ما في معلوم..!

عاد الغائب منذ سنوات معدودات يتلكأ مفردات اللغة ويحيل الحاء خاءً والسين شيناً ويضرب بما تكلّفه المرحوم الدؤلي والفراهيدي - وكل مراحيم اللغة - الحائط والسقف، عاد يحمل على لسانه عقدة من عقد الزمان الجديد فقد غادر الى هناك معقداً متخلفاً وعاد وقد فكّت كل عقده بتعويذة غربية يكاد شرارها يتقد بغير نار...

عاد الفتى الأمرد الذي قضى من السنين ما يجاوز العشرين يقارع لسانه الضاد، عاد وقد أصابه بقدرة قادر فقدان ذاكرة جزئي أصاب مَواطن اللغة في المخيخ ولم يصب غيرها! فغلبته الهاي والأوكي وبنات عمتها من المفردات الخفاف اللطاف الفاتحة للأبواب، ونسي الفاتحة وحروف الهجاء واللكنة والنطق، وتبجح بحضارته ولكنته الجديدة ، على الرصيف الآخر قابله "راجو"، قضى في ديار العرب أكثر مما عاش في بلدته الصغيرة هناك ولم يعد إليها إلا مرات قليلة جدا، إلا ان لغته ما تزال عالقة في بصلته السيسائية وفي المخيخ والمخ وعصبه السمعي  والبصري وفي كل جزيء من جسده المتهالك، خاطبه صاحبنا المتحضر سائلا عن شيء، حك الرجل رأسه وهزه وحطه ونظر نظرة في السماء ثم اجاب : "أنا ما في معلوم" كم غبية هي هذه الجملة وكم عبقرية! 

كثيرون هم من لا يفهمون الفرق بين الثقافة والتمسح بالثقافة، كثيرون هم من يعتقدون أن الحضارة حرفان من أي أبجدية غربية يعيشها و يكاد يتنفسها ويتفاخر قائلا إني أفكر بالانجليزية ولا تسعفني اللغة العربية،أنا ضعيف جدا في العربي! يبتسم الحاضرون ويمدون أبصارهم إليه وقد تعملق وتضخم وزاد في المقام بسطة، ثم يسمعون من لا يجيد غير العربية فيتقزم ويختفي ويكاد الحاضرون يضربون كفا بكف ويقولون لا حول ولا قوة الا بالله! مسكين....

بلغ منا التحضر أن كل الشركات (وأصحابها) لم تعد تطلب من يجيد العربية وتشترط لغة أجنبية للقبول وكل مراسلاتها بغير العربي، وما "يذبح" في الموضوع أن المرسل عربي والمرسل إليه عربي والموضوع عربي ....! أما ما يضحك ويبكي في آن فهو ما أراه في بعض الإدارات والمكاتب : السائل يعتصرمخه ليترجم الكلمة إلى غير العربية والمجيب يجفف ثنايا دماغه ليخرج بجملة غير مفيدة بغير العربية وما أسهل أن يتخاطبا بلغتهما الأم، وكفى الله المؤمنين القتال.!

إن اللغات وإتقانها لأمر طيب لا محالة ومرغوب فيه، لكن ما الداعي لأن نمسح لغتنا في مقابل لغات الآخرين، ألا يمكننا تعلم اللغات والحفاظ على لغتنا؟! يكفي أن نعلم أن من أهل الضفة الأخرى من يتقن لغات كثيرة لكنه لا يتكلم بغير بلسانه الأصلي إلا في حالة الضرورة... بينما نتسابق نحن لنتكلم بغير لغتنا ولا نستعملها إلا في الشديد القوي؟!..  و نربي أبناءنا على "مرسي، وسي يو وثانك يو" فيشب الوليد مصابا بانفصام، يقول: لست أدري من أين لكني أتيت.... ويشب ويشيب مطالَبا (بفتح اللام) بالعروبة والقومية وقد نشأ متفسخا من أبسط رموزها : اللغة العربية.

أتعبني البحث في الموضوع و حاولت كثيرا أن أجد سرا وراء انسلاخنا عن لغتنا وتهربنا منها وتمسك الآخرين بلغاتهم، لكني إلى الآن ( ما في معلوم!!! أنتم في معلوم؟ )

Nike Sneakers

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: