عشرة صحيفة, ومثله الجمهرة لابن دريد له مقدمة في أربع عشرة صحيفة, ولم يكتب ابن فارس في معجميه ((المجمل , والمقاييس)) مقدمة طويلة, وإنما كتب مقدمة مختصرة, عن فكرة الكتاب ومصادره وأصول مادّته, ولم يكتب الجوهري في مقدمته سوى بضعة أسطر, بل بعض من انتقدهم الأزهري في كتابه ومقدمته لم يخلوا كتبهم من مقدمات ، وعلى رأس هؤلاء أحمد بن محمد البشتي, ففي حين يكون تصدير المعجم ليست فكرة امتاز بها عن غيره من المعجميين ، تبقى له ميزة القيمة العلمية؛ فمقدمة تهذيب الأزهري نصٌّ نادر، قل أن نجد له نظيرًا في تراثنا؛ إذ هو مدخل لكتاب أو معجم قل مثله, وعزّ نظيره, باعتراف أهل العلم، يقول ابن منظور: ((وَلم أجد فِي كتب اللُّغَة أجمل من تَهْذِيب اللُّغَة لأبي مَنْصُور مُحَمَّد بن أَحْمد الْأَزْهَرِي، وَلَا أكمل من الْمُحكم لأبي الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن سِيده الأندلسي، رحمهمَا الله، وهما من أمّهات كتب اللُّغَة على التَّحْقِيق، وَمَا عداهما بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا ثنيَّات للطريق. غير أَن كُلًّا مِنْهُمَا مطلب عسر المهلك، ومنهل وعر المسلك)) [لسان العرب 1/ 7] ولم يشأ الأزهري أن يجعل القيم التي ساقها في مقدّمته خاصة بكتابه، بل جعلها نبراسًا وميزانًا لفحص ما يروى من اللغة عن طريقه, وهو صالح لما كان نحوه من مرويات غيره, فقال بعد كلامه عن الليث بن المظفَّر: ((ومتى ما رأيتَني ذكرت من كتابه حرفاً وقلت: إني لم أجده لغيره فاعلم أنَّه مُريب، وكنْ منه على حذر وافحصْ عنه؛ فإن وجدتَه لإمام من الثقات الذين ذكرتُهم في الطبقات فقد زالت الشُّبَه، وإلاّ وقفتَ فيه إلى أن يَضِحَ أمرُه)). [مقدمة التهذيب1/29]. ومقدّمة التهذيب يمكن أن نسترشد بها لاستخراج كتب أو نصوص أو نقترب منها، كما تمكننا من استدراك على كتب مطبوعة, مثل معاني القرآن للفراء. كما حفظت لنا تعريفًا ببعض الأعلام, إلى جانب ما حفظه لنا من مرويّاتهم, وشيء من آرائهم.

نحن اليوم في رحاب أزهريٍّ لم يتخرّج في الأزهر, ولم يتقلّب بين أروقته, ولم يتنقّل بين حلقاته العلمية، ومجالسه العامرة, وأشياخه المقدّمين, ولا صدوره الأفاضل, إنه أبو منصور الأزهري محمد بن أحمد بن طلحة بن نوح بن الأزهر الأزهري الهرويّ الشافعيّ المولود عام 282هـ والمتوفّى عام 370هـ, ـ

نحن في هذه الكلمة أمام نصّ تهيّأت لصاحبه جميع عوامل الإبداع؛ فهو إلى جانب قوّة الدافع, ووضوح الرؤية, يملك الاستعداد الفطري للنبوغ, بما يعنيه من قدرة على الحفظ, والاستيعاب, والتنظيم, والنقد, والتفكير الصحيح, وما يتصل بذلك من الحب الذي وصل به إلى حدِّ الفناء فيما أحبّه من علم اللغة ومعجمها, فوهب نفسه له, واستمرّ عليه طيلة عمره الذي نذره له من أيّام صباه حتّى جاوز السبعين, وهذا مقوّم من مقوِّمات الإبداع, ولم يكتف بهذه الثلاثة، بل أضاف رابعًا لا يقلّ أهمية عنها في الإبداع، وهو الاهتمام الذي لازمه ولم يفارقه, الاهتمام الذي جعل فيه همّه المعجمي مرافقًا له, وملازمًا, في تقلّبات حياته في حلّه و ترحاله, في حرّيّته وإساره, كما تدلّ على ذلك سيرته, وعمله, وما أخبر به عن نفسه.

وفي حياته ما يستدعي الوقوف والتأمل, منها:

  • أنه طلب العلم ، وتلقّاه عن أشياخه في بلده، ، ثم عزم على الحج فوقع في الأسر لدى القرامطة, فكان الأسر نعمة عليه, ونتاجًا متميِّزًا للمعجم العربي, استمع إليه وهو يقصّ قصته هذه ((وكنت امتُحنت بالإسار سنةَ عارضتِ القرامطةُ الحاجَّ بالهبير ، وكان القومُ الذين وقعتُ في سهمهم عرباً عامتهم من هوازن ، واختلط بهم أصرامٌ من تميم وأسد بالهبير نشئوا في البادية يتتبعون مساقط الغيث أيامَ النُّجَع، ويرجعون إلى أعداد المياه، ويرعون النَّعمَ ويعيشون بألبانها، ويتكلمون بطباعهم البدوية وقرائحهم التي اعتادوها، ولا يكاد يقع في منطقهم لحنٌ أو خطأ فاحش. فبقيت في إسارهم دهراً طويلاً. وكنا نتشتَّى الدَّهناء، ونتربع الصَّمَّان، ونتقيَّظ السِّتارَين، واستفدت من مخاطباتهم ومحاورة بعضهم بعضاً ألفاظاً جمّة, ونوادر كثيرة، أوقعتُ أكثرها في مواقعها من الكتاب، وستراها في موضعها إذا أتَتْ قراءتك عليها إن شاء الله )). [التهذيب (1/7-8].
  • أنه استكمل تحصيله العلمي, وروايته اللغة عن علماء و مشايخ بغداد من المشاهير من أمثال: محمد بن إبراهيم بن عرفة (نفطويه) (ت323). وأبي بكر محمد بن السري (ابن السراج) (ت316) وأبي إسحاق الزجاج(ت311) وأبي بكر بن الأنباري(ت328) وغيرهم ممن كان في هذه الطبقة. كما لقي آخرين ذكرهم في مقدمة كتابه, وتضاعيفه, كابن دريد, ثمّ عاد إلى هراة ليأخذ عن أشياخها ذوي التوجهات والاهتمامات العلمية المختلفة، من أمثال أبي الفضل محمد بن أبي جعفر المنذري (ت329) ولعله أخذ عنه قبل إساره, وأبي محمد المزني الشافعي(361) وأبي القاسم البغوي (317).
  • له مؤلّفات, أوردها مترجموه , ولعل أهمها ثلاثة كتب طبعت هي:

1) تهذيب اللغة , وهو بحقٍّ اسم وافق مسمّاه, وهو معجم كبير الحجم, لابدّ لكل من يتصل بعلوم العربية وآدابها بسببٍ أن يفيد منه إمّا مباشرة, وإمّا عن طريق من نقلوا عنه واحتووه في كتبهم، مثل لسان العرب المعجم المشهور؛ إذ هو أهمّ موارده, وقد حرّر مادّته, ووثقها, واقتصر على الصحيح الثابت لديه من اللغة, ورتّبه وفق الترتيب الذي اختطّه الخليل لكتاب"العين".

2) معاني القراءات .

3) الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي. وهو معجم للألفاظ الفقهية, فهو تفسير الألفاظ الواردة في مختصر المزني (ت264) وقد يختلف المترجمون في تسميته.

وقد أورد مترجموه له كتبًا أخرى, مثل: كتاب الأدوات, والتقريب في التفسير, وتفسير أسماء الله (عزّ وجلّ). وتفسير إصلاح المنطق لابن السِّكِّيت, وتفسير السبع الطوال, وتفسير شعر أبي تمام, وتفسير شواهد غريب الحديث, ولعله كتاب معاني شواهد غريب الحديث, وكتاب الروح وَمَا ورد فِيهَا من الْكتاب وَالسّنة, وكتاب الحيض، والرد على الليث, وعلل القراءات, ولعله معاني القراءات المطبوع.

*******

مقاصد تأليف تهذيب اللغة والدروس منها:

ألّف كتابه في آخر عمره, وقد جاوز السبعين, وهذا مدعاة النضج والإتقان.

  • للمؤلّف من تأليف كتابه مقاصد, كلها تعود لمقاصد شرعية، أراد من ورائها خدمة نصي الوحي: القرآن والسنة، وتحرير اللغة التي يتوصّل بها إلى فهمهما، وإدراك معانيهما, وفهم مغازيهما, فدوافع التأليف لديه ثلاثة، وهي ظاهرة من قوله: ((وقد دعاني إلى ما جمعتُ في هذا الكتاب من لغات العرب وألفاظها ، واستقصيتُ في تتبُّعٍ ما حصَّلت منها، والاستشهاد بشواهد أشعارها المعروفة لفصحاء شعرائها، التي احتجَّ بها أهل المعرفة المؤتمنون عليها، خلالٌ ثلاثٌ:

منها: تقييد نكتٍ حفظتُها ووعيتُها عن أفواه العرب الذين شاهدتهم وأقمت بين ظهرانيهم سنيَّات؛ إذ كان ما أثبتَه كثيرٌ من أئمةِ أهل اللغة في الكتب التي ألّفوها، والنوادر التي جمعوها لا ينوبُ منابَ المشاهدة، ولا يقوم مقام الدُّربة والعادة .

ومنها: النصيحة الواجبة على أهل العلم لجماعة المسلمين في إفادتهم ما لعلَّهم يحتاجون إليه . وقد روينا عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ( ألا إن الدينَ النصيحة لله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ) .

وقال في آخر مقدمته: ((وقد سمّيت كتابي هذا (تهذيب اللغة) ؛ لأنِّي قصدت بما جمعت فيه نفْيَ ما أدخل في لغات العرب من الألفاظ التي أزالَها الأغبياء عن صيغتها ، وغيَّرها الغُتم عن سننها، فهذبت ما جمعت في كتابي من التصحيف والخَطاءِ بقدر علمي، ولم أحرص على تطويل الكتاب بالحشو الذي لم أعرف أصله؛ والغريب الذي لم يُسنده الثقات إلى العرب)). [مقدمة التهذيب1/54]

((والخلة الثالثة هي التي أكثر القصد : أني قرأت كتباً تصدَّى مؤلفوها لتحصيل لغات العرب فيها ، مثل كتاب ( العين ) المنسوب إلى الخليل ، ثم كتب من احتذى حَذْوَه في عصرنا هذا . وقد أخلَّ بها ما أنا ذاكره من دَخَلها وعَوارها بعقب ذكرى الأئمةِ المتقنين وعلماء اللغة المأمونين على ما دوّنوه من الكتب وأفادوا ، وحصَّلوا من اللغات الصحيحة التي روَوها عن العرب ، واستخرجوها من دواوين الشعراء المعروفين وحفظوها عن فصحاء الأعراب)). [مقدمة التهذيب1/6]

وفي هذا درس للتخلص من الكتابة الترفية, والترفيهية, التي لا تعالج مشكلة, ولا تحلّ معقودًا, ولا تعقد محلولا, وربط الدرس اللغوي بكافة أشكاله بحاجة الأمة, واللغة والأدب, والعلم على وجه العموم. ويمكن لنا في هذا المقام تسجيل الملحوظات التالية:

  • أنه طبّق في عمله طريقة أو نصيحة المحدِّثين ((إذا رويت فقمِّش, وإذا حدّثت ففتِّش))يتجلّى هذا في نصوصٍ, منها: ((ولو أنّي أودعتُ كتابي هذا ما حوتْه دفاتري، وقرأته من كتب غيري ووجدته في الصحف التي كتبها الورّاقون، وأفسدها المصحِّفون، لطال كتابي. ثم كنتُ أحدَ الجانين على لغة العرب ولسانها ولَقليلٌ لا يُخْزِي صاحبه خيرٌ من كثير يفضحُه.
    ولم أُودِعْ كتابي هذا من كلام العرب إلاّ ما صحّ لي سماعاً منهم، أو رواية عن ثقة ، أو حكايةً عن خطِّ ذي معرفةٍ ثاقبة اقترنت إليها معرفتي، اللهمّ إلاّ حروفاً وجدتها لابن دريد وابن المظفّر في كتابيهما، فبينت شكّي فيها، وارتيابي بها. وستراها في مواقعها من الكتاب ووقوفي فيها)). [مقدمة التهذيب 1/40] وعالج اعتراضًا متوقَّعًا فقال: ((ولعلَّ ناظراً ينظرُ في كتابي هذا فيرى أنه أخلَّ به إعراضي عن حروفٍ لَعلَّه يحفظها لغيري، وَحذْفي الشواهدَ من شعر العرب للحرفِ بعد الحرف، فيتوّهم ويوهم غيره أنَّه حفِظ ما لم أحفظْه، ولا يعلم أني غزَوتُ فيما حذَفتُه إعفاءَ الكتابِ من التطويل المملّ، والتكثير الذي لا يحصَّل)). [مقدمة التهذيب 1/40-41]
  • فالمؤلف ألّف كتابه بناء على حاجة, ولم يكن ذلك من باب إكمال اللازم, كما هو حال كثير من المشتغلين بالبحث العلمي في وقتنا, وحال كثير من طلبة الدراسات العليا, وكثير من الذين يقصدون بأعمالهم تحسين وضعهم الوظيفي, والحصول على مهنة يقتاتون هم وأولادهم منها.
  • درس للباحثين الذين يظنون أن الإبداع يمكن أن يتأتّى لكل من ولج أبواب البحث , أو سلك شعبًا من شعابه, أو انتمى إليه بسبب من الأسباب, مهما كان قدر هذا الدخول أو المسلك, أو الانتماء؛ فالمؤلف بيّن أن البحث الجادّ الذي ينشد الجديد والإضافة لا يتأتّى إلا لمن فنوا في عملهم العلمي, وأفنوا فيه كل قواهم وإمكاناتهم، ولا يتأتّى للعابثين الذين يربطون العلم بمقاصد محدودة ليست منه, بل خارجة عنه، وتسير في غير ركابه, والأزهري يقدّم لنا هذا الدرس من تجربته الشخصية, بقوله: ((وكنت منذُ تعاطيتُ هذا الفنَّ في حداثتي إلى أن بلغتُ السبعين، مولعاً بالبحث عن المعاني والاستقصاء فيها، وأخذها من مظانها، وإحكام الكتب التي تأتَّى لي سماعُها من أهل الثبت والأمانة للأئمة المشهّرين، وأهل العربية المعروفين)). [مقدمة التهذيب 1/7-8]
  • كان لدى الأزهري مشكلة بحثية دعته لتأليف كتابه, لخّصها بفشوِّ التحريف والتصحيف في كتب اللغة ومصنّفاتها التي يتداولها أبناء عصره, استمع إليه يقول: ((وألفيت طلاب هذا الشأن من أبناء زماننا لا يعرفون من آفات الكتب المصحَّفة المدخولة ما عرفتُه، ولا يميِّزون صحيحها من سقيمها كما ميزتُه. وكان من النصيحة التي التزمتُها توخِّياً للمثوبة من الله عليها، أن أنضحَ عن لغة العرب ولسانها العربيّ الذي نزل به الكتاب ، وجاءت السنن والآثار ، وأن أهذّبها بجهدي غاية التهذيب، وأدلَّ على التصحيف الواقع في كتب المتحاذقين، والمُعْوِر من التفسير المزال عن وجهه ، لئلا يغترّ به من يجهله ، ولا يعتمده من لا يعرفه)). [مقدمة التهذيب1/6]
  • تعامل الأزهري مع مصادره معاملة توصي بها الدراسات العلمية البحثية الحديثة التي لا تقتصر في دراسة الموضوع على المصادر الأصيلة التي لا تضيف إلى العمل شيئًا ما تتفرّد به، وأتى على ما يسمّى بالمصادر الميّتة التي لا تضيف شيئًا, ولا تنفرد بشيءٍ, ثمّ حرِّر مادّته وفق ما أمدّته به المصادر الحيّة الأصيلة؛ إذ يقول: ((ولو أنّي أودعتُ كتابي هذا ما حوتْه دفاتري ، وقرأته من كتب غيري ووجدته في الصحف التي كتبها الورّاقون ، وأفسدها المصحِّفون ، لطال كتابي . ثم كنتُ أحدَ الجانين على لغة العرب ولسانها ولَقليلٌ لا يُخْزِي صاحبه خيرٌ من كثير يفضحُه)). [مقدمة التهذيب1/40] وفي سبيل هذا تنوّعت مرويّاته, ومصادره, حتّى شملت ما يتعلق بعلوم القرآن، من تفسير, ومعانٍ, وغريب, وإعراب, وقراءات, ولغات, والحديث وما يتصل به من علوم كالغريب, والأمثال, وعلوم إسلامية أخرى، مثل الفقه، والأصول, والتاريخ من سير, ومغازٍ, وأيام للعرب, وأخبار, وما يتصل بالشعر والأدب, من رواية، ومعانٍ, وغريب, واللغة من ألفاظ، وأبنية, وغريب, وتركيب, ودلالة, وتأنيث وتذكير, وقلب وإبدال, ونوادر, ولغات, وعلل، ومعارف عامة, من أمثال, وأنساب, وأنواء, وميسر, و معارف لها صفة العموم والتنوع, وهذا يدلّ على تنوع مصادره, وسعة معارفه, مما يعد ضروريًّا لمن يؤلّف في اللغة بل المعجم, ولولا ضيق المقام، ووضوح الأمر بنظرة سريعة في مقدِّمته, وأصل الكتاب, لأوردت قائمة بتلك المصادر المتنوِّعة, التي لم يقتصر فيها على الكتب المعجمية؛ إذ تنوّع المصادر من ضرورات من ينتصب للتأليف المعجمي. وهذا يوحي أن الأزهريَّ يرى تكاملَ العلوم المتصلة بالعربية, وإن اختلفت في مادّتها, وتنوّعت اهتمامات أصحابها. وقد بذل أبو منصور جهدًا غير عاديّ في استخلاص مادّته من هذه المصادر, كما بذل جهدًا لا يقل عنه في تحريرها, وكتابتها باللغة المعجمية.

********

مصادره:

قسم الأزهري من عزا إليهم مادّته المعجمية, أو من هم مصادره إلى فئتين: فئة لم يلقها من قدامى اللغويين, وعلماء الأمة في العربية, وما يتصل بها من علوم كالشعر, ومعانيه, والأخبار, والتفسير, وغريب الحديث. وفئة عاصرهم, أو لقيهم, وسمع منهم أو لم يسمع. ولو أراد مريدٌ أن يرسم مشجَّرًا أو مشجَّراتٍ لأسانيده وطرق روايته لاستطاع, وليأخذ نموذجًا أسانيده إلى أبي زيد, أو إلى أبي عبيد, أو إلى أبي عمرو الشيباني. [ينظر مقدمة التهذيب 1/12- 13-14 وما بعدها]

فالفئة الأولى التي لم يلقها, قسمها طبقاتٍ ثلاثًا, على النحو الآتي: فجعل في الطبقة الأولى أو رأسها أبا عمرو بن العلاء, وخلفًا الأحمر, والخليل بن أحمد, والمفضّل بن محمد الضبّيّ, ولم يكن لغالب هؤلاء كتب تتناقل أو تروى، وإنما لهم مسائل و مرويّات, وآراء, تلقِّيَت بالقبول واعتدّ بها أهل اللغة , وأصحاب الشأن فيها, نقلها عنهم تلاميذهم، وتداولها أهل اللغة والعربية والأدب.

وجعل في القسم الثاني الطبقة الثانية, وهي طبقة خلفت الطبقة السابقة, وورثت علمها, ونقلت مرويّاتها, وزادت عليها, وأخذوا عن هؤلاء الذين تقدَّموهم خاصة وعن العرب عامَّة، وعُرفوا بالصِّدق في الرواية، والمعرفة الثاقبة، وحفظ الشعر وأيام العرب، ومن أعلام هذه الطبقة: أبو زيدٍ سعيد بن أوس الأنصاري ؛ وأبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني مولى لهم ، وأبو عبيدة معمر بن المثنَّى التيمي, وأبو سعيد عبد الملك بن قُريب الأصمعيّ, وأبو محمد يحيى بن المبارك اليزيديّ، .... ولا يقدَّم عليه (يعني: اليزيدي) أحدٌ من أصحاب أبي عمرو بن العلاء في الضبط لمذاهبه في قراءات القرآن . ومن هذه الطبقة من الكوفيين : أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي, ومنهم أبو محمد عبد الله بن سعيد(الأموي), والنضر بن شميل, وأبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش, وأبو مالك عمرو بن كركرة, وذكر من متأخِّري هذه الطبقة عليّ بن المبارك الأحمر, وأبا زكريا يحيى بن زياد الفراء, وعدّ منها أيضًا سيبويه, وعبد الرحمن بن بُزْرُج.[ينظر مقدمة التهذيب1/11-19]

وجعل في القسم الثاني الطبقة الثالثة وطبقتين بعدها, ومن الطبقة الثالثة من علماء اللغة, وهي طبقة خلفت الطبقة السابقة, وعلى رأسها أبو عبيد القاسم بن سلام, وأبو عبد الله محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي, وأبو الحسن علي بن حازم اللحياني, ونصير بن أبي نصير الرازي, وعمرو بن أبي عمرو الشيباني, وأبو نصر صاحب الأصمعي, وأبو حاتم السجستاني, وأبو يوسف يعقوب بن إسحاق السكِّيت, وأبو سعيد البغدادي الضرير, وابن هانئ النيسابوري, وأبو معاذ النحوي, وأبو داود سليمان بن معبد السنجي. [ينظر مقدمة التهذيب1/19-25]

ومما يمكن أن نعدّها طبقة رابعة من قال فيهم الأزهري: ((ويتلو هذه الطبقة أبو عمروٍ شمر بن حَمْدُويَة الهروي ....وأبو تراب راوٍ عن شمر .... وأبو الهيثم الرازي, وأبو العباس أحمد بن يحيى (ثعلب) وأبو العباس محمد بن يزيد الثمالي (المبرد). وكل هؤلاء لم يرو عنهم مباشرة, بل أخذ عمّن أخذ عنهم.

وأمّا الطبقة الخامسة فهي الطبقة التي أدركها أبو منصور الأزهري , وأخذ عن أفرادها, ومنهم : (أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج النحوي....وأبو بكر محمد بن القاسم الأنباري .... وأبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة.

ثمّ أردف حديثه عن هذه الطبقات بقوله: ((وإذ فرغنا من ذكر الأثبات المتقنين ، والثقات المبرِّزين من اللغويين ، وتسميتهم طبقةً طبقة ، إعلاماً لمن غَبِيَ عليه مكانُهم من المعرفة ، كي يعتمدوهم فيما يجدون لهم من المؤلفات المرويَّة عنهم ، فلنذكر بعقب ذكرهم أقواماً اتَّسموا بسمة المعرفة وعلم اللغة ، وألَّفوا كتباً أودعوها الصحيح والسَّقيم ، وحشَوْها بـ ( المزال المُفْسَد ) ، والمصحَّف المغيّر، الذي لا يتميّز ما يصحّ منه إلاّ عند النِّقاب المبرِّز ، والعالم الفطِن، لنحذِّر الأغمار اعتمادَ ما دوَّنوا ، والاستنامةَ إلى ما ألَّفوا)).[مقدمة التهذيب 1/28]وقد ذكر من المتقدمين الليث بن المظفَّر, ومحمد بن المستنير المعروف بـ"قطرب"وكان متهمًا في رأيه وروايته عن العرب.... والجاحظ, وقال عنه: ((وممَّن تكلم في لغات العرب بما حضر لسانَه وروى عن الأئمة في كلام العرب ما ليس من كلامهم: عمرو بن بحر المعروف بالجاحظ : وكان أوتيَ بسطةً في لسانه ، وبياناً عذباً في خطابه ، ومجالاً واسعاً في فنونه ، غير أن أهل المعرفة بلغات العرب ذمُّوه ، وعن الصِّدق دفَعوه . وأخبرَ أبو عُمر الزاهد أنه جرى ذكره في مجلس أحمد بن يحيى فقال : اعذِبوا عن ذكر الجاحظ فإنه غير ثقة ولا مأمون)). [مقدمة التهذيب 1/30]

وقد أورد بعد هؤلاء ابن قتيبة, ويظهر من طريقة إيراده أنه إنما قصد إلى إنصافه والدفاع عنه؛ إذ يقول: ((.... وردَّ على أبي عبيد حروفاً في (غريب الحديثِ) سمَّاها (إصلاح الغلط). وقد تصفَّحتها كلها، ووقفت على الحروف التي غلِط فيها وعلى الأكثر الذي أصاب فيه. فأمَّا الحروف التي غَلِط فيها فإنّي أثبتُّها في موقعها من كتابي ، ودللت على موضع الصواب فيما غلط فيه . وما رأيت أحداً يدفعه عن الصدق فيما يرويه عن أبي حاتم السِّجزي، والعباس بن الفرج الرِّياشيّ، وأبي سعيد المكفوف البغدادي. فأمَّا ما يستبدُّ فيه برأيه من معنًى غامض أو حرفٍ من علل التصريف والنحو مشكل، أو حَرفٍ غريب، فإنَّه ربَّما زلَّ فيما لا يخفى على مَن له أدنى معرفة. وألفيته يَحدِس بالظنِّ فيما لا يعرفه ولا يحسنه. ورأيت أبا بكر بنَ الأنباري ينسبه إلى الغفلة والغباوة وقلَّة المعرفة، وقد ردَّ عليه قريباً من رُبع ما ألَّفه في (مشكل القرآن )). [مقدمة التهذيب 1/31]

هذا ما ذكره عن غير المتقنين من القدامى، ثمّ أتبعهم بغير المتقنين ممن عاصروه, فذكر منهم ابن دريد صاحب الجمهرة, وأحمد بن محمد البشتي, ألَّف كتاباً سمَّاه (التكملة) ، أومأ إلى أنه كمّل به كتاب (العين) المنسوبَ إلى الخليل بن أحمد, وأبا الأزهر البخاري سمَّى كتابه (الحصائل) وأعاره هذا الاسم لأنه قصدَ تحصيل ما أغفله الخليل. [انظر مقدمة التهذيب 1/32]

هذا, وقد ترجم الأزهري, أو ذكر من لم يرد ذكرهم في كتابه إلا على وجه الندرة، مثل ابن هانئ النيسابوري، فلم يرد إلا بضع مرّات, بل ذكر أبا داود سليمان بن معبد السنجي، ولم يرد له ذكر في التهذيب.

********

أصول النقد اللغوي لحملة اللغة لديه تنحصر في خمسة:

1) شهادة المعاصرين والمخالطين للعالم, وتعديل من يعرفه من علماء عصره المعتدّ بأقوالهم, وجرحه, مثال هذا ما ذكره في ترجمة أبي عمرو بن العلاء((عن محمد بن سلام أنه قال : سمعتُ يونس يقول : لو كان أحدٌ ينبغي أن يؤخذ بقوله كله في شيء كان ينبغي لقول أبي عمرو بن العلاء في العربية أن يؤخذَ كلُّه ، ولكن ليسَ من أحدٍ إلاّ وأنت آخذٌ من قوله وتارك)). [مقدمة التهذيب1/8] وفي ترجمة خلف الأحمر((قال ابن سلام : وكان خلف بن حيَّان أبو مُحرز وهو خلفٌ الأحمر أجمعَ أصحابنا أنه كان أفرسَ الناس ببيت شعر وأصدقه لساناً ؛ كنَّا لا نبالي إذا أخذنا عنه خبراً أوّ أنشدَنا شعراً ألاَّ نسمعه من صاحبه)). [مقدمة التهذيب110] وفي ترجمة أبي عبيدة؛ إذ يقول: ((وكان أبو عبيد يوثِّقه ويكثر الرواية عنه)). [مقدمة التهذيب1/14]. ومثل قوله في الفراء ((وهو ثقة مأمون. قاله أبو عبيدٍ وغيره. وكان من أهل السُّنّة، ومذاهبه في التفسير حسنة )). [مقدمة التهذيب1/18-19] وعند ما ذكر قطربًا قال عنه: ((وكان متَّهماً في رأيه وروايته عن العرب ... وجرى في مجلس ثعلب ذكر قطرب، فهجَّنه ولم يعبأ به. وروى أبو عُمر في كتاب (الياقوتة) نحواً من ذلك ..... وكان أبو إسحاق الزَّجاج يهجِّن من مذاهبه في النحو أشياء نسبه إلى الخطأ فيها)). [مقدمة التهذيب1/29]. ومثل هذا ظاهر في مقدمته، ولم يكن يقبل الجرح بإطلاق, ولا أنه كان يقبل كلَّ ما يقال في أهل العربية, من معاصريهم ونظرائهم من المشتغلين بالعربية, وخير مثال لذلك موقفه من ابن قتيبة؛ فقد نقل رأي ابن الأنباري, وكلامه في حق ابن قتيبة ولم يقف عنده, بل جاوزه لمطالعة ما كتب , وما قاله الآخرون, وبطريقة ابن قتيبة في الرواية, ومعرفة أشياخه، بل جاوز ذلك حتى وظّف ما كان عليه ابن قتيبة في الرد على البشتي؛ فردّ طعن ابن الأنباري في ابن قتيبة بقوله: ((وأما أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري: فإنَّه ألَّف كتباً في (مشكل القرآن وغريبه)، وألَّف كتاب (غريب الحديث)، وكتاباً في (الأنواء) وكتاباً في (الميسر) ، وكتاباً في (آداب الكتَبة)، وردَّ على أبي عبيد حروفاً في (غريب الحديثِ) سمَّاها (إصلاح الغلط) . وقد تصفَّحتها كلها، ووقفت على الحروف التي غلِط فيها وعلى الأكثر الذي أصاب فيه. فأمَّا الحروف التي غَلِط فيها فإنّي أثبتُّها في موقعها من كتابي، ودللت على موضع الصواب فيما غلط فيه. وما رأيت أحداً يدفعه عن الصدق فيما يرويه عن أبي حاتم السِّجزي، والعباس بن الفرج الرِّياشيّ، وأبي سعيد المكفوف البغدادي. فأمَّا ما يستبدُّ فيه برأيه من معنًى غامض أو حرفٍ من علل التصريف والنحو مشكل، أو حَرفٍ غريب، فإنَّه ربَّما زلَّ فيما لا يخفى على مَن له أدنى معرفة. وألفيته يَحدِس بالظنِّ فيما لا يعرفه ولا يحسنه. ورأيت أبا بكر بنَ الأنباري ينسبه إلى الغفلة والغباوة وقلَّة المعرفة، وقد ردَّ عليه قريباً من رُبع ما ألَّفه في (مشكل القرآن)). [مقدمة التهذيب 1/31]. ومع طعن الأنباري في ابن قتيبة كان ابن قتيبة حاضرًا في الرد على البشتيّ ((وأما القُتَيبيُّ فإنّه رجل سمع من أبي حاتم السِّجْزيّ كتبَه ، ومن الرياشيّ سمع فوائد جمّة ، وكانا من المعرفة والإتقان بحيث تُثنى بهما الخناصر ؛ وسمِعَ من أبي سعيد الضرير ، وسمع كتب أبي عبيد ، وسمع من ابن أخي الأصمعيّ ، وهما من الشهرة وذهاب الصِّيت والتأليف الحسن ، بحيث يُعفَى لهما عن خطيئة غلطٍ ، ونَبْذِ زلة تقع في كتبهما ، ولا يلحق بهما رجل من أصحاب الزوايا لا يعرف إلاّ بقَرْيته ، ولا يوثق بصدقه ومعرفته ونقْلِه الغريبَ الوحشي من نسخة إلى نسخة. ولعل النسخ التي نقل عنهما ما نَسَخَ كانت سقيمة)). [مقدمة التهذيب1/34] ومثل هذا ما فعله مع ابن دريد ((وممّن ألَّف في عصرنا الكتبَ فوُسمَ بافتعال العربية وتوليد الألفاظ التي ليس لها أصول، وإدخالِ ما ليس من كلام العرب في كلامهم أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي: صاحب كتاب (الجمهرة)، وكتاب (اشتقاق الأسماء)، وكتاب (الملاحن). وحضرته في داره ببغداد غير مرَّةٍ، فرأيته يروي عن أبي حاتمٍ، والرياشيِّ، وعبد الرحمن ابن أخي الأصمعي ، فسألت إبراهيم بن محمد بن عرفة الملقب بنفطويه عنه فاستخف به ، ولم يوثِّقْه في روايته . ودخلتُ يوماً عليه فوجدته سكران لا يكاد يستمرُّ لسانُه على الكلام، من غلبة السكر عليه. وتصفحت كتاب (الجمهرة) له فلم أره دالاً على معرفة ثاقبة، وعثرت منه على حروف كثيرة أزالها عن وجوهها، وأوقعَ في تضاعيف الكتاب حروفاً كثيرة أنكرتُها ولم أعرف مخارجَها، فأثبتُّها من كتابي في مواقعها منه، لأبحث عنها أنا أو غيري ممّن ينظُر فيه. فإن صحَّت لبعض الأئمة اعتُمدَتْ ، وإن لم توجد لغيره وُقِفَت)). [مقدمة التهذيب1/31]

2) سلوك العالم , مثل ما جرى له مع ابن دريد؛ حيث دخل عليه فوجده سكران, كما في الخبر الآنف ذكره, بل كان يوظِّف سلوك العالم في إنصاف أهل العلم, مثل مقارنته بين ثعلب والمبرد، يقول بعد أن أثنى عليهما بما يستحقان: ((وكان عفيفاً عن الأطماع الدنية، متورّعاً مِن المكاسب الخبيثة. أخبرني المنذري أنه اختلف إليه سنةً في سماع كتاب (النوادر) لابن الأعرابي، وأنه كان في أذنه وَقْر، فكان يتولى قراءة ما يُسمَع منه. قال: وكتبت عنه من أماليه في (معاني القرآن) وغيرها أجزاء كثيرة، فما عرَّض ولا صرَّح بشيءٍ من أسباب الطمع. قال: واختلفت إلى أبي العباس المبرد وانتخبت عليه أجزاءً من كتابيه المعروفَين (بالروضة) و (الكامل). قال: وقاطعته من سماعها على شيءٍ مسمَّى، وإنّه لم يأذن له في قراءة حكاية واحدة ممَّا لم يكن وقع عليه الشرط)). [مقدمة التهذيب 1/27]

3) طريقة العالم في الرواية, ومدى عنايته وتوثيقه لما يروي, ومدى درايته بما ينقل, ومدى دقّته في الضبط وتحرير العبارة, مثل قوله في أبي محمد اليزيدي: ((إنه جالسَ أبا عمرو بن العلاء دهراً، وحفظ حروفَه في القرآن حِفظاً زيْناً، وضبط مذاهبه فيها ضبطاً لا يتقدمه أحد من أصحاب أبي عمرو. وكان في النحو والعلل ومقاييسها مبرِّزاً، وجالسَه أبو عبيد فاستكثَر عنه)). [مقدمة التهذيب 1/17] وقال في النضر بن شميل: ((فإنّه لزمَ الخليلَ بن أحمد أعواماً، وأقام بالبصرة دهراً طويلاً. وكان يدخُل المِرْبَد وَيلقى الأعراب ويستفيد من لغاتهم وقد كتب الحديثَ ولقيَ الرِّجال)). [مقدمة التهذيب1/17]. وحين نقد البشتي قال: ((قد اعترَف البُشتي بأنه لا سماعَ له في شيء من هذه الكتب، وأنه نَقل ما نقل إلى كتابه من صُحفهم، واعتلَّ بأنه لا يُزْري ذلك بمن عرف الغثَّ من السمين. وليس كما قال؛ لأنه اعترفَ بأنه صُحُفيّ والصُّحُفي إذا كان رأس ماله صُحفاً قرأها فإنّه يصحّف فيكثِر، وذلك أنه يُخبر عن كتبٍ لم يَسمعْها، ودفاتر لا يدري أصحيحٌ ما كُتب فيها أم لا. وإنّ أكثر ما قرأنا من الصحف التي لم تُضبَط بالنقْط الصحيح، ولم يتولَّ تصحيحَها أهل المعرفة لسقيمةٌ لا يعتمدها إلاّ جاهل )). [مقدمة التهذيب 1/33].

4) التقويم من خلال عمله والاطلاع عليه, وعرض نماذج منه, من ذلك ما قاله في حقِّ أحمد بن محمد البشتي؛ فقد قرأ كتابه, وما حكم عليه إلا بعد القراءة والاطلاع ((والذي ادّعاه البشتي من تمييزه بين الصحيح والسقيم، ومعرفته الغثَّ من السمين، دعوى. وبعضُ ما قرأتُ من أول كتابه دَلَّ على ضدِّ دعواه. وأنا ذاكرٌ لك حروفاً صحّفها، وحروفاً أخطأ في تفسيرها، من أوراق يسيرة كنتُ تصفّحتها من كتابه؛ لأثبت عندك أنه مُبْطل في دعواه، متشبِّع بما لا يفي به . فممّا عثرت عليه من الخطأ فيما ألّف وجمع، ... وأنشد البُشْتيّ:

فبآمرٍ وأخيه مؤتمرٍ ومُعلِّل و بمطفئ الجمرِ

قال البشتي : سمِّي أحد أيام العجوز آمراً لأنه يأمر الناسَ بالحذر منه. قال: وسُمّي اليوم الآخر مؤتمراً لأنه يأتمر الناس، أي يُؤذنهم . قلت: وهذا خطأ محض، لا يُعرف في كلام العرب ائتمر بمعنى آذن. وفسِّر قول الله عزّ وجل: (قَالَ يا مُوسَى إِنَّ الْمَلاََ يأتمرون بك) ( القَصَص: 20 ) على وجهين: أحدهما يَهُمُّون بك، والثاني يتشاورون فيك .....)). [مقدمة التهذيب 1/34]. وانظر بقية نقده وتتبعه في كتابه [المقدّمة ص34 ص39] ثم عقّبها بقوله: ((وقد ذكرت لك هذه الأحرف التي أخطأ فيها والتقطتها من أوراق قليلة، لتستدلّ بها على أنّ الرجل لم يَفِ بدعواه. وذلك أنه ادّعَى معرفةً وحفظاً يميز بها الغثَّ من السمين، والصحيح من السقيم، بعد اعترافه أنه استنبط كتابه من صحف قرأها، فقد أقرَّ أنه صحفيٌّ لا رواية له ولا مشاهدة، ودلّ تصحيفه وخطؤه على أنه لا معرفة له ولا حفظ. فالواجب على طلبة هذا العلم ألاّ يغترُّوا بما أودع كتابه، فإنّ فيه مناكير جَمّةً لو استقصيتُ تهذيبَها اجتمعت منها دفاترُ كثيرة)). [مقدمة التهذيب1/40] وذكر نحوًا من هذا عن أبي الأزهر البخاريَ, فقال: ((وأما أبو الأزهر البُخَاري: الذي سمّى كتابه (الحصائل) ، فإني نظرت في كتابه الذي ألّفه بخطّه وتصفَّحته ، فرأيته أقلَّ معرفة من البُشتيّ وأكثر تصحيفاً. ولا معنى لذكر ما غيَّر وأفسد، لكثرته. وإن الضعيف المعرفة عندنا من أهل هذه الصناعة، إذا تأمَّل كتابَه لم يَخْفَ عليه ما حلَّيتُه به. ونعوذ بالله من الخذلان وعليه التُّكلان)). [مقدمة التهذيب1/40]

5) الخبرة الخاصة، والمعرفة الشخصية, مثل ما ذكره عن نفطويه: ((وقد شاهدته فألفيتُه حافظاً للغات ومعاني الشعر ومقاييس النحو، ومقدَّماً في صناعته)). [مقدمة التهذيب 1/28]. ومثله ما أورده عن ابن دريد, وقد تقدّم, وما أورده عن الزجاج ((حضرتُه ببغداد بعد فراغه من إملاء الكتاب، فألفيت عنده جماعةً يسمعونه منه. وكان متقدِّماً في صناعته، بارعاً صدوقاً، حافظاً لمذاهب البصريين في النحو ومقاييسه)). [مقدمة التهذيب1/27]. ومثله ما قاله في حقِّ ابن الأنباري ((كان واحدَ عصره، وأعلمَ من شاهدتُ بكتاب الله ومعانيه وإعرابه، ومعرفته اختلاف أهل العلم في مُشْكِله. وله مؤلفات حسان في علم القرآن. وكان صائناً لنفسه، مقدَّماً في صناعته، معروفاً بالصدق حافظاً، حسن البيان عذبَ الألفاظ، لم يُذكر لنا إلى هذه الغاية من الناشئين بالعراق وغيرها أحد يخلُفُه أو يسدُّ مسدَّه)). [مقدمة التهذيب1/28]

*******

الدروس التربوية من المقدّمة: لم تخل هذه المقدِّمة من فوائد ودروسٍ تربوية, يمكن للمشتغل بالعلم أن يفيد منها, ومنها:

1) الإنصاف وهو قيمة خلقية, لا يستغني عنها من ينتسب إلى العلم بسببٍ ما, وهو يعني الاعتراف بفضل الآخرين, وعدم حجب ما أحسنوا فيه, بما لم يحسنوا, ومن أمثلته في هذه المقدّمة ((وأمَّا ما وجدتُه فيه صحيحاً، ولغير الليث من الثقات محفوظاً، أو من فصحاء العرب مسموعاً، ومن الرِّيبة والشكّ لشهرته وقلَّة إشكاله بعيداً، فإني أعْزيه إلى الليث بن المظفَّر، وأؤدِّيه بلفظه، ولعلِّي قد حفظته لغيره في عدَّة كتب فلم أشتغل بالفحص عنه لمعرفتي بصحَّته. فلا تشكَّنَّ فيه مِن أجلِ أنه زلَّ في حروفٍ معدودة هي قليلة في جَنْب الكثير الذي جاء به صحيحاً، واحمدْني على نفي الشُّبَه عنك فيما صحَّحته له، كما تحمدني على التنبيه فيما وقع في كتابه من جهته أو جهة غيره ممن زاد ما ليس منه)). [مقدمة التهذيب1/29]

2) الضنّ بالعلم, وعدم بذله لطالبيه, وعدّه أبو منصور مأخذًا على العالم, كما كان يعيب أخذ الأجرة على العلم, واشتراط ذلك على طلابه, يقول في حديثه عن شِمْر بن حمدويه: ((ولما أكمل الكتاب ضنَّ به في حياته ولم يُنْسِخْه طُلاَّبَه، فلم يُبارَك له فيما فعله حتى مضى لسبيله. فاختزلَ بعضُ أقاربه ذلك الكتابَ من تركته ، واتصل بيعقوب بن الليث السِّجزيّ فقلّده بعض أعماله و استصحبه إلى فارس ونواحيها. وكان لا يفارقه ذلك الكتابُ في سفر ولا حضر. ولمّا أناخ يعقوب بن الليث بسِيبِ بني ماوان من أرض السواد وحطّ بها سَواده، وركب في جماعة المقاتلة من عسكره مقدِّراً لقاء الموفَّق وأصحاب السلطان، فجُرَّ الماء من النهروان على معسكره ، فغرِق ذلك الكتاب في جملة ما غرق من سواد العسكر. ورأيت أنا من أوّل ذلك الكتاب تفاريق أجزاء بخط محمد بن قَسْورَة، فتصفَّحتُ أبوابها فوجدتها على غاية الكمال. والله يغفر لأبي عمرو ويتغمدُ زلَّته. والضنُّ بالعلم غير محمود ولا مبارَك فيه)). [مقدمة التهذيب1/25] وفي حديثه عن ثعلب روى عن المنذري خبرًا عن صلته بثعلب والمبرد, وفيه((أنه اختلف إليه سنةً في سماع كتاب ( النوادر ) لابن الأعرابي ، وأنه كان في أذنه وَقْر، فكان يتولى قراءة ما يُسمَع منه. قال: وكتبت عنه من أماليه في (معاني القرآن) وغيرها أجزاء كثيرة، فما عرَّض ولا صرَّح بشيءٍ من أسباب الطمع. قال : واختلفت إلى أبي العباس المبرد وانتخبت عليه أجزاءً من كتابيه المعروفَين (بالروضة) و ( الكامل ). قال: وقاطعته من سماعها على شيءٍ مسمَّى، وإنّه لم يأذن له في قراءة حكاية واحدة ممَّا لم يكن وقع عليه الشرط)). [مقدمة التهذيب1/27] وقال عن أبي الهيثم الرازي: ((عالماً ورعاً كثير الصلاة، صاحبَ سُنَّة. ولم يكن ضنيناً بعلمه وأدبه)). [مقدمة التهذيب1/26] وسطر لثعلب بذله العلم((فرحلتُ (أبو الفضل المنذري) إلى العراق ودخلتُ مدينة السلام يومَ الجمعة ومالي هِمّةٌ غيره ، فأتيتُه وعرَّفتُه خبري وقصدي إيّاه ، فاتَّخذَ لي مجلساً في ( النوادر ) التي سمعها من ابن الأعرابي حتى سمِعتُ الكتابَ كلَّه منه ، قال : وسألته عن حروف كانت أشكلت على أبي الهيثم ، فأجابني عنها )). [مقدمة التهذيب 1/21]

3) الزهد في الدنيا, وما يترتّب عليه من ورع وديانة, ومراقبة لله, وخشية منه, مثل ما ذكره في خبر ثعلب والمبرد المتقدِّم, وقال عن ثعلب: ((وكان عفيفاً عن الأطماع الدنية، متورّعاً مِن المكاسب الخبيثة)). [مقدمة التهذيب1/27] قال في خبر ابن الأعرابي: ((كان رجلا صالحًا ورعًا زاهدًا صدوقًا)). [مقدمة التهذيب 1/20] وقال عن النضر بن شميلٍ: ((كان ورعًا ديِّنًا صدوقًا)).ومثله في خبر أبي عبيد ((كان ديِّناً فاضلاً عالماً أديباً فقيهاً صاحبَ سُنّة)). [مقدمة التهذيب 1/19] وفي صفات أبي الفضل ((كان ... عالمًا ورعًا كثير الصلاة صاحب سنة....)). [مقدمة التهذيب1/26].

4) التفريق بين لغة العلم ولغة الخطاب التي يخاطب بها العامة, وتكون وسيلة اتصال سريع سهل, إذ يظن كثير أن العالم لا يكون عالمًا حتّى يتكلّف لغته, ويتصنّع أسلوب خطابه, ويلزم سمتًا واحدًا في طريقة أدائه, تعطيه نوع تميّز, وتشعره بمفارقة من حوله, قال: ((أخبرني أبو الفضل المنذري أنه سأل أبا العباس أحمد بن يحيى عن كتاب (العين) فقال: ذاك كتابٌ مَلَىْ غُدَدْ قال: وهذا كان لفظ أبي العباس، وحقُّه عند النحويين ملآن غُدَداً. ولكن أبا العباس كان يخاطب عوامّ الناس على قدر أفهامهم، أراد أن في كتاب (العين) حروفاً كثيرة أُزيلت عن صورها ومعانيها بالتصحيف والتغيير، فهي فاسدة كفساد الغدد وضَرِّها آكلَها)). [مقدمة التهذيب1/29].

5) التواضع, وهي سمة ظاهرة لديه، ففي مقدّمته قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه, واعترف بمنِّه عليه وفضله: ((قلت: والتوفيق من الله المجيد للصواب)) [مقدمة التهذيب 1/3]. و((ونعوذ بالله من الخِذلان ، وإياه نسأل التوفيق للصَّواب فيما قصدناه ، والإعانة على ما توخَّيناه ، من النصيحة لجماعة أهلِ دين الله ، إنّه خير موفِّقٍ ومعين)). [مقدمة التهذيب 1/4] ويقول فيها: ((وكتابي هذا ، وإن لم يكن جامعاً لمعاني التنزيل وألفاظ السنن كلّها ، فإنه يَحُوز جملاً من فوائدها ، ونُكتاً من غريبها ومعانيها، غير خارج فيها عن مذاهب المفسِّرين، ومسالك الأئمة المأمونين، من أهل العلم وأعلام اللغويّين، المعروفين بالمعرفة الثاقبة والدّين والاستقامة)) [مقدمة التهذيب 1/5-6] ويقول: ((وقد سمّيت كتابي هذا (تهذيب اللغة) ؛ لأنِّي قصدت بما جمعت فيه نفْيَ ما أدخل في لغات العرب من الألفاظ التي أزالَها الأغبياء عن صيغتها، وغيَّرها الغُتم عن سننها، فهذبت ما جمعت في كتابي من التصحيف والخَطاءِ بقدر علمي، ولم أحرص على تطويل الكتاب بالحشو الذي لم أعرف أصله؛ والغريب الذي لم يُسنده الثقات إلى العرب)). [مقدمة التهذيب 1/54] وقد ذكر قول الأصمعي الذي يحمل مغزًى ذا قيمة تربويّة: (( قال الرياشيّ: سمعت الأصمعيّ يقول: سألت أبا عمرو بن العلاء عن ثمانية آلاف مسألة، وما مات حتى أخذَ عنّي)). [مقدمة التهذيب1/8].

6) روح التديُّن، والتضرُّع إلى الله, وسؤاله التوفيق, والمغفرة, إذ يستهلّ مقدِّمته بذكر الله، والاعتراف بنعمته, وفضله عليه, فذكر في الخلال الثلاث التي دعته لتأليف الكتاب ((النصيحة الواجبة على أهل العلم لجماعة المسلمين في إفادتهم ما لعلّهم يحتاجون إليه. وقد روينا عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ( ألا إن الدينَ النصيحة لله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ) .... وكان من النصيحة التي التزمتُها توخِّياً للمثوبة من الله عليها ، أن أنضحَ عن لغة العرب ولسانها العربيّ الذي نزل به الكتاب ، وجاءت السنن والآثار ، وأن أهذّبها بجهدي غاية التهذيب)) [مقدمة التهذيب 1/6]0 ويقول بعد أن أورد شيئًا من نقده البشتيَّ: ((فإنّ فيه مناكير جَمّةً لو استقصيتُ تهذيبَها اجتمعت منها دفاترُ كثيرة. والله يُعيذنا من أن نقول ما لا نعلمه، أو ندَّعي ما لا نُحسنه، أو نتكثَّرَ بما لم نُؤْتَه. وفقنا الله للصوابِ، وأداءِ النُّصح فيما قصدناه، ولا حَرَمنا ما أمّلناه من الثواب)). [مقدمة التهذيب 1/40]. ويقول في آخر مقدِّمته: ((وأسأل الله ذا الحول والقوَّة أن يزيِّننا بلباس التقوى وصدق اللسان ، وأن يُعيذنا من العُجْب ودواعيه ، ويعيننا على ما نويناه وتوخَّيناه؛ ويجعلنا ممن توكَّل عليه فكفاه. وحسبُنا هو, ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، عليه نتوكل وإليه ننيب)). [مقدمة التهذيب 1/54] و قد صرنا في عصر لا نرى الموضوعية إلا في التخلِّي عن الدين وقيمه, والاستحياء من ذكر الله في المقالات العلمية، ومراقبته في الأعمال البحثية ذات الصبغة العلمية, حتّى صار الاستهلال بالذكر سمة غير مرضيّة لدى كثير من الباحثين, والأزهري الإمام المحقِّق في مقدِّمته يعلِّمنا أن الذكر والتديُّن ومخافة الله تزكِّي العلم, ولا تخلّ به, وتنمِّيه ولا تضيره, وتزينه ولا تشينه, وتكمله ولا تنقصه.

7) التوجيه للفهم , وعدم الاكتفاء بالحفظ دون الفهم, ينقل مقارنًا بين الأصمعي وأبي عبيدة عن ((سَلمة بن عاصم قال فيها: كان الأصمعي أذكى من أبي عبيدة وأحفظ للغريب منه ، وكان أبو عبيدة أكثر رواية منه)). [مقدمة التهذيب 1/14] كما يقول في حديثه عن أبي الهيثم وشمر: ((وكان أبو الهيثم ح عِلمُه على لسانه، وكان أعذبَ بياناً وأفطنَ للمعنى الخفيِّ، وأعلم بالنحو من شِمر وكان شمر أروى منه للكتب والشِّعر والأخبار، وأحفظَ للغريب، وأرفقَ بالتصنيف من أبي الهيثم)). [مقدمة التهذيب1/26].

8) تحقيق النصوص التي يوظّفها في عمله, والتأكد من استقامتها, وسلامتها، وهذا من مقتضيات المنهج البحثيّ الجادّ؛ إذ تقرير أن النص نقي كامل خال من التغيير أو التشويه أو النقص ضرورة بحثية, لازمة لكل باحث جادّ, وقد مارسه الأزهري في مصادره التي نقل عنها, وأفاد منها, مثل ما ذكره في حديثه عن الزجاج ((وما وقع في كتابي له من تفسير القرآن فهو من كتابه. ولم أتفرغ ببغداد لسماعه (يعني معاني القرآن للزجاج) منه. ووجدت النسخَ التي حُملت إلى خراسان غير صحيحة، فجمعتُ منها عدّة نسخ مختلفة المخارج، وصرفت عنايتي إلى معارضةِ بعضها ببعض حتى حصَّلت منها نسخة جيّدة)). [مقدمة التهذيب 1/27]. إن ما يسطر في المعجم من النصوص ضربان: الضرب الأول: إمّا أن يكون نصًّا لغويًّا معجميًّا مرويًّا عن أهل اللغة, وهذا النوع هو الذي يتولّى المعجميّ شرحه, واستخلاص المعنى منه, ولا بدَّ فيه من اشتراط شروطٍ في قبوله نصًّا يستخلص منه معنًى, وإمّا نصًّا يستشهد به على معانٍ يوردها المؤلِّف, ولا بدَّ من أن يكون كالذي قبله, وأن يكون ثابتًا عمّن تؤخذ عنه اللغة, ومن يحتجّ ببيانه, لدى أهل اللغة, وأن يكون معتدًّا به, كالذي يروى من أقوال العرب, وأشعارها, وأمثالها، وغيرها من النصوص. والضرب الثاني ما يكون شرحًا لمفردات واردة في نصٍّ ما, وهذا غالبه من عمل المعجميين, ومرويّاتهم عن العرب من هذا النوع قليل, وهذا لا بدَّ لقبوله من شروطٍ, على رأسها صحّة التفسير, وأن يكون ممن يعتدّ بقوله, وهذا يقود إلى معرفة حال من يفسِّرها، كما يشترط ثبوت هذا التفسير لمن عُزِي إليه. وهذا يحمِّل من يتصدّى للصنعة المعجمية مسئوليّةً كبيرةً خاصّة في عصور جمع اللغة الأولى؛ فالمؤلِّف لا بدّ أن يتأكّد من صحّة النص وثبوته, والاعتداد به, إمّا بتحقيق نسخ الأصل ومقابلة بعضها على بعض, وعلى ما يماثلها من النصوص, ومقارنتها بأصولها الأخرى, أو ما يعدُّ أصلا لها, ثمّ توظيف النقد الذي يبنى على الشكِّ أولا, لينتهي إلى قبول النصِّ, وصحّته, أو ردّه والطعن فيه. وكل هذه كانت متجلِّية في عمل أبي منصور الأزهري, في التهذيب, وقد نصّ على ذلك في مقدماته, بنصوص كثيرة, لا ضرورة لإيرادها, بل أزعم أن جلَّ مقدّمته لتحقيق هذه الغاية.

********

التصنيف:

بعد أن هيأ أبو منصور مادّته اللغوية، فكّر في الطريقة التي يصنّفها عليها، فرأى أمثل طريقة هي طريقة الخليل في معجمه ((العين)), المؤسّسة على مخارج الحروف, وحسب بعدها, في المخرج, استمع إليه وهو يقول: ((ولم أر خلافاً بين اللغويين أن التأسيس المجمل في أوّل كتاب ( العين ) ، لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد ، وأن ابن المظفَّر أكملَ الكتابَ عليه بعد تلقُّفه إياه عن فيه. وعلمتُ أنه لا يتقدَّم أحدٌ الخليل فيما أسّسه ورسمَه. فرأيت أن أحكيَه بعينه لتتأمّله وتردّد فكرك فيه، وتستفيد منه ما بك الحاجةُ إليه. ثم أُتبعه بما قاله بعض النحويّين ممّا يزيد في بيانه وإيضاحه)). [مقدمة التهذيب1/26]. وقد حكى تعليل الليث استعمال نظام التقليبات الصوتية ((لما أراد الخليل بن أحمد الابتداءَ في كتاب ( العين ) أعملَ فكره فيه فلم يمكنه أن يبتدئ من أول ا ب ت ث لأن الألف حرف معتل فلمّا فاته أوّل الحروف كره أن يجعل الثاني أوّلاً وهو الباء إلاّ بحجّة، وبعد استقصاء)). [مقدمة التهذيب1/41].وجواب الليث عن السؤال الذي طرحه لا يعدو اجتهادًا, لا يلزم الخليل, ولا أراه مقبولا؛ ولو سأل سائل: لماذا اختار الأزهري الترتيب وفق نظام التقليبات الصوتيّة؟ لقدّرت أن الجواب: أن كلّ من قصدوا حصر الممكن استعمالا, وتعرّف المهمل لا يحقّقونها إلا من خلال هذه الطريقة؛ و الترتيب الصوتي يقرّب المتشابهات من بعض، ويعين على تعرّف الإبدال بجهدٍ أقلّ, وتعرف أوجه القلب وخاصة القلب المكاني, فالخليل ذو العقل الرياضي, والأزهري, والقالي في "البارع" وابن عبّاد في"المحيط" وابن سيده في"المحكم". كان همّهم الحصر الرياضيّ للممكن من تقاليب اللغة(الكلمات) ثمّ تعرّف ما استعملتها العرب ونسجت عليه من هذه التقاليب، وقد رام ابن دريدٍ الخروج عن التقليبات الصوتيّة, إلى التقليبات حسب الرسم والحروف الهجائيّة, فلم يرق عمله لبعض معاصريه, ولم يتابعه أحد في مسلكه, حتّى قال إبراهيم بن عرفة (نفطويه) :

ابن دريدٍ بقرهْ وفيه عيٌّ وشرهْ

ويدّعي من حمقهِ وضع كتاب الجمهرهْ

وهو كتاب العين إلا أنّه قد غيّرهْ

[المزهر في علوم اللغة وأنواعها 1/ 73]

وكذا يقال في الترتيب الموضوعي, الذي سار عليه أبو عبيدٍ في "الغريب المصنف", وابن سيده في "المخصص" ثمّ لمّا جدّ للناس حاجة تعرّف معاني المفردات, وما يتصل بها, وشرح غريبها, وسرعة التهدِّي لموضع الكلم, ظهرت مدرسة الترتيب الألفبائي, بشقّيه: القافية, كما في "الصحاح", وما ألّف على طريقته، وترتيب الألف باء حسب أوائل الكلمات, كما فعل الزمخشري (ت538) في "أساس البلاغة", وكما فعل ابن فارس في معجميه (المجمل ومقاييس اللغة) ولذا نجده وهو وإن تأخّرت وفاته بنحو ثلاث وعشرين سنة؛ إذ توفي سنة (393) معاصر للأزهري يرتِّب معجميه: "مقاييس اللغة" و"المجمل" على الترتيب الهجائي(الألفبائي) مع خصوصية له في هذا الترتيب.

ثم نقل الكلام الذي نقله الليث عن الخليل بن أحمد, وهو بنصه في العين إلا ما وقع بفعل اختلاف النسخ، فعلّل بدء الخليل بالعين من دون الهمز, وأن الخليل قلّب حروف الهجاء, فوضعها على قدر مخارجها من الحلق, على هذا النحو((ع ح هـ خ غ ق ك ج ش ض ص س ز ط د ت ظ ذ ث ر ل ن ف ب م و ا ي)). [مقدمة التهذيب1/41] .ثم أورد ما بني عليه كلام العرب من الثنائي, والثلاثي, والرباعي والخماسي. وما يتصل بها من شرح وتعليل. ثم الحديث عن ألقاب الحروف وهي : الحروف الذُّلق, والشفوية((مر بنفل)). ثلاثة من طرف أسلة اللسان(ر, ل,ن). وثلاثة شفوية (ف,ب,م) ثم نقل بقية كلامه عن مدارج الحروف ((فأمّا سائر الحروف فإنها ارتفعت فجرَتْ فوقَ ظهر اللسان من لَدُنْ باطن الثنايا من عند مخرج الثاء إلى مخرج الشين بين الغار الأعلى وبين ظهر اللسان . وليس للسان فيهّن أكثر من تحريك الطبقين بهنّ . ولم ينحرفن عن ظهر اللسان انحراف الراء واللام والنون . فأمّا مخرج الجيم والقاف فبين عَكدة اللسان وبين اللَّهاة في أقصى الفم . وأمّا مخرج العين والحاء والهاء والغين فمن الحَلْق . وأمّا مخرج الهمزة فمن أقصى الحلق . وهي مهتوتة مضغوطة ، فإذا رُفِّه عنها لانت وصارت الياء والألف والواو على غير طريقة الحروف الصحاح)). [مقدمة التهذيب1/44] ثم تحدّث – كما فعل الخليل – عن نظام الأبنية الرباعية والخماسية, وأنهما لا بدّ أن يشتملا على حرف من حروف الذلاقة والشفوية, أو ما ألحق بها من السين, والشين, والهاء. وعلاقة ذلك بنظام تكوين الكلم العربية, وما به يعرف العربي الصحيح من غيره. والخلاف بين ما نقله الأزهري عن الليث في صدر كتاب "العين" لا يعدو خلاف نسخ، سائغ مقبول.

ولم يقف أبو منصور عند نقل الليث من الخليل, بل شفعه، بنقلٍ آخر عن غير ابن المظفَّر – على حدِّ قوله – لم يعيّنه، وفيه اختلاف عن نقل الليث, في عدد أحرف العربية, فقد جعلها الليث تسعة وعشرين، وفي هذا النقل ثمانية وعشرين، وفيما أورده من بعض صفات الأحرف, فهل لإثبات هذا النقل من مغزًى وفائدة. وهذا مجمل الاختلاف والزيادة:

أ‌- عدد حروف العربية ثمانية وعشرون حرفًا, وعند الليث تسعة وعشرون.

ب‌- الجرس والصرف من صفات الأحرف، فالجرس للساكن؛ فهو السكون، والصرف للمتحرك؛ فهو الحركة.

ت‌- تقسيم الحروف إلى معتلٍّ وصحيح.

ث‌- تقسيم الحروف الصحاح إلى مذلقٍ, ومصمتٍ.

ج‌- خالف الليث بجعل الحروف الستة كلها مذلقة.

ح‌- الحروف المصمتة تسعة عشر.

خ‌- تقسيم المصمتة إلى مستعلية, ومستفلة.

د‌- جعل السين بحكم المذلقة, بخلاف الشين.

ذ‌- العويص في الحروف المعتلّة. ولعلّ المقصود به الصعب العسير, وهذا معروف فيها، فالإعلال والقلب بجميع أنوعه مؤسَّس عليها.

ر‌- فصّل الحديث عن حروف العلّة, وأورد بعض أحكامها, مما يؤيِّد فهمي للعويص, وشرحي.

وما من شكٍّ أنّه وفِّق بهذا الإدراج؛ إذ فيه إضافة، وتوضيح لبعض ما ورد في نقل الليث, هذا من جهة, ومن جهة أخرى الخليل لم يكتب ذلك في كتاب، وإنما تناقله عنه طلابه، وكل واحد منهم نقل ما سمع, وأثبت ما وعى، وقد يكون لاختلاف المجالس أثر في ذلك.

ثم نقل ما عزاه الليث عن حصر كلام العرب، فقال: ((هذا ما ألّفه الخليل بن أحمد من حرف : ا ب ت ث ، التي عليها مدار كلام العرب وألفاظها ، ولا يخرج شيء منها عنها ؛ أراد أن يعرف بذلك جميع ما تكلمت به العرب في أشعارها وأمثالها وألا يشذّ عنه منها شيء)). [مقدمة التهذيب1/52] وطرح إشكالا في فهمه، فقال: ((قد أشكل معنى هذا الكلام على كثير من الناس, حتى توهّم بعض المتحذلقين أن الخليل لم يَفِ بما شرَط، لأنَّه أهمل من كلام العرب ما وُجد في لغاتهم مستعملاً)). [مقدمة التهذيب1/53] وهو يقصد بهذا الكلام مفهومًا شاع في عصره, نجده عند ابن فارس, إذ يقول: ((وَمَا بلغنا أنّ أحداً ممن مضى ادعى حفْظ اللغة كلِّها. فأما الكتاب المنسوب إِلَى الخليل وَمَا فِي خاتمته من قوله: "هَذَا آخر كلام العرب" فقد كَانَ الخليل أورع وأتقى لله جلّ ثناؤه من أن يقول ذَلِكَ)). [الصاحبي في فقه اللغة العربية وسنن العرب في كلامها ص:26]. البشتي صاحب التكملة الذي ادّعى الاستدراك على الخليل, ونقض ما ادّعاه, من نقص عمل الخليل, وإتيانه بضعفيه, بل أكثر. [ينظر مقدمة التهذيب1/53] فقال: ((لمَّا قرأت هذا الفصل من (كتاب البشتيّ) استدللت به على غفلته وقلة فطنته وضعف فهمه، واشتففت أنه لم يفهم عن الخليل ما أراده، ولم يفطن للذي قصَده. وإنما أراد الخليل (رحمه الله) أن حروف ا ب ت ث عليها مدار جميع كلام العرب، وأنه لا يخرج شيء منها عنها، فأراد بما ألّف منها معرفةَ جميع ما يتفرع منها إلى آخره، ولم يُرد أنه حصَّلَ جميع ما لفظوا به من الألفاظ على اختلافها ... )). [مقدمة التهذيب1/53] وقد اتفق ردّ ابن فارس مع ردّ أبي منصور , وكلاهما وظّف كلمة الشافعي ((كلام العرب لا يحيط بِهِ إِلاَّ نبيّ)). [الصاحبي ص26] وإن كان ردّ أبي منصور أوضح، فهو يقول: ((ولا يجوز أن يخفى على الخليل مع ذكاء فطنته, وثقوب فهمه، أن رجلاً واحداً ليس بنبيٍ يُوحى إليه، يُحيط علمُه بجميع لغات العرب وألفاظها على كثرتها حتى لا يفوته منها شيء وكان الخليل أعقل من أن يظنَّ هذا ويقدِّره، وإنما معنى جِماع كلامه ما بيَّنته. فتفهمْه ولا تغلط عليه)). [مقدمة التهذيب1/53]

*******

دروس في منهج البحث العلمي نستقيها من مقدمة الأزهري, وهي كثيرة، لن أطيل فيها، وسوف أبرز الظاهر المفيد منها، وهي:

1. إيراد المصادر في المقدّمة, وما يتعلّق بها من تعريف بها, ومؤلِّفيها, وطباعتها, وتاريخها، ومظاهر خدمته.

2. تقويم تلك المصادر, والتمييز بينها, وبيان مزاياها, وقيمتها العلمية, وأخذ بعضها عن بعض, وبيان الأصيل من غيره, ونحن لو سلكنا هذا المسلك لخرجنا من وضع غير مرضٍ في البحث العلمي, يتجلّى في التزيُّد من المصادر, والتكثُّر بإيرادها, وهذا التقويم للمصادر كشف لنا الأزهري أنّه ليس بدْعًا علميًّا عصريًّا, فقد كان مسلك بحث عند المسلمين. وسيريحنا من ظاهرة إفراغ محتويات المكتبات الشخصية من المعلومات الكتبية (الببلوجرافيا) وهو عمل ألصق بعمل الورّاقين منه بعمل العلماء.

3. بيان الفئات المستهدفة, وربط العمل وخطابه بما تريده هذه الفئة, وهذا يرتِّب علينا أن لا نحاسب مؤلِّفًا ولا كاتبًا من دون أن ننظر إلى الفئة التي خاطبها, وأنشأ من أجلها عمله، فالعمل الذي يقدم للطلاب لا يحاسب ولا يقوَّم بمعايير وموازين عمل يخاطب به العلماء, والمختصون, كما لا يصح أن نقوّم كتابًا مدرسيًّا بمعايير البحث العلمي.

4. منهج التحقيق الرائع في تراثنا, كعمله في كتاب "المعاني" لأبي إسحاق الزجاج ((وما وقع في كتابي له من تفسير القرآن فهو من كتابه. ولم أتفرغ ببغداد لسماعه منه. ووجدت النسخَ التي حُملت إلى خراسان غير صحيحة، فجمعتُ منها عدّة نسخ مختلفة المخارج، وصرفت عنايتي إلى معارضةِ بعضها ببعض حتى حصَّلت منها نسخة جيّدة)). [مقدمة التهذيب1/27] الذي يعدّ بحقّ نموذجًا تفخر به الحضارة الإسلامية، ويفرِّط فيه الأبناء, ويدّعيه غيرهم من أمم الأرض. وحريّ بطلبة العلم والمبتدئين من الباحثين, وأشياخهم المجرِّبين المتقدِّمين أن يحيوا هذا المنهج في التحقيق والتوثيق, وله نماذج كثيرة في تراثنا العلميّ, ومقدمة الأزهري واحدةٌ منها.

5. تصحيح مفهوم التوثيق, وتخليصه ممّا ران عليه, وفهم الأزهري له مؤنس به؛ إذ لا ينصّ على اسم الشخص، إلا إذا كان متفرِّدًا بالرأي أو الرواية, أمّا المشترك والمشاع من بدهيّات العلم, وشائع الرواية فلا يذكره, ولا ينص عليه.

6. بيان السبق الفكري للأمّة الإسلامية, من خلال التراث العربي, في تأصيل القيم البحثية, من خلال نصوصٍ صرّحت بتلك القيم, ومنها مقدّمة الأزهري لكتاب (التهذيب) وجعِلت أساسًا بنى عليه الباحثون العرب ما دوّنوه من أعمال بحثيّة, كانت مقدِّمة أو عملا أوّليًّا لحركة التصنيف النشطة التي شهدتها العصور الإسلامية المتعاقبة من العصر العبّاسيّ إلى العصر الحديث, مع مراعاة الفوارق التي تنجم عن وضع الأمّة.

7. تشابه العلوم في منهجها البحثيّ لا يعني توافقها من كلِّ وجه, غير أنّ هنا اتِّفاق مبادئ, مع اختصاص كلّ علم بمنهجه وخصوصيّته؛ فما يصلح لدى المحدثين في أصول الرواية, قد يختلف عن أصول الرواية والسماع لدى أهل اللغة, وإن كانوا يتّفقون على الأصل والمنهج العام, أي مبادئه, وما يصلح لعلمٍ من منهج ليس بالضرورة صالحًا لجميع العلوم, فكل علمٍ له اختصاصه في تفصيلات المنهج, وتطبيقاته, وممارساته.

التوصيات العامّة:

يمكن لنا أن نستخلص غير ما ذكرناه من دروس متنوِّعة توصياتٍ عامّةً, مثل:

1- الدعوة إلى دراسة مقدِّمات المعاجم العربية؛ لما فيها من خلاصات من مناهج الصنعة المعجميّة, وأسس مناهج البحث العلمي والتحقيق, وأصول الضبط والتوثيق, وبيان المصادر للمعاجم, ووضع الضوابط الكلية في الأوزان والضبط, والاختصارات, وطرائق الشرح, وربط الألفاظ ببعضها, وربطها بمعانيها, وغير ذلك.

2- العناية بمقدِّمات الكتب في برامج الدراسات العليا, واختيارها ضمن النصوص التي يدرسها الطّلاب, وتكليفهم قراءتها قراءة تحليلية, موجِّهة, ناقدة, إثرائيّة, وإقامة دروسٍ حواريّة حولها.

3- استخلاص منهج عربيّ في البحث والتصنيف من خلال دراسة المقدّمات, وتأصيل القيم البحثية, وممارساتها.

4- توظيف تلك المقدّمات التوظيف المناسب في قراءة النصوص وتحليلها ونقدها. ولعلّ هذا من إتيان البيوت من أبوابها.

5- الدعوة إلى التفريق بين منهجين: منهج البحث, ومنهج التصنيف؛ إذ منهج البحث يعتمد تقرير المشكلة, وطرح أسئلتها, وافتراض فروضها العلمية, ويناء تنظير عليها, ليمتحن صدقه وثباته قبل أن يتحوّل إلى حقيقة علميّة, ومنهج التصنيف بما يتضمّنه من تقريب وتلخيص وشرح, وعرض وتنظيم وترتيب, ومراعاة المستفيد الذي ينشد مادّة تتّسم بالوضوح، والإفهام, والدعوة إلى بيان ذلك وشرحه للمبتدئين من الباحثين, وهم طلبة الدراسات العليا, والسعي لإقناع المتقدّمين من الباحثين من أساتذة المبتدئين, ومن كان في وضعهم, وقد كان للخلط بينهما أثر سيّئ في مضاعفة أحجام الأعمال العلمية,و الرسائل، وإخراجها بصورة تصرف القارئ عنها, وتنفِّر الراغب فيها, ولا تبشر أو تدعو المعرض عنها.

هذا ما أمكن سطره في هذه القراءة, وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين, وصلّى الله وسلّم على نبيِّنا محمّد وآله وصحبه.

 

ADIDAS ORIGINALS

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: