حوارات مع غير العرب

اللغة العربية واهتمام المسلمين بها : حوار مع د. عناية الله إبلاغ ( الشريعة والحياة - قناة الجزيرة)

اللغة العربية واهتمام المسلمين بها ( الشريعة والحياة - قناة الجزيرة)
 مقدم الحلقة : أحمد منصـور
ضيف الحلقة : د. عناية الله إبلاغ : أستاذ في جامعة الكويت
تاريخ الحلقة: 12 /07 /1998

- مدى فرضية تعلم اللغة العربية على المسلمين
- أسباب عدم انتشار اللغة العربية لدى غير العرب قدر انتشار الدين عندهم
- حقيقة دور العثمانيين في عدم نشر اللغة العربية
- طبيعة العلاقة بين تعلم اللغة العربية وفهم الإسلام
- النظام العلماني التركي وموقفه من اللغة العربية
- مدى احتمال النجاح في تعريب التدريس في المواد العلمية
- حكم التعبد بغير اللغة العربية
- إلى أي مدى ساهمت العامية في عدم نشر الفصحى؟
- مصادر قواعد النحو الأصلية لدى علماء النحو الأوائل
 
أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج (الشريعة والحياة).

موضوع حلقة اليوم عن لغتنا العربية لغة القرآن والتشريع وما آل إليه وضعها في ظل الضعف والانهزام العربي العام، وكيف أصبح العرب يتباهون بتدريس أبنائهم في المدارس والجامعات الأجنبية، فيما لغتهم العربية تتقهقر وتتضعضع، وفيما نجحت فرنسا في فرنسة الجزائر وأكثر من عشرين قطراً إفريقيا آخر كانت تحتلها، فإن العرب الذين نجحوا في.. في نشر الإسلام في ربوع الدنيا لم ينشروا لغة القرآن، بل إن اللغة العربية أصبحت مهددة في عقر دارها، وفيما ينفق الفرنسيون والألمان والبريطانيون وغيرهم من أمم الأرض مئات إن لم يكن آلاف الملايين من الدولارات من أجل نشر لغاتهم، فإن المدرسة العربية في الأمم المتحدة كادت أن تتعرض للإغلاق هذا العام بسبب تقصير الدول العربية في دفع ميزانيتها التي لا تتجاوز 60 ألف دولار فقط في العام الواحد.

تساؤلات عديدة حول اللغة العربية، وأسباب ومعركة التعريب القائمة في الجزائر، والدعوة إلى تعريب العلوم في الجامعات العربية والصلة بين اللغة العربية والقرآن الكريم، ومدى أهمية تعلم اللغة العربية لكل مسلم.

هذه المحاور وغيرها نتناولها في حلقة اليوم مع الأستاذ الدكتور عناية الله إبلاغ (الأستاذ في جامعة الكويت)، ورغم أن دكتور إبلاغ أفغاني المولد والنشأة إلا أنه من أبرز المتخصصين في اللغة العربية وعلومها وبيانها، ومن أبرز الدعاة إلى نشرها والتمسك بأصولها وله دراسات وأبحاث ومشاركات في مؤتمرات وندوات دولية متميزة في هذا المجال وقبل أن نبدأ حوارنا نذكر مشاهدينا الراغبين في المشاركة بأرقام هواتف البرنامج: 888840-888841 أو 42 أما رقم الفاكس فهو 885999. مرحباً دكتور عناية.

د.عناية الله إبلاغ : حياكم الله.

أحمد منصور : دكتور في البداية لو سألتك عن اللغة العربية بما أن اللغة العربية لغة هي القرآن الكريم والعبادات هل يجعل ذلك تعلم اللغة العربية فريضة على كل مسلم.

مدى فرضية تعلم اللغة العربية على المسلمين

د.عناية الله إبلاغ : بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله وصحبه أجمعين.

الأول من ناحية أهمية اللغة العربية فإن القرآن الكريم ذكر في آيتين وعدة آيات نذكر الآية الأولى في سورة يوسف آية رقم 2 (إنا أنزلنه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون)، والآية الثانية في سورة الزخرف آية رقم 3 (إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون).

وهذا.. هذا الإرشاد والهداية القرآنية تجعلنا في موقف علينا أن ندرس اللغة العربية دراسة عميقة أكثر مما يتصوره بعض الناس وفيما يرتبط بسؤالك فيما يخص المسلمين من ناحية كون دراسة اللغة العربية فريضة أو غير فريضة، وإذا كان فريضة فهو فرض عين أو فرض كفاية

أولاً هذا يتطلب مقدمات، ولكن..

أحمد منصور[مقاطعاً]: نريد الأمر بإيجاز حتى نخاطب المشاهد العادي.

د.عناية الله إبلاغ : نعم.

أحمد منصور : الآن في ظل أن القرآن نزل باللغة العربية الحديث النبوي الشريف نصوصه باللغة العربية، التشريع الإسلامي أصله باللغة العربية، هل يفرض هذا على كل مسلم أن يتعلم اللغة العربية حتى يفهم هذا الدين من أصوله ومنابعه؟

د.عناية الله إبلاغ : هذا واضح لأن القرآن الكريم والأحاديث النبوية كلها باللغة العربية وهذا يفرض على المسلمين أن يعرفوا اللغة العربية، ولكن نحن نتكلم من ناحية الفرض، الفرض أنتم تعرفون بأن قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة وبقدر قراءة الفاتحة هذا فرض عين معناه أن كل مسلم عليه أن يعرف سورة الفاتحة حتى يقرؤها.. في الصلاة ومن ناحية الفرض الكفاية يعني إذا أداه البعض يسقط عن الآخرين فعلى كل المثقفين أن يعرفوا خصائص اللغة العربية حتى يصلوا من معرفة تلك الخصائص إلى معرفة أسرار القرآن الكريم، وإلى معرفة الرموز التي أودع الله –تعالى- في القرآن الكريم وإلى معرفة خصائص الأحاديث النبوية التي لها خصائص ورموز وأسرار لغوية وبلاغية لا يمكن الوصول إليها إلا بدراسة القواعد العربية.

أحمد منصور: يعني الحد الأدنى الآن لتعلم اللغة العربية على كل مسلم سواء كان عربياً أم أعجمياً أن يستطيع حفظ سورة الفاتحة وقراءتها وفهم معانيها

د.عناية الله إبلاغ : وفهم معانيها، نعم.

أحمد منصور: أما بالنسبة للمتخصصين فعليهم أن يغوصوا في أعماق اللغة ويحاولوا فهم كل جوانبها حتى يستخلصوا منها الأشياء الأساسية المتعلقة بفهم هذه اللغة ونشرها، هنا –دكتور- تبرز نقطة مهمة جداً وهي قضية ما هي اللغة التي ينبغي للمسلم أن يتعلمها؟ هل هي لغة الحديث، لغة الشارع؟ هل هي لغة الكلام اللغة المروية المشافهة أم أنها اللغة يعني أي لغة من اللغات ينبغي للإنسان المسلم أن يتعلمها؟

د.عناية الله إبلاغ: اللغة، نحن ندرس اللغة من ناحتين من ناحية أنها وسيلة تخاطب.. وسيلة تخاطب في البيئات، وندرس من ناحية أنها وسيلة للوصول إلى معرفة أسرار القرآن الكريم والأحاديث النبوية

من ناحية أنها لغة التخاطب فلا بأس بها بأن يكون مركزة على اللغة العامية و.. وإذا كانت مركزة على اللغة الفصيحة فهو أحسن ولكن إذا كان باللغة العامية.. اللغة العامية أيضا يحصل بها التخاطب.

أحمد منصور: دكتور.. دكتور.. عفواً هنا يعني دكتور في تصورك الآن يعني ما هي الأسباب التي أدت إلى أن نجح العرب في نشر الإسلام في ربوع الدنيا تقريباً وهناك أكثر من مليار ومائتي ألف مسلم موجودين في أنحاء العالم فيما لا يتجاوز عدد العرب 250 مليون فقط، يعني هناك ما يقرب من مليار مسلم غير عربي، هؤلاء لا يعرفون اللغة العربية، ما هي العوائق التي أدت إلى عدم نشر اللغة العربية في تلك الأقطار أو وصولها إلى هؤلاء المسلمين؟

أسباب عدم انتشار اللغة العربية بين المسلمين قدر انتشار الدين عندهم

د.عناية الله إبلاغ: إنا لست معك في عدم نشر اللغة العربية، لأن المسلم كمسلم فهو مهتم باللغة العربية ومهتم بالقرآن الكريم، ومهتم بسماع القرآن الكريم، ومهتم بسماع الخطب الخطب الجمعة التي تلقى باللغة العربية..

أحمد منصور: بس هو لا يفهم منها شيئاً.

د.عناية الله إبلاغ : باللغة العربية

أحمد منصور: لا يفهم منها شيء

د.عناية الله إبلاغ : يفهم كثيراً منه.

أحمد منصور: لا يفهم الكثير نحن يعني تجولنا في.. في آسيا وفي هذه الدول ورأينا أن الخطبة محفوظة بنصها يطلع الخطيب كل جمعة هي التي يقرأها وممكن أن يتكلم باللغة الأوردية أو الهندية أو غيرها الخطبة والناس لا يفهمون شيئاً إلا القليل، كثير من أيضاً الأعاجم عفواً يعني يحفظون القرآن ولا يفهمون من معانيه شيئاً تجده يقرأ القرآن تلاوة جيده وإذا قلت له ما اسمك لم يفهم حتى ما معني هذا الأمر يعني ما هي الأسباب التي حالت دون انتشار اللغة العربية رغم انتشار الإسلام؟

د.عناية الله إبلاغ: لا هذا واضح لأن انتشار اللغة العربية نشراً كاملاً هذا يعتبر قضاء على اللغات السائدة بين الشعوب، وهذا لا يمكن أن يقبل الشعوب غلبة اللغة العربية على لغاتهم، ولكن بقي شيء آخر، وهذا هام جداً وهو أن الإسلام ليس عنده تعريب بل تحبيب اللغة العربية.

أحمد منصور: كيف؟ أرجو أن توضح هذه النقطة.

د.عناية الله إبلاغ : تعريب اللغة العربية معناه التكليف، والإسلام لم يكلف الشعوب المسلمة، الشعوب المفتوحة بأن يتعلموا اللغة العربية، لأن الإسلام.. (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) وهذا خارج عن الوسع والطاقة، فالتعريب شيء والتحبيب شيء، والتحبيب والتحبيب مش يعرف بالطرق المختلفة كما ورد في الحديث النبوي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :" أحب العرب لثلاثة : لأن القرآن عربي وأنا عربي وكلام أهل الجنة عربي" فمعناه جعل الموقف في موقف التحبيب يعني.. يعني شوَّق الناس لتعلمه ولكن لم يكلفهم.

أحمد منصور: يعني ليس هناك ما يفرض على غير العربي

د.عناية الله إبلاغ [مقاطعاً]: ما يفرض

أحمد منصور [مستأنفاً]: أو يلزموه بأن يترك لغته ويتعلم اللغة العربية وإنما هناك ما يحببه في تعلم هذه اللغة

د.عناية الله إبلاغ: يحببه بقدر ما…

أحمد منصور [مقاطعاً]: يفهم به دينه

د.عناية الله إبلاغ : آه بقدر ما يفهم به دينه وبقدر ما يكون متمايلاً ومتذوقاً لأسرار القرآن الكريم ولأسرار دينه.

أحمد منصور: طيب، أنا.. أنا.. اسمح لي أشرك معي الدكتور حمدي أرسلان. الأستاذ في جامعة مرمرة في اسطنبول مرحباً دكتور حمدي.

د. حمدي أرسلان : أهلاً بكم تحية لكم جميعاً.

أحمد منصور: حياك الله، دكتور، في هذا الأطار الذي نتحدث فيه رغم أن الأتراك يعني العثمانيون كان لهم دور بارز في نشر الإسلام وفي إقامة إمبراطورية إسلامية ضخمة ظلت لعدة قرون من أقوى الإمبراطوريات الموجودة في العالم وكانت ترفع راية الإسلام، إلا أن الأتراك متهمون بأنهم حالوا دون انتشار اللغة العربية في الأقطار التي دخلها الإسلام وكانوا أكثر حرصاً على نشر اللغة التركية منها، ما تعليقك على هذا الأمر يا دكتور حمدي؟

حقيقة دور العثمانيين في عدم نشر اللغة العربية :

د. حمدي أرسلان: أولاً: هناك قاعدة عامة لابد من تحليل القضايا السياسية والاجتماعية حسب الظروف التي عاشت فيها هذه الأمم أو هذه الشعوب أو هذه الأقوام والدولة العثمانية كما أشرتم –إليها- آنفاً كانت دولة كبيرة وكانت دولة تحتوى على شعوب وملل وأقوام مختلفة، متعددة الجنسيات، وفي العهد العثماني.. في اعتقادي ما كانت هناك مشكلة.. مشكلة اللغة، وفي الدولة العثمانية كانت اللغة السائدة في الثقافة وفي العلم وفي المدارس كانت هي العربية، فقبل كل شيء خاصة في العالم العربي لابد من أن يميز الأخوة بين شيئين.. بين عهدين، الدولة العثمانية إلى عهد قريب إلى عهد التنظيمات وهذا العهد بدأ سنة 1839 بعد نشر أو إعلان منشور (ذو الخانة) الخط الفرماني المشهورة ومن هذا العهد بدأ في تركيا عهد جديد يعني يختلف تماماً عن العهد الزائل.

أحمد منصور: ما هو الفرق بإيجاز دكتور ما بين هذا العهد وذاك بإيجاز؟

د. حمدي أرسلان: إلى هذا العهد كانت المدارس الإسلامية في تركيا اللغة السائدة هي اللغة العربية والعلماء والمثقفون كلهم كانوا يستعملون في تأليفاتهم وفي تخاطبهم وفي أعمالهم الرسمية كانوا يستعملون العربية ولكن هناك في هذا العهد بعد هذا العهد بعد ما كثر تدخل رجالات الدولة من الغرب من الأوروبيين من روسيا خاصة بدأ رجال الدولة في الدولة العثمانية يتوجهوا أو يتوجهوا إلى الغرب يعني غيروا أو بدلوا وجوههم إلى الغرب، ومن ذلك الحين بدأت الاهتمام بدأ الاهتمام باللغات الأوروبية والابتعاد عن اللغة العربية وكانت اللغة العثمانية يعني تتشكل من 80% على يعني على الأكثر يعني كانت فيها الكلمات العربية والفارسية، والناس المثقفون كانوا يفهمون ويستعملون اللغة العربية حتى هناك الآن يعني في.. في أوساط قومية أو أوساط وطنية اتهام كمان هم يتهمون العثمانيون بأنهم كانوا يعني يستصغرون أو يحقرون أو لا يهتمون اللغة التركية وفعلاً اللغة التركية كانت هي اللغة التالية الثانوية في العهد العثماني الزائل.

أحمد منصور: لكن.. لكن الشعوب التي دخلت الإسلام حتى في أوروبا وفي آسيا على يد الأتراك كانت.. كانت اللغة التركية هي اللغة التي يتعلمونها في الوقت الذي يعني حضرتك الآن بتقول أن اللغة العربية كانت اللغة الأولى فيما اللغة التركية كانت الثانية.

د. حمدي أرسلان: طبعاً في الطبقات المثقفة وفي.. بين العلماء وبين أهل العلم هناك كما ذكر أستاذنا الفاضل قبل قليل يعني العلماء أيضاً في الدولة العثمانية ما رأوا ضرورة يعني واجبه في جعل اللغات كلها والقضاء على سائر اللغات الأخرى وجعل اللغة العربية هي السائدة ما رأوا فيها ضرورة حتى يذكر وينقل عن السلطان سليم الأول الذي دخل مصر وهو هذا الملك مشهور في البلاد العربية أيضاً فهو.. هو مهتم من ناحية ولكن هو الذي حاول بإصرار على جعل العربية هي اللغة الأساسية في البلاد ولكن شيخ الإسلام: انبلى علي أفندي وهو من كبار العلماء في عهده اعترض وقال أتركه(...) على حالاتها الطبيعية وقال وذكر تلا للملك للسلطان قوله تعالى (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين) واختلاف الألسنة والألوان أيضا من آيات الله فلابد من مراعاتها ثم الدولة العثمانية ما كانت.

أحمد منصور[مقاطعاً]: لكن دكتور عفواً في هذا الإطار هل تعتقد أيضاً أن عدم تعلم اللغة العربية يمكن أن يؤدي إلى عدم يعني فهم الإسلام بالشكل الخالي من التعصب أو الخالي من الانحراف الفكري؟ يعني كلما تيسر للإنسان أن يفهم اللغة العربية ويعرفها خاصة إذا كان عالماً أو أو.. أو يعني أكاديمياً أو غير ذلك كلما ساعده ذلك وأهَّله لكي يفهم الإسلام فهماً صحيحاً ويعلمه أيضاً للناس بشكل صحيح؟

طبيعة العلاقة بين تعلم اللغة العربية وفهم الإسلام :

د. حمدي أرسلان: هذه المشكلة يعني مشكلة اللغة أو مشكلة التمييز العنصري أو العنصرية أو القومية في العهد البعيد ظهرت في الدولة العثمانية من قبل ما كان أحد يعني يطعن في الآخرين بسبب لغته أو قوميته الدولة العثمانية أعتقد طبقت نظاماً مثالياً نموذجياً في بلاد البلقان مثلاً هناك يعني خارج عن هذه النقطة.. نقطة اللغة، هم ما حاولوا تنريك البلاد البلقانية واليونانية ولو فعلوا هذه الفعلة يعني لترى جميع الناس الآن يتكلمون باللغة التركية وصاروا أصبحوا أتراك في بلاد البلقان، على العكس من ذلك كلهم الآن يعني بعدما عاشوا تحت الهيمنة العثمانية 400 سنة، عادوا إلى قومياتهم وإن كانوا يتكلمون ويتحدثون بلغتهم وكانوا أحراراً في دينهم وهذه من الميز أو من فضل يعني من ناحية الإدارة الحكيمة للدولة العثمانية وهذه هذا الموقف هو الذي حببهم إلى شعوب تلك الديار ويعني سمح لهم بهذا الحكم الممتد الطويل في ذلك الزمن …

أحمد منصور[مقاطعاً]: طيب.. دكتور.. دكتور، حمدي يعني

د.حمدي أرسلان [مستأنفاً]: والعلماء أيضاً ما قصروا في فهم الإسلام ونقل العلوم الإسلامية إلى الناس على وجه صحيح ولذلك كان للعلماء أهمية ومكانة كبيرة لدى الشعب، ولكن كل شيء تغير بسبب هذا العهد الجديد عهد التنظيمات ولابد من….

أحمد منصور: طيب خليني أسألك دكتور حمدي عفواً دكتور حمدي.. هنا في هذه القضية الهامة وهي يعني قضية اللغة العربية وغيرها، الآن من الملاحظ أو.. أو النظام العلماني الموجود في تركيا يقف ضد قضية التعريب واللغة العربية بشكل أساسي على اعتبار أن اللغة العربية يمكن أن تساعد على ارتباط الأتراك بتراثهم القديم ورباطهم بدينهم وبالدولة العثمانية الإسلامية التي كانت من أكبر الإمبراطوريات التي ظهرت خلال القرون الأخيرة، ما تعليقك على هذا يا دكتور حمدي؟

النظام العلماني التركي وموقفه من اللغة العربية :

د. حمدي أرسلان: يعني هذه الفترات أو هذا العهد القريب أو الحديث يعني مختلف جداً عن العهد السابق وخاصة بعد زوال الخلافة العثمانية تغير كل شيء وأغلقت المدارس الشرعية وألغيت ألغي.. ألغي العمل بالحروف العربية وتم تغييرها إلى الحروف اللاتينية بإدعاء أن البلد سينضم إلى الربط الحضاري الحديث الغربي بالسرعة، ولكن من هذا الادعاءات ما حصل اللي وما حصل الكثير ما تحقق الكثير من هذه الادعاءات، على الرغم من ذلك الأتراك انقطعت صلتهم بماضيهم المجيد، والآن حتى يعني في اللغة التركية حصلت تغيرات وتبديلات كثيرة الآن الأجيال الأخيرة.. الأجيال

أحمد منصور: يعني نستطيع أن نقول هنا دكتور حمدي عفواً، نستطيع أن نقول بأن يعني الإسلام حفظ للأتراك لغتهم القديمة فيما جاءت العلمانية وبدلت اللغة وأدخلت فيها الحرف اللاتيني والمصطلحات اللاتينية بشكل أكبر مما كانت عليه اللغة العربية في عهد أو في العهد الإسلامي؟

د. حمدي أرسلان: نعم بالضبط يعني الحروف تغيير الحروف قطع الصلة صلة الأتراك بماضيهم بالعرب والبلاد الإسلامية ويعني علاقتهم الإسلامية بالبلاد الإسلامية والآن الأجيال الجديدة لا يفهم ما كتب وأُلِّف قبل 25 سنة.

أحمد منصور: يعني نقدر هنا عفواً دكتور حمدي نقدر هنا دكتور عناية الله.. نستطيع أن نقول هنا بأن الإسلام يعني لم يجبر أي من الأمم أو الشعوب التي دخلت في هذا الدين على أن تترك لغتها أو تترك قوميتها وتذوب في القومية العربية أو في اللغة العربية، على اعتبار ما ذكره الدكتور حمدي في أن -الله سبحانه- وتعالى جعل من حكمته تعدد الألسنة وتعدد الألوان وأن يعني، يستطيع الإنسان بأي لسان أن يعبد الله سبحانه وتعالى وأن يتعبد إليه؟ نقطة مهمة هنا نريد أن نستوضحها.

د.عناية الله إبلاغ: ومع هذا أنا أري لما قلت بأن هناك تعريب وهناك تحبيب، الفرق بين التعريب والتحبيب بأن التعريب فيه تكليف وليس هناك تكليف ولكن الإسلام لم يترك الناس حتى يكونوا في سياسة اللامبالاة تجاه اللغة ولذلك ما هو السر بأن في قرون متوالية…

أحمد منصور: طيب تسمح لي نتعرف على السر بعد موجز الأنباء الذي حان موعده الآن وأشكر الدكتور حمدي أرسلان الأستاذ بجامعة مرمره بأسطنبول على مشاركته معنا.

أحمد منصور: دكتور.. عناية الله توقفنا عند سر من الأسرار كنت ستتحدث به إلينا فيما يتعلق بالعلماء ونبوغهم طوال القرون الماضية وكثير منهم كانوا من الأعاجم الذين من المفترض أنهم من غير العرب ومن أبرزهم ربما الإمام البخاري وغيرهم، تفضل.

د.عناية الله إبلاغ: أنا ذكرت هذا السر لتوضيح ما ذكرت لكم بالنسبة للتعريب والتحبيب، لأن لأن التعريب بمعنى التكليف لم يكون في الإسلام وهذا هو السر في نشر الإسلام كما تعلمون بأن الفاتحين لما كانوا يذهبون إلى فتح البلاد كان معهم توصيه من قائدين مسلمين إلى احترام حتى المعابد احترام المعابد وعدم حرق الأشجار وعدم قتل كذا وكذا وكذا، فمعناه إن الإسلام نشر عن طريق الحالة الطبيعية والإبعاد عن الحالة القصرية، ولذلك نحن نقرأ في تاريخ الإسلام بأن الفتوحات الإسلامية كانت تتركز على.. على الدعوة وعلى نشر الدعوة أكثر من تركيز كما يقول بعض أعداء الإسلام بأنه كان فيه قتل وقتال وما إلى ذلك، لم يكن القتال كان فيه لأسباب إذا لم تنجح الأسباب الأخرى بدأوا بهذا، ولذلك هذا كله يدل على أن الإسلام هو راعى الحالة الأصلية للشعوب، ولكن بالنسبة للغة العربية جعل موقف الشعوب في بموقف يحبب إليهم اللغة العربية، فلما حبب إليهم اللغة العربية، هذا التحبيب وسيلة، لأيه؟ لأن نبغ ونبع علماء أعلام من غير أن يكون هناك وسائل، الإمام البخاري الإمام البخاري كتابه في عند أكثر العلماء بأن يقولون بأن أصح الكتب بعد كتاب الله صحيح البخاري وهو من بخارى وهو من غير العرب فمعناه أن تحبيب اللغة العربية وصل إلى درجة بأن الناس تجمعوا حول هذا المركز، وجعلوا هذا محوراً ومن هذا المحور تأدبوا وتعلموا، والتحبيب صار أنفع بالنسبة للتكليف، لأن التكليف يتوجه إلى الكل ولكن التحبيب يتوجه إلى المثقفين، ولذلك أن الإسلام بتدبيره السليم وبما يحتوي الإسلام عليه من مصالح للعباد وكذا وكذا وكذا، نحن نعرف بأن اللغة العربية مولد توجه الإسلام والمسلمين

أحمد منصور: طب دكتور أنا أريد أن أسألك سؤال أنت رغم أنك أفغاني وربما ظللت فترة طويلة لا تعرف اللغة العربية في طفولتك ونشأتك، إلا أنك يعني تخرجت من جامعة الأزهر وحصلت منها على الدكتوراه، وصرت الآن من كبار المتخصصين في أصول اللغة العربية ونحوها وصرفها حتى صار يتتلمذ على يديك أساتذة الجامعة، ما هي الدوافع التي جعلتك تهتم باللغة العربية رغم أنها ليست لغتك إلى الحد التي.. الذي أصبحت أستاذاً للأساتذة فيها؟

د.عناية الله إبلاغ: يعني أنا يمكن أن أقول لكم مثالي، ولست كما ذكرتم بهذا المستوى بهذا المستوى، ولكن نظراً لأن أسرتي ووالدي الله يرحمه دراسته دراسة اللغة العربية أنا بدأت من أول من الصفر باللغة العربية، ولست أنا لوحدي بل كل الأسر العلمية في أفغانستان كانت الدراسة دراسة باللغة العربية والدراسات الإسلامية كلها باللغة العربية ولا يخفى بأن في أفغانستان يمكن عندكم فكره بأن في أفغانستان كان أكثر من 5000 مدارس بمستوى المعاهد الأزهرية.

أحمد منصور: دكتور/ عفواً هل نستطيع أن نقول بأن وجود اللغة العربية هناك حد أدنى موجود اللغة العربية في الدول العربية والإسلامية، لا سيما لدى الفقهاء والعلماء وغيرهم يحفظ مستوى الدين لدى هؤلاء الناس على ألا ينحرفوا؟

د.عناية الله إبلاغ: طبعاً هذا واضح.

أحمد منصور: هناك محور مهم الحقيقة أود أن أنتقل إليه مع الدكتور كارم غنيم الأستاذ في كلية العلوم جامعة الأزهر.

أحمد منصور: دكتور كارم أهلاً مرحباً بك

د.كارم غنيم: أهلاً وسهلاً

أحمد منصور: دكتور كارم باعتبارك أنت أستاذ في علم الأحياء ومن كبار المهتمين بقضية تعريب العلوم وتدريسها في الجامعات العربية وهناك معركة مستمرة من سنوات طويلة حول قضية التعريب، حتى أنه لا يوجد ربما سوى سوريا التي تعتمد الدراسة في الكليات العلمية وكليات الطب أيضاً باللغة العربية، فيما معظم أو كل الدول العربية تعتمد اللغة الإنجليزية كلغة أساسية في عملية التدريس.

أحمد منصور: ما هي في تصورك أهم المشكلات التي تقف أمام تعريب العلوم وتدريسها في الجامعات العربية؟

د.كارم غنيم: بسم الله الرحمن الرحيم أولاً نشكركم على هذه اللفتة الطيبة ونقول أن الجامعات المصرية بصفة عامة اللغة الأساسية فيها في لوائح الجامعات هي اللغة العربية للتدريس، ولكن ربما يكون في هذه اللوائح أن عضو هيئة التدريس أو الأستاذ له الحق في أحيان معينة أو في بعض الأحيان أن يقوم بالتدريس بلغات أخرى الحقيقة أن القاعدة هي اللغة العربية والاستثناء هي اللغات الأجنبية، ولكن الوضع الحالي يقول أن العكس هو الجاري الآن، اللغات الأجنبية هي التي تستعمل في تدريس العلوم الطيبة والصيدلية والهندسية والإحيائية وما إلى ذلك، الحقيقة أن هناك مشكلات عديدة يتذرع بها أدعياء التعليم باللغات الأجنبية.

أحمد منصور: ممكن توجزها لنا دكتور لو سمحت؟

د.كارم غنيم: باختصار شديد جداً يقولون أن دول الاختراع والاكتشاف والابتكار ليست هي الدول العربية وإنما هي الدول الأجنبية، وهؤلاء الذين يخترعون ويكتشفون ويبتكرون يكتبون ذلك كله بلغاتهم، فعلينا أن نتكلم بلغاتهم ونتحدث ونكتب، حتى نستطيع أن نستوعب بسرعة ما تقذف به المطابع هناك حتى قدرت المصطلحات التي تولد بنحو 50 مصطلح علمي كل يوم، هذه واحدة من المشكلات تحتاج إلى حركة سريعة لمجامع اللغة العربية وليست الحركة المؤيدة التي نراها في أغلب المجامع سواء في القاهرة أو دمشق أو عمان أو غيرها . هناك مشكلة أخرى…

أحمد منصور: يعني هنا عفواً يا دكتور نستطيع أن نقول بأن مجامع اللغة العربية تتحمل قسطاً من المسؤولية في عملية التعريب؟

د.كارم غنيم: تتحرك ببطء، حركتها ليست على المستوى السريع الذي يواكب 50 مصطلح يومياً تقذف به الحضارة الغربية على مستوى العالم.

أحمد منصور: يعني لو تحركت –عفواً- المجامع العربية بشكل سريع هل يمكن هذا أن يؤدي إلى أن يواكب العرب التطور العلمي بشكل لحظي ويومي ولا يكون هناك أي شكل من أشكال التأخر العلمي؟

د.كارم غنيم: تعرف سيادتك أن هناك اتحاد مجامع لغوية على مستوى الوطن العربي.

أحمد منصور: نعم

د.كارم غنيم: ولكن نحن المشتغلين بالعلم منذ ربع قرن لم نسمع بإنتاج لهذا الاتحاد، ولهم نسمع بنهضة قومية عامة تضبط الترجمة والتعريب في العلوم المختلفة على مستوى الوطن العربي، كل دولة تعرب بأسلوب معين وبمدرسة معينة وبمنهجية معينة في التعريب، ولذلك ظهرت مشكلة التعددية المصطلحية، السوري يترجم المصطلح الأجنبي بترجمة معينة عربية، والمصري يترجم بترجمة أخرى، والتونسي يترجم بترجمة ثالثة إذن أنا حينما أؤلف كتابا أترجم كتاباً في علم الحشرات أو علم الحيوان أو في الطب أو في الهندسة بمدرستي أنا بمنهجي أنا الذي درجت عليه بمصر ربما لا يفهمني السوري أو التونسي حينما يقرأ كتابي، ذلك لأن هناك تعددية مصطلحية.

أحمد منصور: عفواً هنا.. هنا قضية توحيد المصطلح، الحقيقة أنا بأعتبرها قضية هامة، وأنت حضرتك الآن أشرت إلى.. إلى جانب خطير جداً يعني الآن في فرنسا المجمع العلمي الفرنسي يوحد المصطلح بحيث أن كل شخص يدرس اللغة الفرنسية في أي مكان من العالم لا يمكن أن يجد تعدد في المصطلح في الوقت الذي في العالم العربي يمكن أن يجد في كل دولة تعريب أو أو مصطلح يخص مترجم هذه الدولة طيب دكتور كيف كيف –بإيجاز- أيضاً يتم التغلب على هذا الخلل الخطير في الوقت الذي تعقد فيه مؤتمرات وهناك من المفترض أن هناك تواصل علمي بين المجامع العلمية؟

د.كارم غنيم: المؤتمرات كثيرة نعم المؤتمرات كثيرة وفي دول مختلفة من الدول العربية، ولكن تخرج المؤتمرات بتوصيات، والتوصيات كلها حبر على ورق ولا تجد من ينفذ هذه التوصيات أو لا تجد هذه التوصيات النور إلى حيز.. الحيز العملي، نحن نقول أن…

أحمد منصور: يعني الآن نستطيع أن نقول أن قرار.. أن قرار التعريب وتوحيد المصطلحات لابد أن يكون قراراً سياسياً وليس قراراً لغوياً؟

د.كارم غنيم: نعم إلى حد.. إلى حد كبير، لابد أن يكون هناك حس وطني وقومي ولابد أن يكون هناك قرار سياسي متوازي مع قناعة العاملين والقائمين على العملية التعليمية في جميع البلاد العربية، وكذلك العملية البحثية الذين يكتبون بحوثهم باللغة.. بلغات أجنبية، لماذا لا يكتبوها باللغة العربية ثم يضعون في كل بحث أو ورقة ملخص أو موجز باللغة أجنبية معينة؟

أحمد منصور: ربما.. ربما الآن –للأسف- يا دكتور أصبح استخدام اللغة حتى التحدث بها وإدخال مصطلحات إنجليزية أثناء الحديث باللغة العربية، شيء يعتبر من (البرستيج) الذي يحرص عليه حتى الناس العاديين جداً في علاقاتهم وكلامهم وإن أستاذ جامعي يكتب بحث باللغة العربية ممكن أن يعتبر ذلك شيء من الإنتقاص له في ظل الهيمنة الموجودة والضعف العربي العام الذي تعتبر قضية اللغة جزء منه أنا أود أن أسألك أنت تدرس الأحياء وعلم الأحياء من العلوم التي تدرس بالإنجليزية هل تدرس إلى طلبك باللغة العربية؟

د.كارم غنيم: أدرس –أحياناً- نصف المقرر باللغة العربية ونصفه الآخر باللغة الإنجليزية، لكي أنمي الثروة اللغوية عند الطالب أنميها.. أنمي الثروة اللغوية العربية وأنمي الثروة اللغوية الإنجليزية، وأحياناً أدرسها باللغة العربية كاملة، أدرس المقرر باللغة العربية مع وضع بعض التعبيرات أو المصطلحات الأجنبية في ثنايا الكلام، حتى إذا اطَّلع هذا الطالب فيما بعد على أي موسوعة مطبوعة باللغة الأجنبية لا يجدها.. لا يجد المصطلحات الأساسية في العلم الذي يقرأ فيه أو التعبيرات غريبة عليه أو يجهل الكثير منها، ولكن..

أحمد منصور[مقاطعاً]: يقال أن هناك توجه لدى الكثير من أساتذة الجامعات في مصر، ومن المؤكد أنك على علاقة بهم، في أنهم حتى في كليات الهندسة وفي كليات الطب وفي غيرها، أنهم بدأوا ينتهجون، بشكل، فردي تدريس العلوم باللغة العربية وهم يقومون بعملية تعريب المصطلح، وأعتقد أن لك عدة كتب في تعريب المصطلحات، هل بدأ هذا النهج أيضاً في قضية التدريس أو تعريب التدريس في المواد العلمية يأخذ شكلاً نستطيع أن نقول إن إحنا خلال 10 سنوات مثلاً يمكن أن تصبح اللغة العربية لغة أساسية في تدريس العلوم في الجامعات العربية؟

مدى احتمال النجاح في تعريب التدريس في المواد العلمية :

د.كارم غنيم: والله في الحقيقة أنه يجب أن تتضافر الجهود الفردية وأن تستظل بقيادة سياسية، لابد أن.. نحن نبذل جهود فردية، كل واحد منا من حبه للقرآن وحبه للغة العربية، وهي لغة القرآن يقوم بتدريس العربية وترجمة الكتب أو ترجمة البحوث من اللغة الإنجليزية أو الفرنسية العربية، والحقيقة أن هذه الترجمة تعتمد على قدرة الفرد وإمكاناته، فلابد أن يكون هذا الفرد القائم بالترجمة متمكن من اللغة العربية كما أنه متمكن من اللغة التي ينقل عنها،حتى تكون الترجمة مستساغة وترجمة سهلة والأسلوب عذب رائق، ولكن في كثير من الترجمات التي اطلعت عليها سواء تنشر في مصر أو في بعض الدول الأخرى العربية، نجدها ترجمة بأسلوب جاف وترجمة ركيكة البنيان، ربما هذا هو الذي يجعل الطلاب يعزفون عن القراءة والإطلاع في العلوم المختلفة باللغة العربية فإذا كانت الترجمة متينة رقيقة جميلة عذبة تطلع على كل العلوم بيسر وعذوبة..هذا

أحمد منصور: دكتور سؤالي الأخير لك، عفواً، سؤالي الأخير لك هو يعني هناك أيضاً من يدعي أو يقول بأن الطالب الذي يدرس العلوم باللغة العربية يكون أضعف من الطالب الذي يدرسها باللغة الإنجليزية، وأنا الحقيقة هنا ألاحظ في الهند مثلاً وفي الصين وفي هذه الدول أن هناك ترجمة يومية لكل ما يصدر من كتب في العلوم هناك، وكانت مشكلة حقوق الطبع من المشكلات التي أثيرت بين الولايات المتحدة والصين واعتبرت من القضايا السياسية في قضية حفظ الحقوق وغيرها على اعتبار أن الكتاب كان يصدر صباحاً في نيويورك ممكن في نفس.. ثاني يوم أو ثالث يوم ممكن أن يكون مطبوع باللغة الصينية بشكل كان يذهل الآخرين، وأيضاً كان يؤدي إلى أن الصينيين يدركوا العلوم، هذا غير موجود وغير متوفر في العالم العربي لكن أنا حتى لا أدخل في هذا الإطار، ربما يكون أوسع من السؤال الدقيق الذي بأساله لك، مستوى الطالب المتخرج الذي درس فقط باللغة العربية هل يمكن أن يكون أضعف من الطالب الذي درس باللغة بالإنجليزية؟

د.كارم غنيم: كيف يكون ضعيفاً هو طالب يعلم المعلومات في علم مثلاً الحشرات أو علم الحيوان، يعلم هذه المعلومات باللغة العربية وطالب آخر يعلمها باللغة الإنجليزية فما هو، يعني، المبرر الذي يجعل هذا الطالب أقوى من هذا الطالب؟

أحمد منصور: قضية المصطلح التي إحنا تحدثنا فيها منذ قليل

د.كارم غنيم: الطالب الذي يسافر إلى الدول الأجنبية عليه أن يدرس اللغة التي سيسافر ويدرس.. ويدرسها 6 شهور أو سنة ليستوعب هذه اللغة إنجليزية أو فرنسية أو ألمانية، ثم يذهب ليتعلم أو يضيف إلى علمه المزيد من المعلومات أو المزيد من التقنية المختلفة، إذن الضعف ليس في التدريس بلغة معينة، الضعف في كيفية توصيل المعلومة للطالب

أحمد منصور: نعم، يعني القضية هنا القضية هنا قضية المعلومة أياً كانت لغتها وليست قضية اللغة الإنجليزية كلغة للعلوم والتكنولوجيا كما..

د.كارم غينم: فيه كم من المعلومات يتلقاها الطالب بأي لغة كانت، وطبعاً اللغة الأم هي أسهل اللغات وهي لغة الإبداع. هي لغة الإبداع.

أحمد منصور: شكراً للدكتور كارم غنيم (الأستاذ بكلية العلوم جامعة الأزهر) أشكرك على هذه المداخلة وعلى هذه المشاركة. دكتور عناية الله.. عندنا قضية خطيرة جداً وهامة جداً وهي التعبد بغير اللغة العربية، الآن هناك الصلاة لابد أن تؤدى باللغة العربية عبادات الحج لابد أن تؤدي باللغة العربية، إذا كان الإنسان لا يتقن أو إذا كان المسلم لا يتقن اللغة العربية.. تلاوة القرآن أيضاً لابد أن تؤدي باللغة العربية، هل يمكن له أن يتلوا القرآن بلغته هو أياً كانت هذه اللغة؟ هل يمكن له أن يصلي بلغته هو أياً كانت هذه اللغة؟ أم أنه يجب أن يتلوا القرآن فقط بالعربية وأن يصلي فقط أيضاً بالعربية ويؤدي العبادات والمناسك باللغة العربية؟

حكم التعبد بغير اللغة العربية :

د.عناية الله إبلاغ: هذا ما ذكره الفقهاء المجتهدون الفقهاء المجتهدون جمهور الفقهاء على أن اللغة العربية اللغة العربية ضرورية اللغة العربية ضرورية ومن غير اللغة العربية لا يمكن أن يؤدي الصلاة ولكن الإمام الأعظم أبو حنيفة -رحمه الله- له روايتان، الرواية الأولى بأنه يصح بغير اللغة العربية وخصص في هذا اللغة الفارسية والفارسية الدارّية

أحمد منصور: هل لأنه كان فارسي دارياً وأنت أيضاً فارسياً دارياً.

د.عناية الله إبلاغ: فارسياً أفغانستان ولكن

أحمد منصور: هل لأنها تحوي من مفرداتها ما يزيد على 60% تقريباً من اللغة العربية؟

د.عناية الله إبلاغ: ما يقرب إلى 60 يزيد عن 60 لأن كلماتها كلمات عربية، لذلك ذكر أن العاجز عن اللغة العربية يمكن أن يؤدي الصلاة باللغة الفارسية ثم

أحمد منصور: هذا.. هذه الفتوى ربما كانت للفرس الذين لا يعرفون ليس لكل الشعوب الأخرى ولكنه كان يعيش بينهم، وأعتقد أنه تراجع فيها أيضاً فيء أواخر حياته

د.عناية الله إبلاغ: آه طبعاً.. طبعاً تراجع عن هذا تراجع في آخره وذهب إلى ما ذكره صاحباه، وعلى كل حال قبل عدة أيام كان في مؤتمر في جامعة الأزهر بعنوان "دور الترجمة في نقل الحضارت".

أحمد منصور: وأنت شاركت فيه؟

د.عناية الله إبلاغ: أنا كنت مشترك فيه بالبحث، وكان.. قبل 14 يوم وهناك كان فيه بحوث ألقيت هذه.. هذا المؤتمر رتبتها كلية الدراسات الإنسانية.

أحمد منصور: المهم خلاصة المؤتمر وما حدث فيه.

د.عناية الله إبلاغ: خلاصة المؤتمر أن ترجمة القرآن شيء وأصل القرآن شيء والقرآن الكريم عباده عن النظم والمعني النظم والمعنى، والترجمة عبادة عن المعني وربما لا يكون هذا المعني أصل المعني الذي

أحمد منصور: أو يقصده القرآن أو النص القرآني

د.عناية الله إبلاغ: يقصد القرآن الكريم لأن الترجمة الترجمة لا يمكن أن يؤدي أصل المطلب، لذلك كان هناك بحوث هامة جداً وقرارات بهذا لأنه لا يمكن أن يؤدي ترجمة أصله ما قصد به القرآن الكريم، ولذلك بالنسبة لمن يتلو القرآن الكريم عليه أن.. أن يتعلم عليه أن.. على كل مسلم أن يتعلم القرآن الكريم بقدر ما يصحح الصلاة ولكن إذا كان عاجز كاملاً فمن الممكن أن يؤدي بالترجمة ولكن هذه الترجمة لا تعتبر قرآن لأن القرآن عبارة عن النظم والمعنى جميعاً والدليل على ذلك…… هو.. النظم أو المعنى جميعاً الآيات القرآنية وهو أعجاز القرآن الكريم أعجاز….. بالنظم والمعنى ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وأدعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين)

ولذلك الجانب الأعجاز في القرآن الكريم النظم والمعني جميعاً، والترجمة نحن لا لا نسكر الباب.. لا نسد الباب

أحمد منصور: ليس هناك تضييق وإنما في حالة الاستحالة يمكن للإنسان أن يستعين بالترجمة – معي الأخ منغون مختار من زامبيا، منغون

منغون مختار: نعم

أحمد منصور: اتفضل، أخي

منغون مختار: السلام عليكم

أحمد منصور: وعليكم السلام

منغون مختار: أولاً أشكرك على تناولكم موضوع اللغة العربية

أحمد منصور: حياك الله

منغون مختار: وواجب المسلمين على تعلمه.. على تعلمها، هذا الموضوع موضوع يستحق الطرح في (…) البحث والمناقشة لا شك.

أحمد منصور: ونحن نطرحه لذلك اتفضل.

منغون مختار: لكن أسمح لي أن أقول أولاً: أنه من المؤسف جداً أن العرب أن العرب هم الذين ضيعوا هذه اللغة، أو هم الذين أهملوا ولم يهتموا بهذه اللغة يعني بدرجة أقل، أما فيما في هذه النقطة اللي نحن عليها الآن، قبل قليل نحن الآن عندما نستمع إلى.. مثلاً أنا في دولة أجنبية بالنسبة للغة العربية وإن كانت دولة إسلامية يعني دولة المسلمون يمثلون الغالبية العظمي فيها.

أحمد منصور: جامبيا أقصى غرب أفريقيا.

منغون مختار: دقيقة واحدة يا أخي لو تكرمت أنا أردت أن أصل إلى شيء واحد، عدم اهتمام العرب بلغتهم أصبح يعني قضية مخجلة جداً جداً جداً

أحمد منصور: يعني انعكس هذا عليكم

منغون مختار: كل ما استمعت إلى إذاعة أو قناة عربية عند قراءة النشرة عند كل شيء تجدهم يتكلمون بلهجات يعني باللغة الأجنبية حتى أنت يا أخ أحمد قبل قليل سمعتك تقول هذا، البرستيج، برستيج هذه ليست كلمة عربية

أحمد منصور: لا أنا أصف.. أنا أصف.. الوجاهة.

منغون مختار: ونحن في بصدد الحديث عن اللغة العربية، الذين خدموا الإسلام خدموا اللغة العربية في السابق أكثرهم ليسوا عرباً هذا الأمر معروف، أما قراءة القرآن بدون اللغة العربية فهذا شيء لا يجوز لا يجوز ونحن قبل قليل سمعنا الأستاذ المصري يقول: إنهم، يعني في تدريس العلوم، يدرسونها بلغات أجنبية باللغة الإنجليزية -مثلاً- هذه اللغة العربية لم تعجز عن استيعاب هذه العلوم العلوم ليست لها لغة، ليست لها لغة وإذا كنا نتحدث الآن عن العبادة، وكأننا نريد أن نجعل اللغة العربية لغة للعبادة فقط، وأما العلوم هذه يجب أن تدرس بلغة أخرى مثلاً الإنجليزية مثلاً أنا.. أنا حتى يعني الـ 17 أو الـ 20 من عمري لم أكن أعرف كلمة واحدة بالعربية.

أحمد منصور: دكتور ما تخصصك، عفواً؟

مغنون مختار: أنا تخصصي دراسات إسلامية دراسات مقارنة مقارنة الأديان.

أحمد منصور: دراسات إسلامية درست في الأزهر. أم في أيمن أي جامعة؟

مغنون مختار: نعم.

أحمد منصور: في الأزهر.

منغون مختار: لا لا لست مشتركاً بالجامعة أنا الآن أعمل مديراً لمكتب هيئة الإغاثة الإسلامية في غرب أفريقيا في السنغال.

أحمد منصور: وأنت أنت جامبي من جامبيا نفسها؟

مغنون مختار: أنا جامبي جامبي الجنسية أنا.

أحمد منصور: نعم دكتور أنا أشكرك جداً. وأنت بذلك

مغنون مختار: أنا لست عربي ولست إنجليزياً ولست فرنسياً، كل هذه اللغات درسناها فقط أنا خريج جامعة أم القرى بمكة المكرمة، تقريباً درستهم يعني...

أحمد منصور: أنا فقط وددت أن أعرف أين أين تعلمت اللغة العربية وتتكلم بها بطلاقة وتحمل العرب مسؤولية عدم نشر لغتهم.

مغنون مختار: اللغة العربية درستها بجامعة أم القرى بمكه المكرمة.

أحمد منصور: أشكرك يا دكتور شكراً جزيلاً على هذه المداخلة التي حملت فيها العرب مسؤولية اللغة العربية.

لذلك إحنا ضيفنا أفغاني وأنت من جامبيا وهذا يعني يؤكد على حرصنا على يعني استشعار أن غير العرب أكثر اهتمام باللغة حتى من العرب أنفسهم، معي من الجزائر الدكتور عثمان سعدي رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية، تفضل يا دكتور عثمان.

عثمان سعدي: أهلاً وسهلاً شكراً.

أحمد منصور: حياك الله.

عثمان سعدي: والله أود.. بسم الله الرحمن الرحيم، أود أن أوضح نقطة فقط سبق أن قلتم أن الفرنسة موجودة في الجزائر فقط بالمغرب العربي ده مش صحيح الفرنسة شامله لكل المغرب العربي ما عدا ليبيا،… بل بالعكس في تونس والمغرب وموريتانيا القرنسة أعمق مما هي في الجزائر، مثلاً في المدارس الجزائرية العلوم والرياضيات والفيزياء تدرس باللغة العربية حتى البكالوريا بينما نجدها في تونس والمغرب لازالت حتى الآن تدرس باللغة الفرنسية وموريتانيا، إذن مرض الفرنسة عام في المغرب العربي كله، لكن فرنسا ترفع (...) وتحارب الجزائر وتواجه الجزائر لأنها عجزت أن تروض الجزائر في إطار النادي الفرانكفوني، بينما تونس والمغرب وموريتانيا هم أعضاء في النادي الفرانكفوني ولهذا تتغاضى عن أشياء كثيرة.. النقطة الثانية...

أحمد منصور[مقاطعاً]: دكتور تسمح لي أسألك تسمح لي أسألك عن قضية التعريب الآن في الجزائر يعني أخذت أو تأخذ بعداً وكأنما دخلت في قضية صراع وقضية خلافات، ما هي الأبعاد التي أدت إلى ذلك؟

د.عثمان سعدي: لا توجد خلافات هو مثلاً يرفع شعار أن التعريب ضد البربرية، غلط.. خطأ، التعريب يحل محل اللغة الفرنسية، لأن البربرية في الجزائر عبارة عن لهجات، ليست لغة مكتوبة.

أحمد منصور: يعني ليست لغة.. ليست لغة مكتوبة ولا مدروسه، اللغة البربرية؟

د.عثمان سعدى: ولا مدروسة، حتى الأحزاب البربرية مثل الحزب السعيد سعدي وحسنيات أحمد أدبياتهم كلها باللغة الفرنسية، ليست لهم وثيقة واحدة باللغة باللغة البربرية، لأن البربرية عبارة عن لهجات بالعربية العاربة أقول العربية العاربة، تكاد لا توجد كلمة واحدة بالبربرية ليس لها وجود في لسان العرب.

أحمد منصور: يعني قضية التعريب في الجزائر، عفواً يا دكتور، قضية التعريب بالجزائر، حتى نفهمها بشكل صحيح الآن، أنها لا تستهدف، عفواً أسمح لي يا دكتور، أنها لا تستهدف اللهجات المحلية أو الأشياء، القبليلة الموجودة وإنما هي قضية إحلال للغة العربية محل اللغة الفرنسية التي سادت في المنطقة المغربية كلها إبان الاستعمار الفرنسي، صحيح هذا التصور؟

د.عثمان سعدى: في إدارة الدولة إدارة الدولة تسيطر عليها اللغة الفرنسية، بينما التعليم في الجزائر 7 ملايين ونصف مليون تلميذ في التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي كلهم معربون يدرسون الفرنسية كلغة فقط سائر المواد تدرس باللغة العربية، لكن كلية الاقتصاد والعلوم الإنسانية والتجارة والجغرافيا والإحصاء وغيرها باللغة العربية، لكن الطالب عندما ينتهي من الجامعة ويذهب إلى إدارة الدولة أو إلى إدارة القطاع الخاص يضطر إلى أن يتعلم الفرنسية لأن الإدارة تدور باللغة الفرنسية أذن المعركة في الجزائر ليس بتعريب التعليم أو في تعريب البلاد وإنما في تعريب الإدارة.

أحمد منصور: طيب الآن ما هي المشكلة إذا كانت الحكومة نفسها هي التي أصدرت قرار التعريب؟ ما هي المشكلة ولماذا الأمور مضخمة الآن في الجزائر حول موضوع التعريب؟

د.عثمان سعدي: لأن أبواق الاستعمار الفرنسي الجديد تضخمها فرنسا لها وجهان وجه موجة...

أحمد منصور: دكتور.. ربما هناك خلل في الاتصال نعاود الاتصال بك أو نشكرك على هذه المداخلة، وعلى اتصالك معنا، وربما القضية الآن صارت واضحة تماماً، أشرك الدكتور عمر الزين لأستاذ في جامعة الملك عبد العزيز في جدة.. دكتور عمر

د. عمر الزين: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أحمد منصور: عليكم السلام ورحمة الله حياك الله.

د. عمر الزين: يا أخي أشكركم على هذه الحلقة الجميلة، وأنا أود أن أوضح فارقاً مهماً ما بين كلمتين دائماً ما تخلط بينهما، وهي الترجمة والتعريب، الترجمة أن آتي بكلمه تقابل ما هو باللغة الأجنبية، أما التعريب فأنا آخذ الكلمة الأجنبية وأضعها في ميزان اللغة العربية، مثلاً أخذ كلمه إلكترون وأترجمها للغة العربية وأعربها بلكمة إلكترون أما إذا ترجمتها فأنا أترجمها بما يقابلها بالعربي وهو كهيرب وهناك أنفار كثير من الأخوة يخلطون ما بين الاثنين، أنا أود أن أقول أننا كنا في زمن قديم، أن كل كتب العلوم كانت تكتب باللغتين العربية والإنجليزية ولا سيما الأحرف في الرموز في الرموز الكيميائية الآن نجد أن جميع الكتب لا تستخدم إلا إلا الأحرف الأعجمية الإنجليزية،

أحمد منصور[مقاطعاً]: ا للاتينية.

د. عمر الزين[مستأنفاً]: أما الرموز العربية التي هي أساس علم الكيمياء فقد نسيت تماماً، وأنا أود أن أقول هنا بأن.. لا يمكن أن ترى حضارة من الحضارات، إبحث في التاريخ بأكمله لا.. لا يمكن لك أن ترى حضارة أو تعرف بحضارة قد وصلت إلى أوجها بغير لغتها، اليونان اليابانيون الآن، كل من أراد أن يصل إلى قمة الحضارة فلا تتأتى له هذه المهمة إلا.. إلا بعد ترجمة العلوم إلى علومه.

أحمد منصور: يعني وأنتم يا دكتور أنتم الآن -كأكاديميين وأساتذة جامعات- تتحملون قسطاً كبيراً من المسؤولية هذا الجانب، وهناك.. أعرف كثير من الأساتذة الذين اتصلت بهم أثناء إعداد الحلقة في جامعات في القاهرة.. في جامعات مختلفة منهم أساتذة في الهندسة وفي غيرها يدرسون طلابتهم باللغة العربية، رغم أن هؤلاء الأساتذة درسوا في أميركا وبريطانيا وفي الدول الغربية فقضية التعريب الآن وقضية المعلومة- كما أشار الدكتور كارم غنيم في مداخلته- المعلومة ليس لها لغة، يعني لا نفرض إن المعلومة لا بد أن تدرس أو.. أو تنقل أو تُفهَّم باللغة الإنجليزية أو باللغة الفرنسية وإنما يمكن أن تعرب إلى أي لغة، وأشكرك على التفريق الذي أوضحته بين قضية التعريب وقضية الترجمه دكتور عمر لازلت معنا؟

د.عمر: نعم.

أحمد منصور: هل.. هل من إضافة أخيره حتى نتيح المجال لآخرين؟

د.عمر: أقول.. أود أن أقول أن لغتنا العربية أغنى من أي لغة أجنبية، ولكن الضعف ليس في اللغة العربية وإنما فينا نحن.

أحمد منصور: الكل يركز على هذه بما فيه الأخوه من غير العرب ومن بينهم ضيفنا في الأستوديو الدكتور عناية الله إبلاغ أحد كبار المتخصصين في اللغة العربية الدكتور.. إبلاغ. هناك قضية هل لك تعليق على ما ذكره الإخوة من جامبيا ومن الجزائر ومن السعودية في مداخلاتهم المختلفة حول موضوع اللغة العربية؟.

عناية الله إبلاغ: أنا عندي تعليق إجمالي، وهو أن أننا لا نلقي اللوم على العرب في هذا، لأن الحالة في هذا العصر وصل إلى درجة.. العرب، وغير العرب، كلهم لهم مسؤولية تجاه اللغة العربية، كما أننا نشعر بشيء من الضعف في.. في العرب ونفس الشيء نشعر في العجم.. في غير العرب أيضاً، ولذلك هذه مشكلة، وهذه، مشكله على عاتق المسلمين، وعلى المسلمين أن يحلوا هذه المشكلة، فكيف هم.. هل.. هل يعتبرون أنفسهم في موقف اللا مبالاه تجاه- هذا الضعف العام..؟

أحمد منصور: لكل المسؤولية تقع على العرب بشكل.. يعني الآن هناك خمس لغات أساسيه في الأمم المتحدة معتمدة من بينها اللغة العربيه، يصل الحال بأن يعني الميزانية السنوية.. السنوية مقدارها60 ألف دولار فقط يصل الأمر إلى أن العرب يقصرون حتى في دفع فهذا المبلغ الزهيد للحفاظ على لغتهم في يعني هذه المؤسسة العالمية وتقول الآن يا دكتور أن العرب لا يتحملون وإنما المسؤولية مسؤولية الجميع؟! المسؤولية مسؤولية الطرف المباشر المعني، ويشترك الآخرون في المسؤولية مثلكم أنتم ومثل الآخرين.

د.عناية الله إبلاغ: لما نقول هذا هو.. هو المعني فمعناه خصصنا اللغة العربية وخدمة اللغة العربية للعرب، وأنا أعتبر أن اللغة العربية لغة القرآن الكريم، والقرآن الكريم للمسلمين كلهم فعلى المسلمين أن يساهموا في خدمة اللغة العربية كلهم وليس معناه بأن هذا على عاتق العربي فقط، وإذا كان على عاتق العربي فقط، فمعناه أننا خصصنا اللغة العربية بلغة التخاطب، وأنا أرى بأن هذا خطير جداً هذه الفكرة بأن لغة العرب اللغة العربية لغة التخاطب فقط، لا اللغة العربية لغة خدمة القرآن الكريم ومعرفة أسرار القرآن الكريم وأسرار الحديث النبوي أولاً ثم لغة التخاطب ثانياً.

أحمد منصور: يعني أنت الآن تلقي بالمسؤولية على كل مسلم تجاه الحفاظ على اللغة العربية.

د.عناية الله إبلاغ: على كل مسلم تجاه اللغة العربية وتجاه ضعف اللغة العربية وهناك ضعف عام ضعف يعني كيف العلماء الأعلام كتبوا كتب متون، نحن الآن لا نعرف هذه المتون ونحذفها من المناهج من المناهج في العرب وفي العجم في الجامعات العربية وفي الجامعات العجمية؟! وأنا اقترحت هذا في جامعة الأزهر، وقلت أنتم حذفتم قافية ابن الحاجب من مناهج كلية اللغة العربية؟!

أحمد منصور: حذفوا الكثير..؟

عناية الله إبلاغ: وهكذا.. ولذلك هذه المشكلة ليست مشكلة خاصة بالعرب، يعني إذا كنت تريدون أن العرب عليهم أن يساهموا في هذا أنا أقول العجم أيضاً عليهم أن يساهموا في خدمة اللغة العربية وليس العرب فقط.

أحمد منصور: شكراً لك الأخ عبد الرحمن عبد الله من هولندا.

عبد الرحمن عبد الله: السلام عليكم.

أحمد منصور: وعليكم السلام ورحمة الله.

عبد الرحمن: أشكر الأستاذ الأخ أحمد.

أحمد منصور: حياك الله.

عبد الرحمن عبد الله: أنا ربما أزيد أنا جنسيتي صومالية ومقيم بهولندا.

أحمد منصور: مرحباً بك وبكل الإخوة الصوماليين.

عبد الرحمن عبد الله: نعم، سؤالي هو ما الدور الذي لعبه الإخوة العرب لغير المسلمين حول حرب وتحقير اللغة العربية؟ مثلاً أنا سكنت بعض البلدان الأوروبية وأتكلم اللغات الأوروبية كذلك إضافة اللغة العربية وأنا تعلمت كذلك اللغة العربية كما الأستاذ وأخ جامبيا وأخوة يعني حباً لفهم الإسلام والسيرة والتراث الكبير الإسلامي، وما هو دور الذي لعبه كذلك العلمانيون؟ وهذا ليس سهل، وهو لا يخفي علينا اهتمام.. أهمية اللغة العربية، هذا هو سؤالي وشكراً لك.

أحمد منصور: حياك الله يا أخ عبد الله معنا الأخت فاطمة الزين من مكة المكرمة.

فاطمة الزين: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أحمد منصور: وعليكم السلام ورحمة الله.

فاطمة الزين: أخي الفاضل أخ أحمد لي مداخله بالنسبة لترجمة القرآن الكريم، في عهد الملك فيصل توجه مجموعة من دول العالم الإسلامي لمحاولة ترجمة القرآن فعرض الموضوع على رابطة العالم الإسلامي، إلا أنهم حاولوا الترجمة فوجدوا أن القرآن يتغير تماماً إذا تُرجم لأي لغة مهما كانت فلذلك أصروا على وأصدروا قرار بأن القرآن لا يترجم نهائي، إنما معاني القرآن ممكن ترجمتها.

أحمد منصور: أخت فاطمة أنت تصدري قرار، أنتي متخصصه.

فاطمة: نعم؟.

أحمد منصور: هل لديك تخصص معين أو كذا.

فاطمة الزين: لغة أنا تاريخ حديث.

أحمد منصور: نعم، يعني أنتي تصري على أن عملية الترجمة هذه لا تليق وأنه يجب أن يقرأ القرآن نصاً ومعناً وروحاً وهذا يفرض على كل مسلم أيضاً أن يتعلم اللغة العربية؟

فاطمة الزين: حتى لا يفقد معناه القرآن، أنا أقصد القرآن ولا أقصد المعنى

أما النقطة الثانية إنه شكوى العرب في نشر أوفي فرض لغتهم لم يفصلوا، بدليل أن فيه حالياً في البوسنة والهرسك وبعض بخارى أُناس تجيد اللغة العربية رغم أنهم ما هم أساساً عرب، حتى في مكة المكرمة بعض لجاليات رغم ولادتهم في مكة ودراستهم في المدارس، وإتقانهم اللغة العربية كما نتقنها نحن، إلا إنهم يصروا على إنه لا يتخاطبوا إلا بلغتهم لأن يعتبروا هذا من هويتهم أو الانتماء إلى بلادهم، إذن هذا شيء نابع من الإنسان نفسه.

أحمد منصور: شكراً لك، يا أخت فاطمة، وأعتقد أيضاً أن التوضيح الذي ذكره الدكتور عناية الله كذلك الدكتور حمدي أرسلان من تركيا في أن النصوص القرآنية لم تجبر غير المسلم على ضرورة تعلم اللغة العربية بل قالت أنها من آيات الله سبحانه وتعالى اختلاف الألسنة والألوان الأخ يعقوبي مراد من الجزائر يعقوبي.. يبدو أن هناك خلل دكتور.. هناك الآن الأخ عبد الرحمن عبد الله حينما تكلم يقول إن العلمانيين قد لعبوا دوراً في قضية تدمير اللغة، وهذا يجعلني أسألك عن قضية العامية التي سعى سلامة موسى وغيره إلى ترويجها في قبل أكثر من 50 عام، واعتبار أن العامية لغة لا بد أن تكتب وأن تروى وأن تحكى أن تكون هي اللغة البديلة، وأن يكون لكل قطر لغته العربية الخاصة به، هل تعتقد أن هناك دوراً خفياً في قضية تدمير اللغة العربية من خلال قضية العامية؟

إلى أي مدى ساهمت العامية في إعاقة نشر الفصحى؟

د.عناية الله إبلاغ: نحن إلى الآن تكلمنا فيما يرتبط باللغة الفصيحة، ولكن بالنسبة للغة العامية اللغة العامية لها دوران الدور الأول كتراث، لأننا نحن لا ننكر أهميتها، ولكن إذا كان اللغة العامية والتشويق لدراسة اللغة العامية سبب للقضاء على اللغة الفصيحة، فعلينا أن لا نعترف باللغة العامية يعني إذا كانت اللغة العامية وترويج اللغة العامية ينافي معرفة أسرار القرآن الكريم، فمعناه بأنه مخالف لما نحن بنينا حوارنا عليهوهو الهدف الأصلي لدراسة قواعد اللغة العربية، ولكن إذا كان... ولكن مع هذا لا ننكر بأن اللغة العامية كتراث شعبي في المرتبة الثانية لها أهمية ولكن بشرط ألا نقضي على أصل الهدف الإسلامي وهو معرفة أسرار القرآن الكريم عن طريق اللغة الفصيحة.

أحمد منصور: دكتور.. هناك يعني قضية خطيرة بدأت تبرز الآن وهي الدعوة إلى تبسيط اللغة وإلى قواعد اللغة، لا سيما النحو الذي يحفظ اللغة العربية والذي يعتبر أحد العمد والأسس في هذا الأمر، وظهر كتاب للدكتور شوقي ضيف (رئيس مجمع اللغة العربية في القاهرة) يدعو إلى قضية يعني تبسيط النحو، وأنت اختلفت معه في هذه القضية، الآن اللغات كلها تتطور، لماذا لا توافقون على أن تتطور اللغة العربية شأنها شأن اللغات الأخرى؟.

د.عناية الله إبلاغ: أنا ألقيت في هذا محاضرات في لجنة الزكاة [العثمان] بالكويت وخلاصته بأني أعتبر نصوص اللغة العربية نصوصاً محترمة لا يمكن حذف هذه النصوص، لا يمكن أن يوجد في عصرنا هذا شخص يقضي على قواعد اللغة العربية وعلى نصوص اللغة العربية المعترف بها خلال قرون عديدة، بدأً من سيبويه وأمثال سيبويه ومنتهياً إلى ابن هشام، كلهم متفقون على شيء، مثلاً الإعراب التقديري.. الإعراب التقديري هو الثابت ونحن نحتاج إليه في القرآن الكريم، وإذا كنا نقول بأن الإعراب التقديري صعب على الشباب علينا أن نحذفه الإعراب المحلي صعب على الشباب علينا أن نحذفه هذا كله قضاء على اللغة وهذا خطير جداً جداً، وهذا ليس في خدماً للغة، لأن.. لأن الأدلة التي تذكر في هذا الكتاب بأن.. بأن الصعوبة وعُسر هذه القواعد تجبرنا على حذف بعض القواعد، سؤالي هكذا: هل أنت أدركت هذه الصعوبة أو هؤلاء الذين ألفوا في قواعد اللغة العربية خلال.. خلال قرون عديدة لم يقولوا هذا صعب؟

أحمد منصور: طب أنا أريد أسألك -عفواً- سؤال.

د.عناية الله إبلاغ: أنا أكمل كلمة هنا وبعبارة أخرى إذا كان هناك في نظرك صعوبة في قواعد اللغة هل أنت ترفع على مستوى.. الشباب إلى أن يعرفوا أو تنزل مستوي القاعدة؟ ما هو أظن مستوى القاعدة ليس غلط.

أحمد منصور: ما هو للأسف صارت القاعدة الآن في التعليم لاسيما حتى التعليم في الأزهر هو النزول إلى مستوى الطالب وليس رفع الطالب إلى مستوى اللغة وهذا الآن عامل يعني شكل من أشكال الصراع ما بين الدعاة إلى قضية التأصيل والحفاظ على العلوم القديمة وبين دعاة التبسيط والتقليل على أن المناهج ثقيلة وأن هنا غير مناسب للطلبة الذين يدرسون.

د.عناية الله إبلاغ: هناك فرق بين التبسيط وبين الحذف، أنا لست مع الحذف أنا مع التبسيط.

أحمد منصور: كيف؟ يعني هم أيضاً يتخذون التبسيط مدخل للحذف.

عناية الله إبلاغ: لا إذا كان مدخل للحذف، أنا لست مع التبسيط.

أحمد منصور[مقاطعاً]: يعني أنت ضده.

د.عناية الله إبلاغ: أي ضده التبسيط معناه تغيير الشكل من طريق إلى طريق.

أحمد منصور: يعني هنا ندخل في أسلوب التدريس نفسه والطريقة وليس بأصل الموضوع.

د.عناية الله إبلاغ: أسلوب التدريس وليس، في أصل للموضوع ولكن إذا كان هناك حذف، المشكله في كتاب (تجديد النحو) بأنه حذف كثير من الأشياء، مثلاً من تلك قال لا حاجة إلى أن نقول (ليميز الله الخبيث من الطيب) أن هناك مقدم ، ولم يفكر بأن (أن) ، تقدير (أن) هنا، "لأن الخبيث من الطيب" له أدلة كثيرة، ومن تلك الأدلة بأن (أن) لا يدخل على.. لام الجر لا يدخل على الفعل، فاللازم أن نجعل ليميز فؤولاً إلى الاسم، وبمعني التميز عن طريق (أن)، ومثل هذه الأدلة كثيرة تجبرنا على أن نقول مثل هذه الأفكار ليس خدمة للغة العربية بل.

أحمد منصور: يعني أنت تعتبر هذا يمس أيضاً النص القرآني ممكن قضية الحذف هذه يمكن أن تمس النص القرآني، ومن ثم يمكن أن يكون لها تأثيرها المباشر على بناء اللغة

د. عناية الله إبلاغ[مقاطعاً]: على بناء اللغة.

أحمد منصور[مستأنفاً]: على اعتبار أن القرآن هو الحافظ الأساسي للغة. دكتور عندي سؤال مهم في هذه المسألة: واضعوا النحو في البداية، سيبوية .

عناية الله إبلاغ: وأبو الأسود الدؤلي.

أحمد منصور: أبو الأسود الدؤلي ومن بعده من علماء النحو.

د.عناية الله إبلاغ: والأول عمر رضي الله عنه عمر رضي الله عنه أمر أبو الأسود الدؤلي حتى يضع قواعد النحو ثم علي -رضي الله عنه- وهذا الإمام القرطبي ذكر هذين الحديثين كليهما، أي نعم.

أحمد منصور: دكتور هل هؤلاء وضعوا قواعد النحو من خلال نصوص القرآن الكريم أم وضعوها من البيئة؟

مصادر قواعد النحو الأصلية لدى علماء النحو الأوائل

د.عناية الله إبلاغ: لأ من نصوص القرآن الكريم والبيئة ولكن نصوص القرآن الكريم هو الأساس الركيز الأصلي، ولذلك أنا أعتقد بأن القرآن الكريم أمات الفوضى اللغوية، كان هناك فوضي لغوية، ولذلك نحن أي شيء إذا كان فيه إختلاف من ناحية اللغة علينا أن نرجع إلى القرآن الكريم، والقرآن الكريم هو الحكم الفاصل والقاطع في هذه الاختلافات.

أحمد منصور: لذلك لا يمكن أبداً أن يأتي أي ناس محدثين مثلاً ويريدون التطوير ويقولون الفاعل مرفوع ليه ما احنا ننصبه؟.

د.عناية الله إبلاغ: ننصبه لأنه صعب، والقرآن الكريم من الأول للآخر الفاعل فيه مرفوع فكيف أنت تنصبه؟!

أحمد منصور: نعم يعني الآن القرآن يحفظ قواعد اللغة وبالتالي فقواعد اللغة العربية ربما تكون القواعد اللغوية الوحيدة الغير قابله للتطوير أو التغيير.

د.عناية الله إبلاغ: غير قابله للتطويرو التغيير وهذا واضح جداً.

أحمد منصور: دي معلومة مهمة أشكرك جداً أنك أوصلتنا صلتني إليها، الأخ أمير جابر رئيس جمعية أهل البيت في هولندا.

أمير جابر: نعم السلام عليكم.

أحمد منصور: وعليكم السلام ورحمة الله.

أمير جابر: تحيه إكبار وإجلال للأخ الدكتور أحمد منصور على هذه البرامج التي دائماً تأتي في محلها.

أحمد منصور: حياك الله شكراً يا أخي.

أمير جابر: بصراحة أنا أود أن أنقل تجربة هنا في هولندا لأنه عندما سمعت الأستاذ الدكتور من القاهرة يقول إن هنالك دول عربية تختلف في المصطلحات، فسؤالي لماذا لم تكن مصر هي الرائدة؟ لأنه هنا في هولندا على سبيل المثال،. هولندا خمسة عشر مليون ودراساتهم، بالهولندية حتى المراحل العليا من الجامعات، وقد أثيرت ضجة حول استعمال للغة الإنجليزية لأنه قد استفادوا من الجانب الاقتصادي لأنه كثير من الطلبة لا يرغبون في المجيء إلى هولندا لأن يتعلم باللغة الهولندية، لكن رغم ذلك أصروا على أن يستمر التعليم باللغة الهولندية اعتزازاً بلغتهم، وهويتهم لأن اللغة هي الهوية، وأنا أعتقد للأسف الشديد حسب ما درسنا في الجامعات العربية أن هناك نوع خاصة ببعض الأساتذة الذين تعلموا في الغرب، نوع من الانسلاخ في الهوية فهو يحاول أن يطعم لغته باللغة الإنجليزية أو اللغة الفرنسية كأنه نوع من يشعر شعور بالنقص تجاه اللغة العربية، وإلا كيف تستطيع اللغة الهولندية هذه اللغة التي يتكلم بها 15 مليون تستوعب كل المصطلحات أو اللغة الدنماركية أو جميع هذه الدول المتقدمة جداً وأن تجاري العلم في حين اللغة العربية هم نفس الهولنديين يقولون فيها حوالي 10 ملايين مصطلح؟ هذه اللغة الواسعة التي تحتوي على مترادفات لا حد لها ولا حصر لا تستطيع أن تستوعب اللغة العلمية الحديثة.

أحمد منصور: أشكرك يا أخ أمير المداخلة مداخلتك الواضحة جداً الحقيقة، وبتحمل أيضاً العرب والمسلمين مسؤولية الترجمة وأن قضية عفواً قضية التعريب أو الدراسة باللغة العربية لا يمكن أبداً أن تكون عائق وأمامنا التجربة السورية تجربه واضحة في هذا المجال، الأخ جلال العكاري من لندن.

جلال العكاري: السلام عليكم ورحمة الله

أحمد منصور: أحمد منصور عليكم السلام ورحمة الله.

جلال: حياك الله . يا أخي في الحقيقة أنا أردت أن أتدخل في نقطة بسيطة جداً حتى لا أخذ وقت البرنامج، قضيه التعريب في الجزائر في الحقيقة لم يكن كل البربرة كل الأماذيغ ضد قضية التعريب وبالقطع عندما ثارت يعني بداية يعني العمل الإسلامي سنة 89 كل الأخوة البربر أغلبهم يعني انضموا إلى قضية التعريب حتى كل الأمور واضحة ليس يعني كل البربر ضد سياسة التعريب، والدليل قاطع، وهناك دليل آخر هو أن رئيس الحكومة الجزائرية بالرغم من أن نختلف معه في بعض الأشياء يعني الإسلامية إلا أنه أن هواري بو مدين أول رئيس عربي تكلم بالعربية في منبر الأمم المتحدة، وهذا يدل على أن الشعب الجزائري يعني شعب مُعرب، فالذي قامت والذين ضد العربية هم لا يمثلون البربر لا من قريب ولا من بعيد، والدليل القاطع أعطيك مثال الشيخ عبد السلام ياسيني أمازيغي لكنه يعني ضد مثلاً قضية هذه اللغة الأماذيغية مع إن لأنه هناك كثير من اللهجات في المغرب الأقصى.

أحمد منصور: شكراً أخ جلال على هذا التوضيح أشكرك شكراً كثيراً على هذا التوضيح الذي ذكرته، وأعتقد أنه هناك اتفاقاً معك أيضاً على أن قضية التعميم قضية مرفوضة في كل القضايا والمسائل التي يتم تناولها دكتور أمين شماطي من أبو ظبي.

الدكتورأمين شماطي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته والأخ الدكتور عناية الله السلام عليكم.

أحمد منصور: وعليكم السلام، حياك الله يا دكتور.

الدكتور أمين الشماطي: إذا تكرمت أولاً تسمح لي بكلمة مداخلة يعني قبل ما.

أحمد منصور: أتفضل يل أستاذ.

الدكتور أمين الشماطي: أولاً احنا في إطرح موضوع في الصحافة الآن محطة الجزيرة- يعني كما تعلمون- لكن أنا بأستغل هذه المداخلة معك على أساس تنقل تحياتنا وتهناتنا إلى قطر حكومة وشعوباً على بث هذه المحطة.

أحمد منصور: حياك الله.

الدكتور أمين الشماطي: لأنها فعلاً تمثل كل أنسان عربي غيور على عروبته وعلى وطنه وعلى دينه.

أحمد منصور: شكراً يا دكتور.

الدكتور أمين الشماطي: هذا كل إنسان ويشهد به في الداخل والخارج، الموضوع اللي بدي أقوله بالنسبة للتعريب إذا إحنا نلاحظ من بداية هذا القرن، الأمة العربية هي كما يعرف الجميع وكمان أخونا المسلمين بيعرفوه أن هي قلب الإسلام، والأمة العربية مستهدفة من فجر هذا القرن أو قبله، فعندما هاجوا، الأوروبيون وتعرف التاريخ ومداخلاته وكذب التاريخ وسمسرته وقسموا هذه الأمة بين العرب والمسلمين وشاهدنا الآن ما نشاهده في الوطن العربي من تفتت ودويلات وكذاهذا.. هذا شيء مستهدف من الدول الأجنبية.

أحمد منصور: دكتور ممكن عفواً توجز لي لأن إحنا أوشكنا علىالإنتهاء.

الدكتور أمين الشماطي: نعم أنا بدي أستوجز إنبي بدي أقول بالنسبة للغة العربية باكستان في سنة 1950 طرحت موضوع أن تعليم اللغة العربيه شاملة للجامعات، مفيش زعيم عربي تحرك لهذا الشيء، ومازالت باكستان بتنادي في العالم العربي، ساعدونا وكذا ولكن لا أذن صاغيه الهدف تعرف ليش؟ الهدف البسيط، أنه الغرب قاعد بيخرج عند الأجيال أولاً أنا بدى أعرفك بنفسي أنا أمين عام الرابطة العرب البريطانيون.

أحمد منصور: أهلاً وسهلاً يا دكتور.

الدكتور أمين الشماطي: لي الشرف أنا متواجد بالإمارات العربية .. باليله الضيت.

أحمد منصور: إحنا لنا الشرف بأتصالك لينا شكراً لك.

الدكتور أمين الشماطي: هذا مش مجامله لهذا البلد، هو بلد طيب، أنا بدي إكلمك في هذا الموضوع، عندنا مشكله إنه الآن يمسكوا في معظم مراكز الخاصة التعليم في الإعلام.

أحمد منصور: دكتور أسمح لي سوي دقيقة الآن أعطيك منها 20 ثانية.

الدكتورأمين الشماطي: هم تابعين للمعاهد الغربية كيف بتتوقع من واحد خريج معهد غربي يكون غيور على العربي وعلى الدين الإسلامي وعلى.. كذا فهذه مشكلتنا نحن.

أحمد منصور: صح الدكتور عناية الله يحمل الجميع المسؤولية أنا أشكرك على هذه المداخله وعلى هذا التوضيح.

دكتور هناك مسؤولية كبيرة الآن ملقاة على عاتق العرب من الكل من العربي ومن العجم، وأنا أود في ختام البرنامج أنا أسألك يعني ما هو السبيل الآن من خلال خبرتك الواسعة.. السبيل للنهوض في قضية اللغة العربية بشكل يعني يعيد اللغة العربية حبها يعني قضية التحبيب حتى العرب ما عادوا يحبون اللغة العربية، وصار النحو من أثقل الأشياء عند العرب صارت البلاغة وصار العروض وصارت كل هذه الأشياء أشياء صعبه، ما هو السبيل بإيجاز الذي يمكن أن نخرج به من هذا المأزق وتصبح اللغة العربية لغة محبوبه لأهله؟.

الدكتور أمين الشماطي: هذا لا يمكن أن أجاوب بإيجاز هذا يحتاج إلى حوار ساعة كامله ما هي الوسائل لحل هذه المشكلات وكيف نصل إلى ما نتمنى.

أحمد منصور: لكن الإيجاز ما قلنا في كلمتين أثنين السبيل الآن من خلال ما فهمته منك إذا كان.. إذا كان القرآن الكريم هو الأصل بالنسبة للغة العربية. هل تقول نحن نعود لندرس اللغة العربية من خلال القرآن الكريم ونصوص.

الدكتور أمين الشماطي: لأ اللغة العربية من خلال القرآن الكريم لا قواعد اللغة العربية هذا موجود لي الآن.

أحمد منصور: أنتهي الوقت ربما تكون هناك حلقة أخري شكراً جزيلاً كما نشكركم مشاهدينا الكرام على حسنا متابعتكم في الحلقة القادمة إن شاء الله نتناول موضوع هام أخر هو حقوق الإنسان بين التشريع الإسلامي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان سوف يكون ضيفنا أن شاء الله. الأستاذ الدكتور محمد سليم العوا الكاتب وللمفكر وأستاذ القانون.

في الختام أنقل لكم تحياتي فريق العمل وهذا أحمد منصور يحيكم والسلام عليكم ورحمة لله وبركاته.
------------------------
المصدر: الجزيرة
 http://www.aljazeera.net/Channel/archive/archive?ArchiveId=90807

حوار مع البلغاريّة الدكتورة / تسفيتوميرا باشوفا

حوارٌ أجرته الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب :

= هل من نبذة سريعة عن ضيفتنا الكريمة؟

- إسمي تسفيتوميرا باشوفا (Tsvetomira Pashova). اسمي الأول كان دائما يسبب مشاكل لفظية للعرب الذين اختلطت معهم بسبب تراكم ثلاث حروف ساكنة في أوله وبسبب طوله أيضا، ولذلك تعودت على ترجمته إلى العربية وهي زهرة السلام. لنفس السبب سجلت في موقع جمع الإلكتروني كـ"Zahra". أنا متخصصة في علم اللغة العربية، عضو هيئة تدريس قسم الدراسات العربية والسامية بجامعة صوفيا، متزوجة ولي ابن واحد.

 

= هل لك أن تحدثينا عن حياتك ودراستك ؟

- أنا من مواليد عام 1961. تخرجت من مدرسة ثانوية متخصصة بتدريس اللغة الألمانية.
بعد ذلك قضيت عامين في العاصمة الليبية طرابلس مع والديّ اللذين كانا يشتغلان هناك في إحدى المستشفيات. هناك أنهيت دورة في اللغة العربية للأجانب على يد أستاذ سوري قدير زرع في قلبي الحب إلى اللغة العربية. وبعد رجوعي إلى بلغاريا انتسبت إلى قسم الدراسات العربية بجامعة صوفيا. وكاختصاص ثاني اخترت اللغة الإنكليزية. عام 1986 حصلت على درجة الماجستير بامتياز وبعد فوزي في مسابقة عينت في القسم العربي لمديرية البرامج الموجهة إلى الخارج بإذاعة بلغاريا الوطنية.
اشتغلت هناك لمدة ثلاث سنوات كمترجمة ومذيعة. وفي نفس الوقت كنت أرافق بين حين وآخر وفودا عربية رسمية. كانت هذه الفترة مفيدة جدا بالنسبة لي، فقد أتاحت لي الترجمة الكتابية والشفهية إمكانية فريدة لرفع مستوى إتقاني العملي للغة العربية الفصحى. في نهاية فترة عملي في الإذاعة تعرفت على طالب دكتوراه في المعهد العالي للسينما والمسرح من العراق، أصبح فيما بعد زوجا لي. عام 1992 بدأت الشغل في القسم العربي لجامعة صوفيا. منذ البداية طرحوا لي مهمة وضع دورة محاضرات في مادة نظرية جديدة في منهاج اختصاص اللغة العربية وهي لسانيات النص. كان عليّ أن أعالج خصوصيات بناء النصوص العربية الحديثة على أساس الطروحات النظرية لسانيات النص. أنا سررت لهذه المهمة لأنني أحب التحديات من حيث المبدأ ولكن سرعان ما طلع أن التحدي كبير جدا وذلك بسبب الانعدام الكامل تقريبا لبحوث ودراسات تعالج اللغة العربية من وجهة نظر لسانيات النص. فكان علي أولا أن أتعرف على الطروحات النظرية ثم أحاول تطبيقها على النصوص العربية بنفسي. في إطار عملي هذا اخترت موضوع أطروحة الدكتوراه وهو ترتيب أجزاء الجملة كسمة لغوية تتعلق بعدد من العوامل جزء منها داخلي أي خاص بالجملة، والجزء الآخر خارجي، أي خاص ببناء النص. حصلت على درجة الدكتوراه عام 2001. وفي عام 2002 قضيت 4 أشهر في معهد اللغات والثقافات الشرقية في العاصمة النمساوية فينّا بمنحة من وزارة التعليم النمساوية. منذ نهاية التسعينات ألفت عددا من المقالات حول مواضيع متعلقة باللغة العربية والتي نشرت في دوريات بلغارية وأوربية (أنظر السيرة الذاتية). في مايو عام 2004 أتيحت لي أول فرصة للمشاركة في مؤتمر علمي في بلد عربي – المؤتمر الأول لتدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها الذي أقامه مركز اللغات التابع لجامعة دمشق. كان مؤتمرا نموذجيا من حيث التنظيم أثراني بالبحوث التي استمعت إليها وبالتعرف على عدد من المدرسين والباحثين القديرين من بلدان عربية مختلفة.

= لكل عالمٍ ومفكر وأديب مصادر أسهمت في تكوين خلفيته الثقافية العامة من جهة، وتنمية وتطور ملكاته في مجال تخصصه. فماهي مصادر ومناهل المعرفة التي كان لها أكبر الأثر في تكوين خلفيتك الثقافية العامة وأيضاً خلفيتك العلمية في مجال تخصصك الأكاديمي؟

- خلفيتي الثقافية هي أوروبية بشكل عام. ومنذ بداية دراستي الجامعية حصلت على معلومات كثيرة عن الثقافة العربية القديمة والحديثة. من الأدباء والعلماء العرب القدامى أود أن أنوه خصوصا باسم عبد القاهر الجرجاني، الذي أعتبره عالما نابغة أسهم إسهاما عظيما في صياغة وتطوير البلاغة العربية التقليدية. من المؤلفين المعاصرين أشير إلى حنا مينة وإبراهيم الكوني من الأدباء ومحمد عابد الجابري من المفكرين والفلاسفة.
فيما يتعلق بخلفيتي العلمية فهي متعلقة بذلك التيار في اللسانيات الأوربية والأمريكية  الحديثة الذي يعالج النظام اللغوي والاستخدام اللغوي في علاقتهما التفاعلية فيبحث عن شرح خصائص النظام في ظروف الاستخدام المتكونة من خصوصيات المستخدِمين الذهنية والاجتماعية، وهدف الاستخدام الأساسي، أي التواصل، وخصوصيات التواصل كنشاط بشري. هذا هو في رأيي أقصر تعريف لما يسمى بـ Functional Linguistics - اللسانيات الوظائفية، التي تعارض Formal Linguistics المتمثلة أساسا في مذهب تشومسكي من اللغة ودراستها. و في إطار اللسانيات الوظائفية أثر في صياغة القاعدة النظرية التي تعتمد عليها أبحاثي
The Functional Grammar of Simon Dik and the Systemic Functional Grammar
of Michael Halliday
بالإضافة إلى عدد من الباحثين العاملين في مجال دراسة خصوصيات بناء النص واتساقه.

= من هم أبرز الأساتذة الذين تتلمذت على يديهم وتفتخرين بهم ولماذا؟

- الدراسات العربية في بلغاريا حديثة العهد، فإننا نحتفل هذا العام بالذكرى الثلاثين لتأسيس قسم الدراسات العربية بجامعة صوفيا والذي يعتبر أول وأهم مركز أكاديمي للدراسات العربية في بلغاريا. بالإضافة إلى ذلك فإن عدد الطلاب قليل نسبيا وفقا لاحتياجات بلدنا الصغير إلى المستعربين. ولذلك كله ليس عندنا عدد كبير من الأساتذة.
لكن العدد القليل يتوافق مع مستوى عال. سأذكر هنا اسم الأستاذة الدكتورة بنكا سمساريفا (Penka Samsareva) وهي متخصصة في علم اللغة العربية، والأستاذ الدكتور يوردان بييف (Yordan Peev) وهو متخصص في التاريخ والمجتمع العربي. إنهما قد أسسا قسم الدراسات العربية وحضّرا عددا كبيرا من المستعربين الذين أصبح جزء منهم مدرسين وباحثين بدورهم. بالإضافة إلى ذلك تعتبر الأستاذة سمساريفا والأستاذ بييف عالمين بارزين على نطاق أوربا.

= ما هي المشاريع التي تحلمين بإنجازها وما هي الطموحات التي تسعين لتحقيقها؟

- أعمل الآن على بحث جديد حول موضوع أدوات الربط ووظائفها في النص العربي العرضي (expository text)، وأنوي كتابة هذه الدراسة بالإنجليزية ونشرها في دار نشر أوربية. ومن المشاريع التي أحلم بإنجارها تأليف قاموس عربي-بلغاري-عربي.

= ماهى مؤلفاتك و أهم الأبحاث فى مجال اللغويات والترجمة؟

- لقد نشرت عدداً من المقالات العلمية (أنظر السيرة الذاتية) لكني أعتبر أكبر إنجاز مهني لي لحد الآن "الكتاب الأساسي في اللغة العربية" وهو أول كتاب دراسي في اللغة العربية في بلغاريا. تم تأليف الكتاب من قبل طاقم عمل يتألف من أربعة مدرسين في قسمنا برئاستي. وأعتقد أننا نجحنا في وضع كتاب دراسي يقوم على مناهج عصرية في مجال تعليم اللغات.

= ما هي المشاكل التي تواجهها كليات اللغات والترجمة، في نظرك؟

- سأذكر أهم المشاكل التي تواجه قسم الدراسات العربية بجامعة صوفيا بوصفه مركزا أكاديميا في بلد يمر بمرحلة صعبة من التغيرات الجذرية في كل مجالات الحياة. هذه المشاكل هي: نقص في الكتب والدوريات العلمية المتخصصة باللغة العربية واللغات الأوربية؛ نقص في الوسائل التقنية العصرية؛ نقص في إمكانيات زيارة البلدان العربية بهدف الدراسة والبحث العلمي؛ نقص في إمكانيات النشر؛ نقص في إمكانيات السفر إلى الخارج بهدف المشاركة في مؤتمرات علمية. كل هذه المشاكل ترجع إلى مشكلة أساسية واحدة ألا وهي النقص المالي. إن حل هذه المشاكل من واجب الدولة البلغارية أولا وقبل كل شيء. ولكن يمكن للبلدان العربية أن تؤدي دورا مهما أيضا عن طريق تقديم الكتب والدوريات العربية، والمنح الموجهة خصوصا إلى الطلاب والمدرسين في الأقسام العربية بالجامعات. للأسف لا بد لي من التعبير عن الرأي أن الدول العربية لا تهتم بنا اهتماما كبيرا، وهذا ما يرجع إلى انعدام استراتيجية لنشر منجزات الثقافة العربية خارج العالم العربي، أو عدم بذل الجهود الكافية لتطبيق هذه الإستراتيجية إذا كانت موجودة. ومن خلال متابعتي لمواضيع المنتديات في موقع "جمع" أفهم أن العرب أنفسهم يعانون من عدم اكتراث الدولة بالثقافة والتعليم. بالمناسبة نحن في بلغاريا أيضا نتهم الدولة بنفس الذنب. فما هو الحل إذن؟ الحل عندي هو تشكيل مؤسسات أهلية تهتم بمصالح فئة مهنية أو اجتماعية معينة. وهذا ما فعلتم أنتم! في رأيي لا بد للمستعربين، خصوصا في دول مثل بلغاريا، أن يوجهوا اهتمامهم إلى مؤسسات أهلية مثل "جمع" ويقيموا علاقات تعاون معها.

= ما هي أهم النقائص والسلبيات التي يعاني منها النظام التعليمي في الوطن العربي ـ آخذين بعين الاعتبار التفاوت في مستوى الجودة بين النظم التعليمية من قطر عربي إلى قطرٍ آخر ـ وماهي آفاق التطوير المنشودة للارتقاء بنظمنا التعليمية لتصبح أكثر مواكبة لروح العصر؟

- سأحاول الرد على السؤالين في آن واحد، لأنني أجد بينهما صلة وترابطا. لا يمكنني أن أبدي رأيا في النظام التعليمي في الوطن العربي بشكل عام، ولكن عندي رأيا في طريقة تدريس اللغة العربية الفصحى في المدارس العربية. إن طريقة تدريس اللغة الأم في المدرسة هو العامل الأساسي الذي يحدد الموقف الداخلي للفرد منها، كما أنه يحدد مستوى إتقانها بكل أساليبها. ومن المعروف أن هناك مشاكل في العالم العربي في المجالين – الموقف من اللغة الفصحى ومستوى إتقانها. أسمح لنفسي، مع أني لست عربية، بالإعراب عن الرأي بأن الطريقة الوحيدة للتغلب على هذه المشاكل هي أن يُقِدم اللغيون العرب على دراسة واسعة النطاق للاستخدام المعاصر للغة العربية الفصحى والعامية انطلاقا من مبادئ علم اللغة الحديث، وخصوصا اللسانيات الوظائفية.
لأنه مهما كان اللغويون العرب القدامى موهوبين وقديرين، ومهما كان ما توصلوا إليه من إنجازات في وصف اللغة وصياغة النظريات اللغوية عظيما، فإنه لا يكفي في المرحلة الحالية، لأن اللغة تتغير وتتطور مع تطور المجتمع بوصفها وسيلة لتلبية حاجات هذا المجتمع. إن دراسة الاستخدام اللغوي المعاصر على أساس اللسانيات الوظائفية سيسمح بوضع مواد دراسية تقدم للتلاميذ قواعد اللغة المستخلصة من الاستخدام الواقعي بمصطلحات عصرية مفهومة تربط بين النظام اللغوي ووظائف استخدامه، وهذا ما سيساعد على التغلب على الموقف المنتشر حاليا، خصوصا بين التلاميذ، بأن اللغة الفصحى هي صعبة جدا وبأن قواعدها النحوية معقدة. إن رأيي كمتخصصة هو أن قواعد اللغة العربية الفصحى أبسط في نواح كثيرة من قواعد اللغة الألمانية مثلا. لكني متأكدة من أن أي تلميذ عربي يدرس الألمانية إلى جانب العربية الفصحى سيقول إن الألمانية أسهل. والشيء الصعب والمعقد في الحقيقة ليست القواعد، بل صياغتها التي تعكس طريقة التفكير والنظريات المنتشرة في القرون الوسطى، والتي تشدد على شكل العناصر اللغوية على حساب وظيفتها، خصوصا في مجال النحو. إن إعادة النظر في النظام اللغوي من وجهة نظر وظائفية وإغناء هذا النظام بنتائج وصف الاستخدام الواقعي للغة سيسمح بتقديم قواعد اللغة للتلاميذ بحيث لا تبدو مخيفة لهذا الحد. وهذا الترابط بين تدريس اللغة والبحث العلمي في اللغة يعني أن عملية التغلب على المشاكل المتعلقة بتدريس الفصحى في المدرسة وحتى في الجامعة تبدأ بوضع البحث العلمي في اللغة على أسس جديدة.
ومن الجدير بالذكر أن المستعربين هم أيضا يحتاجون أشد الحاجة إلى دراسات وبحوث في استخدام اللغة العربية المعاصر، يقوم بها الناطقون بهذه اللغة حتى يعتمدوا عليها في نشاطهم التدريسي وتأليف الكتب الدراسية لطلابهم.

= كيف ترين واقع القواميس والمعاجم العربية وهل ترين أنها تفي بحاجات المترجمين وتواكب التطورات المستمرة في مختلف المضامير؟

- سأجيب على هذا السؤال من وجهة نظر المستعربين. القواميس والمعاجم مهمة جدا بالنسبة للمستعربين كوسيلة أساسية لتعلم اللغة العربية وقراءة وفهم وترجمة المؤلفات العربية في شتى المجالات. ولذلك فإن من النشاطات الأساسية التي يقوم بها اللغيون من المستعربين هو تأليف القواميس. ولكن هذا النشاط مستحيل بدون الاعتماد على قواميس ومعاجم ألّفها العرب. ومن هنا الأهمية القصوى للمعاجم العربية-العربية بالنسبة للمستعربين. هناك عدد من المعاجم العربية-العربية كالمنجد مثلا التي تتضمن معلومات غنية ولكنها تعاني في نفس الوقت من ناقصة أساسية هي أنها لا تعكس بصورة كاملة وواقعية الحالة الآنية للرصيد اللغوي للغة العربية. هذا يعني أنها: 1. لا تتضمن في حالات كثيرة معاني مفردة ظهرت في الفترة الأخيرة (وهذه الفترة يمكن أن تتراوح بين 20 و100 سنة أو أكثر)؛ 2. لا تتضمن مفردات صيغت في الفترة الأخيرة. 3. لا تتضمن معلومات متعلقة بانتماء مفردة أو معنى من معانيها إلى شريحة لغوية معينة من قبيل الشرائح الزمنية والشرائح الأسلوبية ...الخ. بالإضافة إلى ذلك فإننا لا نجد عددا كافيا من معاجم المترادفات، أما التي نجدها فهي تعاني أيضا من قلة المعلومات عن الفروق في معنى واستعمال المفردات المترادفة. كل هذه النواقص ترجع في رأيي إلى نفس المشكلة التي أشرت إليها في جوابي على السؤالين الأخيرين، ألا وهي غياب البحث الواسع النطاق في الحالة الآنية للغة العربية على أساس مبادئ علمية حديثة، والذي يهدف إلى الوصف الموضوعي لهذه الحالة. إن هذا الوصف هو وحده يمكن أن يكون القاعدة الموضوعية لتأليف الكتب التقنيني (prescriptive grammars)، والكتب الدراسية، والمعاجم والقواميس الجيدة.

= هل تعتقدين أن اللهجات العامية واللغات الأجنبية في الإعلام والإعلان والإشهار تشكل خطراً على اللغة العربية؟

- ما دام إتقان اللغة العربية الفصحى يقتصر على عدد محدود من الناس، وما دامت تستخدم للكتابة فقط، فإنها لن تتمتع بالحيوية الضرورية بحيث تتصدى لـ"غزو" لهجات ولغات أخرى. ولا أرى وسيلة أخرى لتوسيع نطاق استخدام اللغة الفصحى وتوطيد ركائزها في المجتمعات العربية سوى تحقيق التغيرات في مجال البحث والتدريس التي تحدثت عنها أعلاه.

= كيف ترين واقع الترجمة والمترجمين في بلدك؟

- المترجمون البلغار الذين يترجمون من وإلى اللغة العربية يعملون في مجالات مختلفة.
ولكن إمكانيات ممارسة الترجمة من وإلى العربية تقلصت في الفترة ما بعد الاشتراكية (بعد عام 1989) بسبب انحصار علاقات بلغاريا الرسمية مع الدول العربية. أخيرا بدأت تتطور العلاقات بين ممثلي القطاع الخاص في بلغاريا والدول العربية مما يتيح إمكانيات جديدة لممارسة الترجمة في هذا المجال. أما في مجال ترجمة المؤلفات الأدبية والعلمية والأفلام فالإمكانيات هناك محدودة جدا لأسباب متعلقة بعامل الطلب والعرض في ظروف السوق الحرة، ونتيجة لذلك لا يستطيع المستعرب البلغاري أن يؤدي بنجاح دوره كوسيط بين الثقافة العربية والثقافة البلغارية. فإن أهم ما نحتاج إليه هو مصادر تمويل ترجمة وإصدار الكتب.

= ما رأيك بإنشاء الجمعية الدولية للمترجمين العرب؟

- سبق لي أن عبرت عن الرأي بأن المؤسسات الأهلية لها دور مهم جدا في توحيد جهود فئة اجتماعية معينة والدفاع عن مصالحها. من هذا المنطلق أعتبر تأسيس "جمع" إنجازا عظيما وأقدر عاليا جهود أصحاب المبادرة الذين يبذلون كل ما بوسعهم في تطوير الجمعية. ما تم إنجازه خلال سنة واحدة فقط يثير الإعجاب ويستحق الإطراء.

= ما رأيك بالمشروع العالمي للترجمة والنشر الذي أطلقته الجمعية الدولية؟

- مشروع كهذا سيسهم بلا شك في تطوير حركة الترجمة والتبادل الحضاري بين البلدان العربية وبقية بلدان العالم. ولعل المشروع يتيح للمستعربين أيضا إمكانيات جديدة لتحقيق رسالتهم الحضارية. أرجو أن أحصل على معلومات مفصلة حول هذا المشروع حتى أبلغ زملائي به.

= ما هي مجالات التعاون والمشاريع المشتركة التي يمكن القيام بها بين جامعتكم والجمعية؟

- أعتقد أن إمكانيات التعاون واسعة جدا. بشكل عام يمكننا أن نتعاون في مجال نشر منجزات الثقافة العربية في بلغاريا عن طريق الترجمة، وفي مجال الارتقاء بمستوى تدريس اللغة والحضارة العربيتين في مركزنا الأكاديمي. فما هي الطرق التي تستطيع الجمعية الدولية للمترجمين العرب أن تساعدنا بها، نظرا للمشاكل التي نواجهها في نشاطنا؟ وما هي الطرق التي يمكننا نحن أن نساعدكم؟ بعد الحصول على جواب على هذين السؤالين سأطرح أمام زملائي موضوع إقامة علاقات رسمية بين قسمنا وبين الجمعية الدولية للمترجمين العرب.
--------------
المصدر : موقع الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب :
http://arabswata.org/site/index.php?p=4&wid=46

حوار مع: المستشرق الألماني فولف ديتريش فيشر - أجراه د. ظافر يوسف

حوار مع: المستشرق الألماني فولف ديتريش فيشر عاشِق العَربيّة في بلاد الألمَان - د. ظافر يوسف

البروفيسور الدكتور فولف ديتريش فيشر أحد أبرز المستشرفين الألمان الذين يتمتعون بشهرة واسعة على الساحة العربية من خلال أبحاثه متعددة الجوانب ومن خلال طلابه الكثيرين الذين درسوا عنده، فقد تتلمذ على يديه طلاب كثيرون من مصر العربية ومن سورية ولبنان والأردن وفلسطين والمغرب وتركية وإيران... الخ.‏
إنه يشغل منصب مدير معهد الدراسات الشرقية واللغات السامية في جامعة ايرلانجن –نورنبرغ التي تقع في مقاطعة بافاريا في جمهورية ألمانية الاتحادية منذ مدة تزيد على ربع قرن، ويعرف بحبه الشديد للغة العربية، وبدراساته عن النحو العربي والشعر القديم واللهجات العربية فضلاً عن اللغات السامية.‏
إنه يحيط بجانب كبير من دراسات اللغة العربية واتجاهاتها المتشعبة على مبدأ العلماء العرب القدامى الإلمام من كل علم بطرف، فهو يقدّم تارة فصولاً في العلوم الإسلامية كالقرآن الكريم والحديث والفقه، ويلقي تارة أخرى محاضرات في تاريخ اللغة العربية وأصولها كالنحو والمعاجم وفقه اللغة، ويعرض مرة ثالثة لتاريخ الأدب العربي، فيطرب للشعر الجاهلي ويولع ببناء القصيدة العربية وتحليلها. إنه يتمتع بأفق واسع وبنظرة عميقة ثاقبة لتطور العربية عبر العصور، وهو صاحب نظرية تقسيم اللغة العربية إلى مراحل تاريخية (1).‏

وتتويجاً لإقامتي التي زادت على خمس سنوات في معهد الاستشراق بجامعة ايرلانجن –نورنبرغ، وختاماً لمطاف قطعت فيه أشواطاً متقدمة على صعيد الدراسة والبحث العلمي على يدي أستاذي البروفيسور فيشر، فقد كان لي معه هذا اللقاء:‏

س-هل لكم أن تحدثونا عن بداياتكم مع الاستشراق وسبب اهتمامكم بالدراسات العربية واتجاهاتها المتشعبة؟‏

ج-لقد اهتممت في البداية وأنا ابن أربع عشرة سنة بكثير من اللغات، ومن بين هذه اللغات جذبت اللغة العربية انتباهي بصفة خاصة، وذلك لأن الخط العربي قد أثار إعجابي بأشكاله الفنية المتنوعة والجميلة، فعزمت على أن أدرس اللغة العربية لكي أتمكن من قراءة هذه الأشكال الفنية الجميلة.‏

وبعد إطلاعي على عدد من اللغات الشرقية كالتركية والفارسية أعجبتني اللغة العربية إعجاباً كبيراً وذلك لأنني رأيت أن بناءها اللغوي ونظامها النحوي يعدان من أوضح أشباههما في لغات العالم، ولأنها لعبت دوراً هاماً في نقل المعارف والعلوم إلى الحضارات الأخرى. فاهتممت في بادئ الأمر بالدراسات الإسلامية وبعلوم الحضارة الإسلامية لأنني أردت أن أعرف كيف يشعر ويفكر الناس في حضارة غير أوروبية؟‏

فبدأت بالدراسة الجامعية بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة حيث انفتحت الحضارة الألمانية على العالم الخارجي بعد أن كانت متقوقعة على نفسها لمدة طويلة، فاستطعت أن أروي ظمئي وتعطشي إلى تلقف الأفكار الواردة من الخارج وخاصة من الحضارات الشرقية.‏

س-من خلال تجربتكم الطويلة في تدريس اللغة العربية للطلبة الألمان، أين تجدون صعوبات تعلّم العربية التي يعاني منها الطلبة الأجانب، وأين تكمن هذه الصعوبات بصورة خاصة؟‏

ج-يواجه الطالب الألماني صعوبات كثيرة عندما يبتدئ دراسة اللغة العربية، منها كثرة المفردات واتساع الثروة اللغوية في العربية، لأننا نجد لكل مفهوم مفردتين أو لفظتين على الأقل، فيكون على الطالب الأجنبي أن يتعلم مفردات كثيرة وأن يتمكن من استعادة معانيها وصورها التي هي أكثر مما هي عليه في اللغات الأخرى. ومنها أيضاً أن النظام الصوتي في اللغة العربية يختلف اختلافاً كبيراً عن الأصوات في اللغة الألمانية وفي اللغات الأوروبية الأخرى، فمثلاً الأصوات المفخمة (حروف الأطباق) الصاد والضاد والطاء والظاء غير موجودة في اللغات الأوروبية، وليس من السهل على الناطق باللغة الألمانية أن يفرّق بين السين والصاد وهما صوت (فونيم) واحد في اللغة الألمانية، وكذلك بين التاء والطاء، والكاف والقاف... وهلمّ جرا. كما يبذل الطالب الألماني جهداً كبيراً في نطق حرفي العين والحاء لأنه لم يعتد على استعمال الحلق كأداة للنطق. وليس هناك من فرق في اللغة الألمانية بين السين والزاي فكثيراً ما ينطق الألماني السين بدلاً من الزاي أو العكس من ذلك.‏

وأما ما يتعلق بالصيغ الصرفية وبنية الكلمة فمن تجربتي أستطيع القول: إن المتعلم الألماني يلقى صعوبات كثيرة في تلقي صيغ الأفعال وفي ضبطها بالشكل، فيكون صعباً عليه أن يشكل الفعل المضارع أكْتُب مقابلاً للماضي كتبتُ على سبيل المثال، وهذه الصعوبة تواجه المتعلم في استعمال العربية شفهياً بصورة خاصة.‏

ومما ليس مألوفاً الازدواجية اللغوية الموجودة في البلاد العربية. نعم صحيح أنه توجد عندنا ظاهرة الازدواجية في البلاد الغربية التي تتكلم الألمانية أيضاً، إلا أن كل ناطق باللغة الألمانية يستطيع أن يستخدم اللغة الفصحى كلغة منطوقة أيضاً. ويتم الكلام عندنا باللغة الفصحى في جميع المدارس وفي الإذاعة والسينما والمسرح، فيكون على ذلك استعمال اللهجات العامية محدوداً إلى حد كبير حيث يقتصر على بعض سكان الريف.‏

وعندما يزور الأجنبي ألمانية فإنه لا يجد أية صعوبة لغوية في التفاهم مع الناس، إذ لا تقف اللهجات المحلية عائقاً في وجهه لأن بإمكانه أن يتكلم بالفصحى في أي مكان يشاء وفي كل الأحوال والظروف. على أن الزائر للبلاد العربية الذي تعلم العربية الفصحى في معاهد الاستشراق تواجهه قضية اللهجات العامية وتنوعها في كل المواقف والأحوال والظروف. فهو مثلاً عندما يريد أن يشتري تذكرة السفر أو أي شيء آخر لا يسمع إلا اللهجة العامية التي تواجهه في كل مكان. ونادراً ما يلتقي بأشخاص تفضل الحديث معه بالفصحى، ولذلك فإنه لا بد أن يتعلم طالب اللغة العربية لهجة محلية على الأقل عندما يريد أن يلم باللغة العربية بأجمعها.‏

أما ما يتعلق بالنحو والقواعد فإنني أعتقد أن نحو اللغة الألمانية أصعب من نحو اللغة العربية وأعتقد أن الدارس للنحو العربي يستطيع أن يفهمه بصورة جيدة ومن غير صعوبات كبيرة تذكر.‏

س-بما أنكم تطرقتم إلى مسألة الازدواجية اللغوية، فكيف تنظرون إلى هذا الأمر على الساحة العربية وهل تجدون في اتساع الهوة بين العربية الفصحى واللغة العامية المنتشرة خطراً يهدد مستقبل اللغة العربية الفصحى؟‏

ج-كانت الحال اللغوية في ألمانية قبل مئة سنة خلت قريبة من الحال في البلاد العربية في الوقت الحاضر، وهذا يعني أن أغلبية الناس كانوا يتحدثون بلهجاتهم المحلية شفهياً، بينما كانت الفصحى تقتصر على الاستعمال كتابة. ثم بدأت بعد ذلك طبقة المثقفين بالتحدث مع أولادهم باللغة الفصحى، واستمر انتشار هذه اللغة من جيل إلى جيل حتى كتب لها أن تتحول إلى لغة منطوقة فاستعملها كل الناس كتابة وشفاهاً، وكانت المدارس الابتدائية من أهم العوامل في انتشار اللغة الفصحى.

لقد اتخذت عائلات المثقفين والمتعلمين اللغة الفصحى كلغة وحيدة للأحاديث اليومية وأمور الحياة العادية. ومن هنا فإنه كان على الطفل الألماني ومنذ نعومة أظفاره أن يتعلم اللغة الفصحى سماعاً وكتابة في البيت، وقبل أن يدخل إلى المدرسة. وأظن أن الأحوال اللغوية في البلاد العربية ستتطور في الاتجاه نفسه إذا بدأ المثقفون يتكلمون بالفصحى مع أولادهم في البيت ومع بعضهم بعضاً في التعامل اليومي، وإذا أصبحت العامية خارج الاستعمال في المدارس.‏

وأهم الوسائل لانتشار اللغة الفصحى أن يتعلم الأطفال هذه اللغة سماعاً وعن طريق التحدث مع والديهم في البيت، ثم عن طريق قراءة النصوص في المدرسة بعد ذلك. إن أسوأ الطريق لتعليم العربية الفصحى هي الدروس النظرية للنحو العربي. لقد حفظت اللهجات في ألمانية مكاناً محدداً للأدب الشعبي نثراً وشعراً، كما أن استعمال اللهجات في ألمانية ليس خطراً يهدد اللغة الفصحى في النظام الثقافي والتربوي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى اللهجات المحلية في البلاد العربية فلا أظن أنها تهدد اللغة الفصحى وخاصة إذا قامت المدارس ووسائل الإعلام بدورها المنشود والمطلوب منها. إن وجود اللهجات ظاهرة طبيعية وهي تنتشر في كل البلدان المتحضرة حيث توجد هناك لغة فصحى وأخرى عامية وهذا أمر جد طبيعي.‏

س-كم يبلغ عدد الرسائل العلمية التي أشرفتم عليها في مرحلتي الماجستير والدكتوراه؟ وما هي أهم الموضوعات التي عالجتها هذه الرسائل؟‏

ج-إن عدد الرسائل التي أشرفت عليها في مرحلة الماجستير تبلغ أكثر من خمس وثلاثين رسالة، وفي مرحلة الدكتوراه تبلغ نحواً من عشرين رسالة. وأما أهم الموضوعات التي عالجتها هذه الرسائل فهي تدور حول تاريخ اللغة العربية بين مرحلتها الأقدم وبين اللهجات الحديثة، بالإضافة إلى بعض الدراسات عن موضوعات في الحضارة الإسلامية وخاصة عن الاتجاه الحديث كما ينعكس في كتب التفسير والكتب التربوية مثل تفسير المنار أن موضوعات هذه الرسائل تتوقف إلى حد كبير على اهتمام الطالب نفسه، لذلك فإن الاتجاهات التي أشرفت عليها كانت متنوعة. وأهم عناوين هذه الرسائل: لحن العوام ومقامات بديع الزمان الهمذاني، حمار الوحش في الشعر الجاهلي، جمع شعر تميم وتحقيقه، الجود والبخل في الشعر الجاهلي، اسما الفاعل والمفعول في نصوص العربية القديمة، المطابقة النحوية في الجنس والعدد في نصوص العربية القديمة، أسماء العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، دراسة نحوية للصفات في العربية القديمة، الآلهة العربية (اللات والعزى ومناة) في الأدب القديم، صورة خلفاء بني أمية في الشعر... الخ.‏

س-كيف تقوّمون واقع الاستشراق الحالي في ألمانية بالمقارنة مع الجيل القديم من المستشرقين الكبار أمثال ليتمان وبروكلمان ونولدكه وبرجشتراسر... وهل تجدون فرقاً في طريقة البحث بين هذين الجيلين؟‏

ج-عندما بدأ المستشرقون الألمان يبحثون في التراث العربية وآدابه في منتصف القرن التاسع عشر لم يجدوا في أيديهم النصوص ووسائل الإيضاح الضرورية كالمعاجم ومراجع اللغة الأساسية، لذلك فقد ركز الجيل القديم من المستشرقين على فقه اللغة بالدرجة الأولى، وقد نشروا كثيراً من النصوص والمخطوطات، وكان المستشرقون الألمان من أوائل المحققين للتراث العربي، وكثير من النصوص الهامة طبعت للمرة الأولى في ألمانية. وقد أسهم المستشرقون بصفة خاصة في الشرح اللغوي لهذه النصوص والتعليق عليها، على الرغم من أنه لم تتح لهم فرصة السفر إلى البلاد العربية في ذلك الوقت، حيث كانوا يقتصرون على البحث العلمي في بلادهم.‏

أما الجيل الحديث من المستشرقين فيملك إمكانيات ووسائل علمية متطورة لم تكن متوافرة بالماضي، فهم بالإضافة إلى أنهم قد استفادوا من نتائج أبحاث الجيل القديم، يمكنهم السفر إلى البيئة العربية مباشرة ليعايشوا التطورات الحاصلة في المجتمع ويرصدوا الظواهر الموجودة. ومن هنا فإنه يمكنني القول أن اهتماماتهم قد اختلفت بعض الشيء، وتحولت إلى حد كبير إلى بحوث اجتماعية وأدبية وتاريخية وسياسية وجغرافية متجهة إلى مسائل الشرق الحديث على الرغم من أنهم لم ينقطعوا عن مجاراة التيار التقليدي كأبحاث فقه اللغة والنحو والصرف. إذا كان باحثو الجيل القديم قد صبّوا اهتماماتهم على موضوعات متعددة الجوانب واسعة الاتجاهات وخاصة اللغات السامية ذات الاتجاهات المتشعبة، فإنه كان على أصحاب الجيل الحديث من المستشرقين أن يقتصروا على معالجة الموضوعات العلمية المطروحة بصورة دقيقة وأن يتخصصوا في جوانب معينة منها.‏

س-من خلال اطلاعكم الواسع على الأدب العربي ولا سيما الشعر القديم منه، كيف تنظرون إلى هذا الأدب وأين تجدون موقعه في سلم الآداب العالمية؟‏

ج-لم يكن هناك أدب عالمي في قديم الزمان، لقد كان الأدب ظاهرة محلية محدودة عند كل أمة أو شعب أو حضارة، فنادراً ما تلقت حضارة ما في القديم أدب حضارة أخرى، وذلك على وجه الخصوص بالنسبة إلى الشعر لأن الشعر لا يمكن أن ينتقل بسهولة من لغة إلا لغة ومن حضارة إلى أخرى.‏

أما في العصر الحديث فقد تغيّر الوضع تغيراً تاماً، وأصبح في كل بلاد العالم مجموعة من الناس تجيد لغات أجنبية متعددة يمكنها من خلالها الإطلاع على آداب الحضارات الأخرى وإطلاع الآخرين عليها. ومن هنا فإنه ليس من الممكن أن نتحدث عن أدب عالمي قبل القرن التاسع عشر.‏

إن ما يجدر ذكره هنا أن الأدباء الألمان أصبحوا يهتمون بالأدبين العربي والفارسي في بداية القرن التاسع عشر وإن لم يستطع أكثرهم قراءة تلك الآداب بلغتها الأصلية. إن دراستهم للآداب الشرقية كانت تنطلق بالدرجة الأولى من الترجمات الانكليزية واللاتينية لتلك الآداب. وقد كان هذا الشوق إلى دراسة تلك الآداب غير الأوروبية باعثاً شديداً لتطور حركة الاستشراق في ألمانية.‏

لقد أثر الأدب اليوناني واللاتيني في الأدب الألماني منذ القديم لأن المثقفين الألمان كغيرهم من المثقفين الأوربيين كانوا يلمون بهاتين اللغتين. أما الأدب العربي فقد استطاع أن يجذب انتباه المثقفين وخاصة الشعر العربي القديم منه لانهم كانوا يشعرون أن روح الحضارة العربية تعبّر عن نفسها في هذا الشعر بصفة خاصة، كما أنهم كانوا يهتمون بالشعر الفارسي ولا سيما بأشعار حافظ الشيرازي التي قدمت لهم أرقى المعاني الروحية السامية للحضارة الإسلامية اللاحقة. أما الجيل الحديث فيفضل قراءة الأدب الحديث ولا سيما الرواية والقصة القصيرة لأنه يهتم بالمسائل الاجتماعية أكثر من اهتمامه بالأشكال الفنية في الأدب.‏

س-ما الدور الذي لعبه العرب ولا سيما الأدب العربي في تاريخ الحضارة الإنسانية برأيكم؟ وهل ترك الأدب العربي تأثيراً في الأدب الأوروبي؟‏

ج-هذا موضوع واسع جداً، ولو حاولنا أن نجيب عنه فلا بد لنا أن نؤلف فيه كتاباً أو أكثر.

بدأ تأثير الحضارة العربية في أوروبا في الأندلس. فمن المعلوم أن الحضارة العربية الأندلسية كانت لها تأثيرات كثيرة مثمرة في الحضارة الأوروبية ليس من الممكن أن نحصيها هنا. كما أثرت الحضارة العربية في البلاد الأوروبية أيضاً عن طريق صقيلية، حيث نتجت حضارة مزدوجة عربية –أوروبية تحت سيطرة النورمان وخاصة في عهد الإمبراطور فريدريش الثاني في القرن الثالث عشر للميلاد.‏

أن أكثر النتائج التي استفادت الحضارة الأوروبية منها هي العلوم الرياضية والطبيعية، فقد أخذ على سبيل المثال التجار الأوروبيون نظام الأعداد من العرب، ونحن لا يمكن أن نتصور التطور العلمي والاقتصادي في أوروبا بمعزل عن المعلومات التي وصلتنا عن طريق العرب.‏

أما ما يتعلق بالأدب نشأ في القرن الثامن عشر اتجاه عاطفي كبير يتعلق بقصص ألف ليلة وليلة، ويقرأ الأطفال والشباب الألمان حتى أيامنا هذه قصص ألف ليلة وليلة ويستمتعون كثيراً بقراءتها. وهناك بحوث كثيرة عن هذا الموضوع وهي تشير إلى تأثر كثير من الشعراء والأدباء الألمان وغير الألمان بهذه القصص وانعكاسات آثارها في أعمالهم الأدبية.‏

س-لقد درس عندكم طلبة أجانب كثيرون، ولا سيما من الدول العربية، فكيف تنظرون إلى هذا الأمر؟ وما هي الانطباعات التي تحملونها لقدوم طلبة من الشرق لدراسة لغتهم هنا؟‏

ج-بدأ أبناء العربية يزورون ألمانية للدراسة في جامعاتها منذ حوالي الستينات.‏

وأكثر الطلبة العرب يدرسون هنا الطب والهندسة والعلوم الطبيعية إلا أن بعضهم يحب أن يدرس فقه اللغة العربية واللغات السامية والأدبين العربي والفارسي أيضاً.‏

أظن أن المثقف العربي يستغرب ذلك. لماذا يزور الطالب العربي ألمانية ليدرس لغته فيها، وعليه أن يتعلم اللغة الألمانية التي لم يتعلمها في مدرسته، بالإضافة إلى الصعوبات الأخرى الكثيرة التي تصادفه.‏

أعتقد أن السبب في ذلك هو أن لكل حضارة مناهج علمية خاصة بها. وإنه لشيء مهم أن يتعرف المثقف في عصر امتزاج الحضارات للأفكار والمناهج التي انتجت الحضارة الأخرى.

ويستطيع الطالب أن يحقق هذا الهدف بصورة أفضل عندما يدرس الأفكار التي يجدها في الحضارة الأخرى عن لغته وحضارته الخاصة به، فيمكن له أن يشاهد وطنه ولغته وحضارته من الخارج بعين الحضارة الأخرى، وهذه التجربة لا يتسنى له أن يحصل عليها في وطنه على الإطلاق. ولهذا السبب فإنني أرحب بالطلاب العرب الذي يريدون أن يدرسوا اللغة العربية وآدابها في جامعاتنا، وأرجو أن يعودوا بتجارب مفيدة قيمة تساعد على تبادل المعارف والأفكار بين الشرق والغرب.‏

س-هل هناك صلات مباشرة بين معاهد الاستشراق في ألمانية وبين الجامعات في الدول العربية؟ وكيف يتم إطلاع الطلبة الألمان على الجديد من التطورات الأدبية واللغوية على الساحة العربية؟‏

ج-نشأ في السنوات الماضية كثير من العلاقات بين الجامعات الألمانية والجامعات العربية وبين معاهد الاستشراق وكليات الآداب فيها. كما يزور عدد من المستشرقين الألمان البلاد العربية، كذلك يقدم عدد من الزملاء العرب إلى الجامعات الألمانية أيضاً. وكثيراً ما يربط بيننا صداقات شخصية وعلمية.‏

أما ما يتعلق بمعهدنا معهد الاستشراق في جامعة ايرلانجن –نورنبرغ فيسرنا أنه هناك علاقات أخوية مع جامعة عين شمس وجامعة الموصل وجامعة حلب بصفة خاصة.‏

ويحاول أكثر الطلبة الألمان الذين يدرسون اللغة العربية أن يقيموا مدة من الزمن في إحدى الجامعات العربية، وتقدم بعض الجامعات العربية دروساً خاصة لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وهي تفيد الطلاب الألمان في الحصول على معرفة كافية باللغة العربية.‏

أما ما يتعلق بموضوع إطلاع الطلبة الألمان على الجديد في الساحة العربية، فإنه لسوء الحظ ليس هناك نشرة شاملة تقدم لنا كل النشاطات الأدبية والثقافية الموجودة في البلاد. ويقرأ الطالب بعض المجلات التي تصلنا مثل العربي والمعرفة والباحث إلا أنه ليس من الممكن أن نشتري جميع المجلات لأن ميزانيتنا محدودة. ومما نحتاج إليه في ألمانية بشكل كبير هو مركز ثقافي عربي، أو مراكز ثقافية عربية في مدن ألمانية مختلفة مهمتها تزويدنا بالمعلومات الجديدة.‏

س-ما مدى اطلاع القارئ الألماني بشكل عام على الأدب العربي، وكيف يصل إليه هذا الأدب؟ وهل تجدون أن الأعمال الأدبية العربية المترجمة إلى اللغة الألمانية كافية لإعطاء القارئ صورة صادقة تعكس الواقع الحقيقي للأدب العربي؟‏

ج-يزداد عدد الكتب المترجمة من العربية إلى الألمانية من سنة إلى أخرى، غير أن عددها بشكل عام غير كاف، لأن عدد المترجمين قليل بعض الشيء، بينما عدد الكتب الصالحة للترجمة كبير جداً. وعندما يظهر كتاب جديد أو رواية أو مجموعة قصصية جديدة لمؤلف جديد فإنه يتوجب على المترجم أن ينتظر فترة طويلة ليرى هل يحصل هذا المؤلف على الشهرة المطلوبة حتى يتمكن بعد ذلك من ترجمة عمله. وبعد أن ينتهي من ترجمة عمله فإن عليه أن ينتظر فترة أطول حتى يجد دار النشر التي تتولى طبع الترجمة. إنه مطلب ملح أن تقدم حركة الثقافة العربية مساعدات مادية ومعنوية للأعمال المترجمة، وأن تقوم بدعمها حتى تصل إلى القارئ الألماني. ونحن نشعر بأنه لم يع حتى الآن المسؤولون العرب أهمية هذه المهمة الملقاة على عاتقهم مما يترك أثره على صورة الواقع الحقيقي العربي عند المثقفين الألمان.‏

--------------------
1 انظر بحثه الذي ألقي في المؤتمر الثقافي الثامن والعشرين ليوم الاستشراق العالمي في كانبرا في السابع من كانون الثاني 1971، ونشر في مجلة عبر النهرين "Abr –Nahra in" بمدينة ليدن Leiden سنة 1971 –1972، العدد 12، الصفحة 15 –18.‏
--------------------
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 47 - السنة 11 - نيسان "أبريل" 1992 - شوال 1412

حوار مع المستشرق الألماني هارتموت بوبتسين - أجراه د. ظافر يوسف

الاستشراق الألماني إلى أين؟ ( حوار مع المستشرق الألماني هارتموت بوبتسين ) -أجراه: د.ظافر يوسف

البروفيسور هارتموت بوبتسين أحد المستشرقين الألمان الذين بدأ نجمهم يلمع كثيراً في الآونة الأخيرة في ألمانيا وفي بعض الدول العربية من خلال نشاطاته العلميّة المتعدّدة، ومشاركاته الدائمة في المؤتمرات والندوات التي تعقد في ألمانيا والدول العربيّة، فقد شارك في الأشهر القليلة الماضية بعدّة مؤتمرات جرت في ألمانيا ومصر والمغرب ولبنان، وساهم في إدارة تحرير مجلّة دراسات اللغة العربية التي تصدر عن جامعة إرلنغن، بالإضافة إلى جهوده الكبيرة التي بذلها في تنظيم العديد من المعارض والمهرجانات حول التراث والمخطوطات العربية وغيرها.‏

ومن الجدير بالذكر أنّ المستشرق بوبتسين يشغل كرسي العلوم الإسلامية في جامعة إرلنغن - نورنبرغ التي تقع في مقاطعة بافاريا في جمهورية ألمانيا الاتحاديّة، وهو معروف باطّلاعه الواسع على التراث العربي وبدراساته الرصينة التي كتبها حول القرآن الكريم والعلوم الإسلاميّة وبإلمامه العميق بتاريخ الاستشراق في أوربا، وبالجهود التي بذلها المستشرقون من أجل إحياء التراث العربي ونشر كنوزه.‏

وانطلاقا من البرنامج الذي وضعناه لمحاورة المستشرقين الألمان وتقديم آرائهم للقارئ العربي، كان لنا هذا اللقاء مع البروفسور بوبتسين الذي تحدّث فيه عن رحلته مع الاستشراق، وواقع الاستشراق الألماني الحالي وتوجّهاته.‏

 

-في البداية لابدّ من طرح السؤال التقليدي: هل لكم أن تحدّثونا عن البدايات والسبب الذي جعلكم تدرسون اللغة العربية؟‏

* نعم، فأنا - وكما تعرفون- درست في البداية اللاهوت وعلم الأديان المقارنة وكذلك اللغة السنسكريتيّة والعلوم الهندية، وكنت أهتمّ بشكل خاص بالعهد القديم وباللغة العبرية القديمة. ومن هذا المنطلق نصحني أستاذي كايزر بتعلّم اللغة العربية التي تغني دراسة العهد القديم وخاصّة من الناحية اللغوية، وقد كانت بدايتي الفعلية مع اللغة العربية بعد أن حصلت على الدكتوراه في اللغات السامية من جامعة ماربورغ، وعنوان الأطروحة هو" الأزمنة الفعلية في سفر أيّوب". حيث قرّرت بعدها أن أتفرّغ لدراسة اللغة العربية فقط لما لهذه اللغة من أهميّة وغزارة في التراث والمصادر التي قلّ وجود نظيرها في اللغات الأخرى، فحصلت على منحة دراسية للتعمّق في دراسة اللغة العربية في دمشق في عام 1975/1976 وبعد ذلك عدت إلى جامعة إرلنغن، حيث عيّنت معيدا في معهد اللغات والدراسات الشرقية التابع لكلّية الفلسفة. وأودّ أن أشير هنا إلى أنّه لم يكن عندي في البداية أيّ اطّلاع على التراث العربي بشقّيه اللغوي والأدبي، لأنّ اهتمامي كان منحصرا بالدرجة الأولى في تعلّم اللغة العربية التي أصبحت فيما بعد المنطلق الأساسي عندي للاطّلاع على التراث العربي والتوغّل فيه.‏

-بما أنّكم من المتخصّصين بصورة أساية في اللاهوت والدراسات القرآنية، كيف تنظرون إلى واقع الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الأوروبية؟ وما هو السبب برأيكم في إقبال الطلبة الألمان على التخصّص في مجال العلوم العربية والإسلامية؟‏

* في البداية لابد من توضيح المعنى المقصود بمصطلح الدراسات الإسلامية لأنّ هذا المصطلح واسع جدّا ويحتمل الكثير من التفسيرات التي قد تعطي انطباعا معكوساً ومخالفا لما هو سائد في العالم الإسلامي. لهذا أبادر منذ البداية إلى القول بأنّ ما يقصد بمصطلح العلوم الإسلامية، لا في ألمانية فحسب وإنّما في أكثر البلدان الأوروبية ، هو الناحية اللغوية فقط أو ما يسمّى بفقه اللغةphilologie وذلك لأنّ إتقان اللغات الشرقيّة بشكل عام، وأعني بها اللغات العربية والتركية والفارسية يساعد على الاطّلاع على التراث الإسلامي عن كثب ويعتبر في نفس الوقت المفتاح الأساسي لفهم الحضارة الإسلامية المتكاملة. أمّا ما يتعلّق بدراسة الدين والعلوم الإسلامية المختلفة كالقرآن الكريم والحديث والتفسير والفقه... إلخ فإنّ ذلك جاء متأخّراً ولم يبدأ بالمعنى التخصصي للكلمة إلاّ في بداية القرن العشرين.‏

ومهما يكن الأمر فإنّ واقع الدراسات العربية في الجامعات الأوروبية يختلف من بلد إلى آخر فقد ازدهرت مثلا دراسة اللغة العربية في كلّ من هولندا وإنكلترا في القرن السابع عشر وكان الدافع لذلك هو تنمية التبادل التجاري والبحث عن أسواق جديدة في الشرق العربي. أمّا في فرنسا فقد كانت الاهتمامات في هذه الفترة منصبّة بالدرجة الأولى على التراث المسيحي العربي وتعاليم الكنيسة الشرقية وخاصّة المارونيّة منها في كلّ من سوريا ولبنان، وقد تضافرت جهودها على طبع الكتاب المقدّس ونصوص الأناجيل والكتب الدينية والأدعية وغي ذلك.‏

أمّا في ألمانية فقد كانت دراسة اللغة العربية في هذه الفترة مرتبطة بدراسة اللغة العبرية القديمة والسريانية في إطار ما كانوا يسمّونه بفقه اللغات المقدّسة(philologie Sacra) لأنّ البروتستانت في ألمانية صبّوا اهتمامهم بالدرجة الأولى على دراسة الكتاب المقدّس وترجماته القديمة المختلفة ومنه العربية والسريانية والقبطية.‏

ومن مقارنة هذه الاتجاهات المختلفة في دراسة اللغة العربية نجد أنّ الاهتمام بدراسة اللغة العربية يختلف تماما من بلد إلى آخر، ولا يمكننا أن نجزم بشكل قاطع بأنّ الاهتمامات الاستعمارية هي السبب الوحيد في دراسة اللغة العربية كما يعتقد البعض.

وقد كانت الطريقة المتّبعة في ألمانية في دراسة اللغات الشرقية أحد الأسباب الأساسية التي أدّت إلى إنشاء علم اللغات المقارن في القرن التاسع عشر.‏

أمّا بالنسبة إلى الشقّ الثاني من هذا السؤال فإن السبب برأيي يعود إلى الاهتمام الإقليمي بهذه المنطقة من العالم، كما أنّ الأحداث التي تقع في هذه المنطقة تجعل الطلبة يهتمّون بمتابعة التطوّرات التي تحدث لمعرفة كل جديد يطرأ على الساحة العربية، طبعا بالإضافة إلى حبّ الاطّلاع على التراث العربي الإسلامي والتعرّف على الثقافة العربية التي لعبت دورا متميّزا في تاريخ الحضارة الإنسانية.‏

ويمكن لي هنا أن استشهد بمثال عملي يبيّن واقع دراسة اللغة العربية في جامعة إرلنغن،فعندما قدمت إلى إرلنغن قبل عشرين سنة كان توجّه الطلاّب منصبّا بالدرجة الأولى على الاهتمام بمصادر اللغة العربية القديمة" الكلاسيكية" بمعناها التقليدي، وكان عدد الطلبة في ذلك الوقت قليلا، وهذا يعود بالطبع إلى صعوبة اللغة العربية. أمّا في السنوات الأخيرة فقد تغيّرت الأمور تماما وأصبح الاهتمام مركّزاً على العالم العربي المعاصر ودراسة اللغة المعاصرة واللهجات العربية الحديثة، وقد أسّست لذلك الغرض مراكز خاصّة بالشرق الأوسط يهتمّ بعضها بالناحية السياسية، وبعضها الآخر بالناحية الاقتصادية أو بالناحية الجغرافية. ولقد لقيت هذه المراكز إقبالا شديدا من الطلبة للدراسة فيها، ولا بدّ من الإشارة هنا إلى الخطر الكبير الذي قد ينجم عن الدراسة في هذه المراكز وهو أن ننسى دراسة التراث العربي والتاريخ القديم لأنّ الواقع الحالي في الشرق الأوسط والبلاد العربية لايمكن فصله عن جذوره الضاربة في التاريخ، فمثلا من لم يقرأ القرآن الكريم بلغته الأصلية لايمكن له أن يفهم الكثير من العادات والمفاهيم السائدة حاليا في الشرق والعالم العربي، ولا يكفي أن نعود إلى الترجمات الألمانية لأنّها لايمكن أن تغني عن العودة إلى الأصول.‏

-متى بدأت الجامعات الألمانية بتدريس اللغة العربية ؟ ومن هم العلماء الذين قاموا بذلك ؟ وماهو الدافع الذي جعلهم يقبلون على ذلك ؟‏

بدأت الجامعات الألمانية بتدريس اللغة العربية في القرن السادس عشر، وكانت البداية مرتبطة بدراسة اللاهوت كما ذكرت قبل قليل، وكان أوّل من حاول أن يدرّس اللغة العربية كمادة مستقلّة عن بقية اللغات السامية الأخرى في ألمانية هو يوهان رايسكه " 1716-1774" في القرن الثامن عشر، حيث اهتمّ بدراسة الأدب العربي والأمثال العربية، وترجم بعض أشعار المتنبي ولكنه لم يلق القبول المناسب عند الجمهور في ذلك الوقت، إذ بعد خمسين سنة من وفاته بدأت الدراسات العربية بالمعنى الصحيح على يدي كل من فيلهلم فرايتاغ" 1788-1861" في مدينة بون وهاينريش فلايشر"1801-1888" في مدينة لايبزيغ اللذين تتلمذا في باريس على يدي دي ساسي" 1758- 1838" الذي يعتبر مؤسس الدراسات الشرقية المعاصرة في أوربا كلها. ويعتبر فلايشر المؤسس الحقيقي للدراسات العربية في ألمانية، حيث تتلمذ على يديه الجيل المعروف من المستشرقين الكبار أمثال نولدكه وغولدتسهير ويعقوب بارت وأوغست مولر و... إلخ.‏

وهناك عدد آخر من المستشرقين الذين لعبوا دورا مهما في تاريخ الاستشراق وفي تكريس تدريس اللغة العربية وإحياء تراثها، فنذكر على سبيل المثال فرديناند فوستنفلد" 1808- 1899" في مدينة غوتنغن، الذي قام بتحقيق الكثير من كتب التراث ونصوصه اللغوية والأدبية كعجائب البلاد للقزويني وسيرة ابن هشام ووفيات الأعيان لابن خلّكان وكتاب المعارف لابن قتيبة والاشتقاق لابن دريد ومعجم البلدان لياقوت الحموي ومعجم ما استعجم للبكري... إلخ ، وكذلك فيلهلم آلورد" 1828-1909" الذي ألّف فهرس المخطوطات العربية الموجودة في مكتبات برلين في عشرة أجزاء كبيرة وحقّق عددا من الدواوين الشعرية مثل خمريات أبي نواس والدواوين الستة وديوان رؤبة بن العجّاج وقصيدة خلف الأحمر.‏

أمّا ما يتعلّق بأهم المسشرقين المتخصّصين باللغة العربية في هذا القرن فهناك عدد كبير منهم، مثل كارل بروكلمان، وأوغست فيشر، وجورج يعقوب، وركندوف، وليتمان، وبرجشتراسر، ويوهان فك، وغيرهم.‏

-للاستشراق الألماني تاريخ طويل ، هل لكم أن تحدّثونا قليلا عن أهم البصمات التي يتميّز بها الاستشراق الألماني عن غيره من البلدان الأوربية؟‏

* إنّ أهمّ ما يتميّز به الاستشراق الألماني عن غيره من البلدان الأوربية هو الاهتمام بالنصوص اللغوية والأدبية بالدرجة الأولى، وخاصّة في القرن التاسع عشر، وكذلك لعدد الكبير من أعمال التحقيق والدراسات النقدية للتراث العربي، حيث اشتهر الألمان في هذا النوع من نشر كتب التراث العربي بإصدار طبعات محقّقة تحقيقا علميا مع إجراء دراسة نقدية وفهرسة دقيقة وشاملة للكتاب. وقد حقّقت الكثير من مخطوطات التراث العربي ومصادره في ألمانية، ممّا لانجده بهذه الغزارة في البلدان الأوربية الأخرى. وهنا أشير إلى الجو العلمي المتكامل في أوربا وإلى التعاون الوثيق بين العلماء والمستشرقين في الجامعات الأوربية، فمثلا ما كان لعدد كبير من الأعمال الضخمة كتاريخ الرسل والملوك للطبري، وطبقات ابن سعد، ودائرة المعارف الإسلامية أن تصدر دون التعاون العلميّ البنّاء بين دي خويي" 1836- 1909" في هولندة وإدوارد ساخاو"1845-1930" في ألمانية وغولدتسهير الهنغاري"1850- 1921" وفيلهاوزن"1844-1918" وغيرهم من المستشرقين.‏

ويتميّز الاستشراق الألماني أيضاً عن غيره من البلدان الأوربية بالاهتمام بالدراسة المقارنة للغات السامية، حيث هناك العديد من الدراسات والأعمال المقارنة بين العربية وغيرها من اللغات السامية الأخرى كالآرامية والعبرية والسبئية . وأهم عمل في هذا المجال هو عمل كارل بروكمان (1868 - 1956 ) الرائد " الأساس الكامل في مقارنة اللغات السامية " الذي لم يكتب مثله حتى الآن بهذا التفصيل الدقيق.‏

وأخيرا أشير إلى أنّ الاستشراق الألماني لم يكن مرتبطا بالاستعمار إلى حدّ كبير كالاستشراق الفرنسي أو الإنكليزي أو الهولندي، فالألمان لم يستعمروا أية دولة عربية، ولم تكن لهم مطامع في البلدان العربية.‏

- كيف تقوّمون واقع الاستشراق الألماني الحالي بالمقارنة مع الجيل القديم من المستشرقين الكبار أمثال ليتمان وبروكلمان ونولدكه وبرجشتراسر؟ وهل تجدون فارقا في طريقة البحث بين هذين الجيلين؟‏

* إنّ واقع الاستشراق الألماني الحالي يختلف تماما عن واقع الاستشراق سابقا، فقد تغيّرت ظروف الحياة واصبح العالم قرية صغيرة بفضل التقدّم التقني الهائل الذي حقّقته وسائل الاتصال والبث الإعلامي والمعلوماتي، وقد انعكس هذا التقدّم على اهتمامات الجيل الجديد من المستشرقين الألمان إذ بدؤوا بمتابعة التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد العربية، ومن هنا فقد كثر هذا النوع من الدراسات الاجتماعية والسكانية والسياسية والجغرافية، أضف إلى ذلك الاهتمام المتزايد بالأدب الحديث وبالدراسات اللغوية المعاصرة ممّا يعرف في يومنا هذا بعلم الألسنية. على العكس من الجيل القديم من المستشرقين الذين كانوا يركّزون بصورة أساسية على الأبحاث التقليدية ودراسة التاريخ وعلوم اللغة العربية وفقهها.‏

أمّا ما يتعلق بطريقة البحث اليوم، فطبعا هناك تطوّرات دائمة في هذا المجال، ويقدّم العلم في كلّ يوم اكتشافا جديدا، وقد أتيح للجيل الجديد من المستشرقين أن يستفيدوا في أبحاثهم من القفزة الهائلة التي حقّقتها استخدامات برامج الكومبيوتر وأجهزة الحاسوب المتطوّرة ونظام الحصول على المعلومات والجداول الإحصائية ممّا لم يكن متاحا للمستشرقين في السابق.‏

ويظهر الاختلاف بوضوح في طريقة البحث بين الجيلين عند معالجة الموضوعات اللغوية، فقد اكتشفت في أيّامنا هذه مناهج جديدة لم تكن معروفة سابقاً، كالبنيوية والتحويلية والكثير من مباحث الألسنية وغيرها.‏

وممّا تجدر الإشارة إليه في هذا المقام ضمور المنهج الشامل المقارن في الدراسات السامية عند الجيل الجديد من المستشرقين، واقتصارهم غالبا في البحث على لغة سامية واحدة، تتمّ دراستها بشكل عميق ومسهب دون إجراء مقارنات موازية مع بقية اللغات السامية الأخرى. وأودّ أن أشير هنا أيضا إلى أنّ عدد المستشرقين المتخصّصين في موضوع نظرية الأدب والنقد الأدبي قليل بشكل عام، وهذه ثغرة آمل أن يتمّ تجاوزها في المستقبل القريب.‏

- ما هي العلوم العربية التي أثّرت برأيكم كثيرا في تاريخ النهضة والحضارة الأوربية؟
وبماذا تفسّرون التطوّر العلمي عند العرب في ذلك الوقت؟‏

* أعتقد أنّ الفلسفة تأتي في المقام الأوّل، وخاصة فلسفة ابن رشد، لأنّ الأوربيين تعرّفوا على هذه الفلسفة في الأندلس، وكان لابن رشد تأثير كبير في تطوّر الفلسفة المسيحية في النصف الثاني من القرون الوسطى. ثمّ يأتي الطبّ في المرتبة الثانية، فقد كان لكتاب ابن سينا / القانون في الطب / الذي ترجم إلى اللغة اللاتينية تأثير مباشر على الطب الأوربي، وعن طريقه أعادت أوربا اكتشاف جالينوس" توفي نحو200 ميلادية" من جديد، الذي يعتبر أهمّ طبيب في العصر القديم، خاصة وأنّ أكثر مؤلفاته التي كتبها باليونانية قد ضاعت، ولولا الترجمات العربية التي وصلتنا لأعماله لما عرفنا شيئا عن جهوده وآرائه الطبية . وقد كان للأطباء العرب بصمات واضحة على مسار الطب الأوربي وتدريسه في الجامعات الأوربية التي بقي بعضها يدرّس الكتب العربية حتى منتصف القرن السابع عشر كجامعة هربون Herborn على سبيل المثال، ولا يفوتني هنا أن أشير إلى الأهمية الكبيرة التي حظي بها الكتاب المنصوري لمؤلفه الرازي الطبيب والفيلسوف المعروف، وإلى الكثير من الكتب الأخرى.‏

وأخيرا يأتي علم الفلك ليحتلّ المرتبة الثالثة في العلوم العربية التي أثّرت بشكل مباشر في تاريخ النهضة والحضارة الأوربية. فمنذ اختراع الطباعة في أوربا أي منذ منتصف القرن الخامس عشر وحتى منتصف القرن السادس عشر تمّ طباعة الكثير من كتب الفلك العربية بالترجمات اللاتينية.‏

أمّا ما يتعلق بالشطر الثاني من سؤالك فأعتقد أنّ الجواب عن هذا السؤال صعب جدا ، وبرأيي أنّ هذا يعود بالدرجة الأولى إلى اهتمام العرب بإنشاء حضارة جديدة، وأعتقد أنّ الجوّ العام في ذلك الوقت كان مهيئا من حيث حياة الاستقرار في البلاد والتماسك الداخلي للمجتمع والابتعاد عن الحروب والفتن الداخلية، بالإضافة إلى وجود الأطباء والمترجمين السريان وروح الانفتاح التي تحلّى بها العرب آنذاك، والتعطّش للاطّلاع على الثقافات الأخرى والابتعاد عن التعصّب والتقوقع وغير ذلك. وأعتقد أنّ هذه الأسباب مجتمعة قد ساهمت في إنشاء حضارة عربية متميّزة، أمدّت الفكر الإنساني بنسغ جديد وثمار يانعة.‏

ولكن ما يلفت النظر في تاريخ الحضارة العربية أنّها لاتواكب السياسة المستقرة دائما، فقد حقّقت دولة بني حمدان الصغيرة في حلب مجدا أدبيّا وازدهارا حضاريا وثقافيا قلّ وجود نظيرهما في تاريخ الحضارة البشرية، وهذا يعود بالطبع إلى التشجيع الكبير والمناخ المناسب الذي قدّمه سيف الدولة في ذلك الوقت. وكذلك فقد كانت مرحلة ملوك الطوائف في الأندلس من أكثر الفترات التي ساد فيها الضعف والفساد والاضطراب السياسي في أرجاء الدولة، ولكنها على صعيد الأدب والثقافة كانت من أكثر الفترات ازدهاراً وخصوبة وعطاء.‏

-كم معهدا للاستشراق يوجد حاليا؟ وما هي أهمّ الاتّجاهات الأساسية التي ينحو الاستشراق الألماني إليها حاليا؟‏

* يوجد في ألمانيا حوالي / 25/ معهدا خاصا بالاستشراق والدراسات العربية والإسلامية، واتّجاهاتها مختلفة بحسب اهتمامات الأساتذة الذين يشغلون كراسي الأستاذية فيها. وأستطيع القول بأنّ الطابع اللغوي يغلب على اتجاهات كلّ من معاهد جامعة إرلنغن، وتوبنغن، وكولن، ولايبزيغ. وتختصّ بعض المعاهد بالاتجاه التاريخي لتصبّ اهتمامها بالدرجة الأولى على تاريخ العالم الإسلامي في العصور السالفة وكذلك في وقتنا الراهن، وأذكر على سبيل المثال معاهد جامعة فرايبورغ وهامبورغ وبرلين وكيل...إلخ.‏

وتهتمّ معاهد أخرى إمّا بالفلسفة الإسلامية والدراسات الدينية التقليدية كمعهد بوخوم وفرانكفورت، وإمّا باللغات السامية والمقارنات اللغوية كمعهد ماربورغ وهايدلبرغ ميونخ وهاله... إلخ . وأودّ أن اشير هنا إلى أنّه في السنوات الأخيرة تمّ إنشاء الكثير من المعاهد الحديثة وكراسي الأستاذية التي تهتمّ إمّا بالوضع الاجتماعي، أو بالحالة السياسية، أو الاقتصادية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل عام، هذا طبعا إلى جانب معاهد الاستشراق التقليدية.‏

- كيف تجدون التواصل حاليا بين معاهد الاستشراق الألمانية وبين الجامعات العربية؟

وكيف يتمّ اطّلاع الطلبة الألمان على الجديد من التطورات الأدبية واللغوية على الساحة العربية؟‏

* إنّ التواصل بين معاهد الاستشراق الألمانية وبين الجامعات العربية ليس مرضيا بالصورة التي يتمنّاها المرء، وأعتقد أنّه قد أخذ في السنوات الأخيرة بالتحسّن بعض الشيء عن طريق منظّمة التبادل الأكاديمي الألماني DAAD التي تنظّم عملية التبادل في الطلبة والأساتذة الزائرين بين الجامعات العربية والجامعات الألمانية. وأشير هنا إلى الثغرة الكبيرة في العلاقات الثقافية بين الجامعات العربية وبين معاهد الاستشراق، فنحن نادرا ما نحصل على النشرات والدوريات العربية الجامعية التي تحمل إلينا آخر الأخبار الثقافية والعلمية في الجامعات العربية. إنّ ما ينقصنا في ألمانية هو وجود مركز ثقافي عربي تكون مهمته التعريف بالعالم العربي وحضارته على نمط معهد العالم العربي IMA الموجود في باريس.‏

أمّا عن كيفية اطّلاع الطلبة الألمان على آخر المستجدات الأدبية واللغوية على الساحة العربية، فإنّ ذلك يتمّ في الغالب بجهود فردية غير منظّمة ، ويلعب الحظّ فيها دورا كبيرا.‏

وغالبا ما نحصل على الكتب والمصادر العربية المنشورة حديثا عن طرق شخصية.‏

- من خلال تجربتكم في دراسة اللغة العربية وتدريسها ، أين تكمن برأيكم الصعوبات التي يعاني منها الدارس الأجنبي لهذه اللغة؟‏

* يعاني الدارس الأجنبي للغة العربية من صعوبات كثيرة، يمكن تلخيصها بالنقاط الآتية:‏

أوّلا: صعوبات في نطق بعض الأصوات العربية غير الموجودة في اللغات الأوربية مثل الصاد والضاد والطاء والظاء والعين..والحاء ...إلخ.‏

ثانيا: مشكلة القراءة والكتابة، فكما هو معروف فإنّ اللغة العربية لاتعمد في الغالب إلى كتابة الحركات ، وإنما تكتفي بكتابة الحروف ، ولهذا فإن عملية القراءة ليست سهلة على الأجنبي ، خاصّة إذا كان الدارس غير متمرّس في القراءة. وأودّ أن اشير هنا إلى أنّ علم الصرف العربي ليس صعبا بشكل عام لأنّه مبنيّ بناء منطقيا، ويستطيع الدارس الأجنبي أن يتقنه ويستوعب مبادئه تماما، على العكس من اللغة الألمانية التي تكثر فيها الاستثناءات غير المنطقية وخاصّة في باب تصريف الأفعال الشاذة.‏

ثالثا: صعوبات في النحو والقواعد، وخاصّة في بعض أبواب النحو التراثي القديم الذي يعتمد نظرية العوامل ولا يحاول أن يفسّر الوظائف النحوية للتراكيب، فمثلا هناك أنواع عديدة من المنصوبات التي لها وظائف مختلفة، وفي أحيان كثيرة يصعب التمييز بينها.

ومن الأمور التي تشكّل صعوبة بالغة أمام الدارس الأجنبي هي مسألة أدوات الربط بين الجمل والتراكيب. أمّا بالنسبة إلى نحو اللغة العربية المعاصرة فأعتقد أنّه متأثر بنحو اللغات الأجنبية، وخاصة الإنكليزية منها، وهذا يعود بصورة أساسية إلى الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام وإلى تأثير الترجمة المباشرة للتراكيب الأجنبية إلى العربية.‏

رابعا: عدم وجود معجم حديث شامل، يستوعب جميع مفردات اللغة ويشرح كلّ المعاني التي تحتملها الكلمة، وخاصة من الناحية المجازية. فالمعروف أنّ المعاجم العربية القديمة غنيّة جدّا في الثروة اللغوية وفي الشروح التي تقدّمها للمفردة، ولكنّها صعبة الاستعمال؛ إذ أنّ الباحث غير المتخصّص في اللغة يواجه صعوبات كبيرة عند استعمال تلك المعاجم القديمة. ولهذا السبب فإنّ ما نحتاج إليه من كلّ بد هو وضع معجم شامل للغة العربية، يأخذ بعين الاعتبار الجهود والنتائج التي وصل إليها علم المعاجم الحديث، من حيث طريقة استخراج الكلمات وترتيبها في المادة اللغوية، لأنّه ليس هناك نظام موحّد في المعاجم العربية لاستخراج الكلمات، فكلّ معجم يتّخذ طريقة تختلف عن الآخر.‏

-ما هي البلاد العربية التي زرتموها ؟ وكيف تجدون الواقع اللغوي فيها؟ وهل تعتقدون أنّ في انتشار العاميّة على هذا النحو خطرا يهدّد اللغة العربية الفصحى؟‏

* لقد زرت كلاّ من سوريا ولبنان والأردن ومصر وتونس والجزائر والمغرب، واطّلعت عن كثب على الواقع اللغوي فيها، ولفت نظري أمران اساسيان؛ أحدهما : الهوّة الواسعة التي تفصل بين اللغة العربية الفصحى وبين اللهجات العامية الموجودة في البلاد العربية. وثانيهما: التنوّع والاختلاف الكبير في اللهجات العامية وطرق التعبير فيها، ممّا يجعل كلّ لهجة تختلف تماما عن اللهجات الأخرى، وخاصة اللهجة المغربية التي تبدو غير مفهومة حتى لعرب المشرق العربي.‏

ومهما يكن الأمر فإنّه لا يمكن لأحد أن ينتقص من الدور الذي يقوم به كلّ منهما ، فكما أنّ للغة الفصحى دورا مهمّا ، كونها اللغة الرسمية لوسائل الإعلام والتعليم في المدارس والجامعات، حيث إنها وسيلة الوحدة الثقافية التي تربط بين البلاد العربية، كذلك الأمر فإنّ للهجات دورا مهمّا، لأنها هي اللغة التي يتكلّمها الناس في حياتهم اليومية، وهي التي يستخدمونها بكل عفوية في عواطفهم وأحاسيسهم دون أيّ تفكير.

لهذا فإنّه ليس من المعقول أن ننكر أهمية اللهجات العامية وأن نقلّل من دورها. وإنّما على العكس من ذلك يجب أن نعطيها حقها بالدراسة والتحليل والمقارنة مع اللغة الفصحى، وعلى الجهات المسؤولة أن تنتبه لهذا الأمر وتشجّع عليه، وخاصّة الجامعات التي يمكن لها أن تقوم بأبحاث جادّة في هذا المجال، تدرس فيها الظواهر اللغوية الموجودة في اللهجات ، وتبيّن فيها العلاقة بين اللغة الفصحى ولهجاتها، لأنّ هذه اللهجات وكما هو معروف تعود في أصولها إلى اللغة الفصحى التي تطوّرت عنها. وهذه الطريقة من البحث هي السائدة في أكثر الدول الأوربية، وأعتقد أنّ الوضع اللغوي في سويسرا يشبه تماما الواقع الموجود في البلاد العربية. وأنا لا أرى أبدا أنّ في انتشار اللهجات المحلّية خطرا يهدّد اللغة الفصحى، لأنّ هذا أمر عامّ في كلّ لغات العالم. فضلا عن أنّ اللغة العربية الفصحى لها من مقوّمات القوّة ما يجعلها تبقى دائما اللغة الأساسية للكتابة والقراءة والتعامل الرسمي، فهي- وكما هو معروف- لغة القرآن والتراث والأدب والشعر القديم. وأنا في الواقع لا أجد أيّ ضرر يمكن أن يلحق باللغة الفصحى من اللهجات ، ولكنّني أشدّد على ضرورة دراسة اللهجات المحلّية ومقارنتها بأصولها التي تطوّرت عنها ، لأنّ في ذلك غنى وفائدة للطرفين معا.‏

-ما هو مدى اطّلاع القارئ الألماني بشكل عام على الأدب العربي؟ وكيف يصل إليه هذا الأدب؟ وهل تجدون أن الأعمال الأدبية العربية المترجمة إلى اللغة الألمانية كافية لإعطاء القارئ الألماني صورة صادقة تعكس الواقع الحقيقي للأدب العربي؟‏

*إنّ اطّلاع القارئ الألماني على الأدب العربي محدود جداً، لأنّ الأعمال المترجمة إلى الألمانية قليلة نسبيا، بالمقارنة بالترجمات عن الآداب العالمية الأخرى، وأعتقد أنّ الوضع قد بدأ في السنوات الأخيرة يتغيّر تدريجيّا، لأن عدد الأعمال المترجمة عن العربية بدأ يزداد، وخاصّة الترجمات عن الأدب العربي الحديث. بالإضافة إلى ذلك فإننا نجد من وقت إلى آخر في الصفحات الأدبية من المجلاّت والجرائد الألمانية المحلّية بعض المقالات التي تدور حول مسائل الثقافة والأدب العربيين، كالحديث عن إميل حبيبي أو ابن جلّون والأدب المغربي، أو رشيد أبو جدرة، أو الضجة التي أثارها موضوع نصر أبو زيد وهكذا.‏
ومهما يكن الأمر فإنّ الأعمال الأدبية العربية المترجمة إلى اللغة الألمانية غير كاقية ولا تعطي القارئ الألماني صورة حقيقية عن الأدب العربي، لأنّ عملية اختيار العمل الأدبي المراد ترجمته تكون خاضعة في أحيان كثيرة للأهواء الشخصية والاعتبارات الماديّة، فمثلا ثلاثية الأديب الكبير نجيب محفوظ لم تكن معروفة في ألمانية قبل منحه جائزة نوبل للآداب، أضف إلى ذلك أنّ ترجمة هذه الثلاثية إشكالية ولاتعطي القارئ الألماني فكرة حقيقة مقنعة عن هذا الأديب الكبير وإمكانياته الأدبية. وبالتأكيد فإنّ الكاتبة اللبنانية حنان الشيخ ليست من عمالقة الكتّاب العرب، ومع ذلك فقد تُرجمت لها ثلاث روايات إلى اللغة الألمانية.‏
وأودّ أن أشير هنا إلى مشكلة أساسية في الموضوع وهي عدم اهتمام دور النشر الألمانية الكبيرة بالترجمات عن الأدب العربي أو الأدب في العالم الثالث بشكل عام، لأنّ هذا الأمر فيه نوع من المغامرة، وقد لا يكون مضمون العواقب بالنسبة لها من الناحية المادية على الأقلّ.‏
وهناك نقطة أخرى تجدر الإشارة إليها، وهي اختلاف الذوق الأدبي، لأنّ المواضيع التي يتناولها بعض الأدباء العرب ربّما لاتهمّ القارئ الأجنبي، ولهذا السبب كان الأدباء المغاربة أقرب إلى ذوق القارئ الألماني من غيرهم، عن طريق الترجمات الفرنسية.‏
---------------
الحياة الشخصية للبروفيسور يوبتسين‏
الاسم الكامل : هارتموت أوتو بوبتسين‏
مكان وتاريخ الولادة : بريمن/ عام 1946‏
الوضع العائلي : متزوج من السيدة كاتارينا فاينل التي تعمل مدرّسة للغة العربية أيضا وله منها ولدان.‏
الوضع الدراسي: حصل على الدكتوراه عام 1974 من جامعة ماربورغ. وعلى شهادة البروفسورية عام 1986 من جامعة إرلنغن.‏
وعلى كرسي أستاذية العلوم الإسلامية في معهد الاستشراق في جامعة إرلنغن عام 1992.‏
من أشهر مؤلّفاته : الأزمنة الفعلية في سفر أيّوب - الدراسات القرآنية في أوربة - الأفعال الشائعة في اللغة العربية المعاصرة - النبيّ العربي محمدّ (ص) وغيرها. بالإضافة إلى عدد كبير من المقالات العلمية المنشورة في مجلاّت مختلفة.‏
---------
- الدكتور ظافر يوسف : مدرّس النحو والصرف في جامعة حلب- سوريا، ومعار حالياً للتدريس في جامعة إرلنغن - نورنبرغ في جمهورية ألمانية الاتحادية.‏
------------------------
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 68 - السنة السابعة عشرة - آب "أغسطس" 1997 - ربيع الآخر 1418