تعليم اللغة العربية بين الإمكان والاستحالة- طارق عاشوري

من بين أهم المواضيع التي تشهدها الساحة الثقافية والفكرية يبرز موضوع اللغة العربية واسترجاع المكانة التي كانت لها قبل قرون مضت، أقصد اللغة النقية الفصحى، وقد حاول كثير من الدارسين والمهتمين إفادة هذا الموضوع عبر مجموعة من التجارب، من ذلك تجربة عبد الله الدنان مع أبنائه.
تتلخص تجربة الدنان في أنه كان يحدث ابنه منذ صغره بالفصحى، بينما تحدثه أمه بالدارجة، فنشأ هذا الابن بثنائية لغوية؛ يحدث أباه بالفصحى ويحدث أمه والآخرين بالدارجة، وأعاد الدنان هذه التجربة مع ابنة له وحدث نفس الشيء معها؛ أي إن الدنان أراد إكساب أبنائه العربية الفصحى فطريا وهو ما يعرف بالاكتساب وهو غير تعلم اللغة كما نعلم، وهذه تجربة فريدة من نوعها في هذا العصر، لكن ستكون هذه الورقة مناقشة لها من حيث إمكانية تعميمها حتى نستطيع إنشاء جيل أو أجيال تعيد للفصحى أمجادها.
كل من يسمع بتجربة الدنان يحس بالعز والفخر وشيء من العاطفة التي أخمدتها قرون من الضعف والانكسار تجاه الأمة العربية والإسلامية، غير أن الذي يجب أن يكون هو مناقشة هذه التجربة مناقشة علمية موضوعية لا عاطفية، لأننا أمام تحديات تتجاوز العاطفة وتتجاوز تلك النفحات التي نسمع عنها هنا وهناك.
أول ما يلاحظ في هذه التجربة أنها تجربة وحيدة في كل الوطن العربي، أي إن الدنان وحده من حاول تطبيق هذه النظرية –إن صح إطلاق اسم النظرية عليها-، ولكن ماذا عن التطبيقات التي تعمم هذه النظرية؟ قد يقال إن هناك دراسات أجريت حول ما جاء به الدنان، فنقول نعم ولكن ماذا بعد الدراسات؟ هل من محاولات لتعميم هذه النظرية؟
نشير أولا إلى أن هذه التجربة ونتائجها كانت منظرة لها من قبل، ونعني بذلك رأي ابن خلدون في وجوب اكتساب اللغة وممارستها في المواقف الحقيقية عبر السماع والقراءة قبل تعلم قواعدها؛ “ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث، وكلام السلف، ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم .. ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على حسب عباراتهم وتأليف كلماتهم وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم؛ فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال ويزداد بكثرتهما رسوخا وقوة… ومن حصل على هذه الملكات، فقد حصل على لغة مضر” (مقدمة ابن خلدون: ص: 638)، ولذا فيمكن اعتبار هذه التجربة ثمرة إيجابية نتجت عن الفهم الصحيح والإدراك العميق بأن اللغة يجب أن تكتسب أولا بالمواقف التواصلية لا بالقواعد.
إن إمكانية تعميم هذه النظرية وتطبيقها على مستوى كل الدول العربية ومنها الجزائر أمر فيه نظر من حيث مجموعة من الإشكاليات، أهمها ما يلي:
1. كثير من العرب غير متمكنين من اللغة العربية، وذلك عبر مستوياتها الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية، وهذه مشكلة نجدها عند أساتذة اللغة العربية أيضا، فإننا نلاحظ أنهم يركزون على كثير من الأمور التي يُظن أنها من الفصاحة، وليست من الفصاحة في شيء، وقد فصل هذا الأمر الأستاذ الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح -رحمه الله- ومن ذلك ما قاله ضمن حديثه عن حيوية اللغة العربية؛ “وقد كانت الفصحى التي دونها اللغويون العرب الأولون تتصف بهذه الصفة، وأكبر دليل على ذلك كثرة ما سجله أولئك اللغويون من العبارات المختزلة ذوات العناصر المضمرة وكثرة ما ورد في كتاب سيبويه وكتب القراءات من شواهد الاختلاس والتسكين والتخفيف للهمزة وحذفها والإدغام والإبدال والقلب مما لا سبيل إلى وجوده في اللغة التي يتعلمها الطفل في المدارس واللغة الفصحى التي يلتقطها في الإذاعة والتلفزة وغيرهما، ففي هذه الفصحى التي يتكلف فيها المتكلم أكثر مما هو لازم يكثر فيها الحشو كثرة ليس فوقها من مزيد، وذلك كالاستعمال المستمر لأدوات التوكيد مهما كان مقتضى الحال…، ثم إن هذا التكلف قد يبلغ أحيانا درحة اللحن، وذلك كالوقف على المتحرك بالمتحرك، وعلى المختوم في الوصل بالتنوين بالنون الساكنة ..” (بحوث ودراسات في اللسانيات العربية: ص: 68_ 69). وهذا الأمر وحده يشكل صعوبة لا يستهان بها في اكتساب اللغة العربية وتعلمها.
2. إن الانفصام الذي يعانيه المجتمع العربي عموما والجزائر على سبيل المثال انفصام عالٍ بين اللغة الفصحى والدارجة، وهذا أمر يتجاوز مجرد الاختلاف الصوتي كما كان في العصور والقرون السابقة؛ فقد كانت اللهجات مجرد تنويعات صوتية في غالب الأحيان قد لا تصل إلى المستوى التركيبي النحوي، وحتى إن وصلت فهي لا تعدو اختلاف الحركات والإعراب، وهو ما لا نجده اليوم في اللهجات؛ بحيث تختلف هذه اللهجات عن الفصحى من كل المستويات، الصوتية والصرفية والتركيبية خاصة، كما أن الأمر يتجاوز هذا إلى تغلغل اللغات الأجنبية إلى هذه اللهجات، بل إلى الفصحى –الفصحى التي يكتب بها اليوم الصحفيون والكتاب- وهو الأمر الذي يزيد من انفصام الفكر العربي، وهو أمر لا يولد ثنائية لغوية بقدر ما يولد ازدواجية لغوية خطيرة نعاني منها اليوم في كل البلاد العربية.
3. نأتي إلى النقطة التي لها من التأثير ما لها، وهي مسألة القرار السياسي، وهو الأمر المؤثر بالشكل الكامل، إذ لو أننا رجعنا إلى البدايات لرأينا أن الجهود التي بذلها النحاة واللغويون الأوائل في إعادة نظام اللغة وضبطها لم تكن لولا القرار السياسي، وقد رويت روايات عديدة متضاربة حول علي بن أبي طالب، وزياد بن أبيه، وغيرهما أنهم من أشار على العلماء من أمثال أبي الأسود الدؤلي وضع تنظيم للغة وضبط ما اعوج منها، غير أن تضاربها لا يعني أنها كلها مكذوبة بل سيكون أحد هؤلاء السياسيين الفاعل في نشأة الإصلاح اللغوي، ونتجاوز هذه المرحلة إلى العصر الأموي فالحجاج وهو أمير له وزنه في الدولة الأموية هو من أشار على العلماء بوضع نظام التنقيط للمصحف وبالتالي للغة العربية ليزول ما فيها من إبهام وعجمة وبالتالي التيسير اللغوي للعرب. والشيء الآخر الذي يضاف لأهمية القرار السياسي القوة والتحكم السياسيين، بحيث إن القوة تفرض السيطرة وبالتالي تبعية الضعيف للقوي على رأي ابن خلدون، وهو الأمر الذي كان أثناء قوة السياسة الإسلامية إذ كان لزاما على الشعوب المحتمية بظل المسلمين أن يتكلموا العربية، ويكتبوا ويراسلوا بها بدءا من تعريب الدواوين في عصر عبد الملك وترجمة العلوم والفنون الأجنبية في عهد المأمون وهما مثالان عن دولتين سيطرتا على بقاع لا يستهان بها من العالم.
ولذلك يبقى تطبيق تجربة الدنان وغيرها من التجارب والنظريات غير فعال دون تفعيل الأنظمة السياسية لهذه النظريات التي تبقى تجريدا علميا بحتا بعيدا عن التطبيق والممارسة.
ويتبع هذا الأمر المنظومات التربوية التي تساهم بشكل كبير في تقوية أو إضعاف الممارسة اللغوية للطفل، ولكل متعلم، وهذا أمر بحث فيه كثير من الدارسين غير أنهم لم يخرجوا من كونهم صنفين؛ صنف ثائر على النظام وبالتالي فهو يرى كل شيء تابع له مجرد تخليط وفوضى دون تقديم تفصيل دقيق وعلمي موضوعي، وصنف آخر يمدحون كل ما تخطه المنظومات التربوية دون تمحيص ودون تحقيق وكلاهما لا فائدة من كلامه، لأنه يبقى كلاما مبنيا على أحكام سابقة لا محل لها في الدراسة العلمية الجادة.
أهم ما يمكن قوله حول المنظومات التربوية، أن تلك الممارسات التي نراها عند المعلمين هي صورة مصغرة عن الانفصام العام الذي تحدثنا عنه، وذلك أن اللغة العربية التي يفترض أن تحقق كفاءات عرضية تستفيد منها كافة المقررات والمواد علمية وأدبية أصبحت مادة يحدها حيز زماني ضيق وهو توقيتها، فبمجرد انتهاء حصة اللغة تنتهي اللغة، ويبدأ المزيج الرهيب من اللهجات المتضمنة اللغات الأجنبية، وهذا الأمر يدفع بالمتعلم إلى اعتبار العربية مادة مثل بقية المواد، لها مجموعة من القواعد التي يجب عليه حفظها (لا تطبيقها) لإعادتها يوم الامتحان وبالتالي استصعابها والنظر إليها على أنها فلسفة معقدة وعلم صعب. وبالتالي فغياب ممارسة اللغة وتفعيلها أثناء التواصل بين المعلم وتلميذه سيعاني من أمرين إما الممارسة الخاطئة لقواعد اللغة كما سبق وأشرنا، وإما انقطاع التواصل واستبدال العربية بالخليط غير المتجانس من اللهجات.
ليس المراد بهذا التحليل أن نقضي على الآمال، ولا أن نسرب اليأس من انبعاث العربية واسترجاع مكانتها، المراد من هذا التحليل والقراءة أن نبين أن مستقبل اللغة العربية مستقبل صعب تواجهه تحديات ليست سهلة لدرجة أن نفكر أن القضاء عليها بالتنظير والبحث العلمي، بل هي تحديات تجعل قضية استرجاع مكانة العربية قضية شديدة الصعوبة ولا أقول مستحيلة، لكنها تبقى غائبة نظرا إلى الوضع السياسي والعلمي، والوضع الاقتصادي للأمم العربية التي أقصى طموحاتها أن تأكل وتنام بأمان واطمئنان.

طارق عاشوري: باحث دكتوراه – المركز الجامعي صالحي أحمد – الجزائر
--------------
المصدر: شبكة ضياء: http://diae.net/55509

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: